سحابة صيف..!!
21 مارس 2014 , 12:00ص
قد يقول قائل: «أهل مكة أدرى بشعابها» ! فما بال كاتب مصري يناقش هماً خليجياً، أو أزمة غير مسبوقة، في تاريخ منظومة مجلس التعاون الخليجي، خاصة أن الوضع في مصر هو جزء من الأزمة الأخيرة. وردي بسيط، يعود إلى سنوات طويلة، من الخبرة في الشؤون العربية، بصفة عامة، والشأن الخليجي بصفة خاصة، ومعرفة بآليات اتخاذ القرار في المنطقة، ناهيك عن تغطيات لم تنقطع لأنشطة خليجية، طوال تلك الفترة، وحضور معظم القمم الخليجية، بالإضافة إلى حس عروبي، يدفعني إلى الخوف، على التجربة الوحيدة والصحيحة، الذي صمدت، في مواجهة العواصف والتحديات، وأقصد به استمرار مجلس التعاون الخليجي.
وبعيداً عن «التهوين المخل»، «أو التهويل المضر»، يجب وضع القرار الثلاثي من السعودية والإمارات والبحرين، باستدعاء السفراء من قطر، في إطاره الصحيح. فهو تعبير عن أزمة حقيقة وحاسمة، في العلاقات الخليجية الخليجي، الذي تجسد في مجلس التعاون الخليجي، منذ إعلانه في 1981، ولكنه لا يمثل بأي حال من الأحوال تهديداً للمجلس ذاته، أو استمراره، فقد شهدت الحقب السابقة، العديد من التجمعات العربية التي ذهبت مع الريح، بعد انتهاء فورة الحماس التي دفعت أطرافها إلى إقامتها، فمن منا يتذكر الآن مجلس التعاون العربي؟ الذي تشكل في العام 1988، بين مصر والعراق والأردن واليمن، والذي لم يصمد مع أول خلاف جوهري بين أطرافه، وكان حول غزو العراق لدولة الكويت، أما الاتحاد المغاربي، الذي أقيم في اليوم التالي لنظيره العربي، وضم ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا، فهو يراوح مكانه، جثة تحتاج إلى الدفن، بعد أن عانت من الإهمال والتجميد والنسيان، وعجزت الدول الخمس، عن الاتفاق حتى عن عقد لقاء وزاري. ناهيك عن دول إعلان دمشق، الذي تم الاتفاق عليه بعد حرب تحرير الكويت، وضم دول الخليج الست، بالإضافة إلى مصر وسوريا، الشركاء العرب الأساسيين في المعارك، واعتبره البعض حلفاً عربياً جديداً، يضم الدول العربية الفاعلة، ويوماً بعد يوم فتر الحماس، وتبخترت الآمال، وتراجعت الوعود، ومات الإعلان إكلينيكياً، دون اهتمام من أي من الدول الثمانية، أو الإشارة إلى أسباب إقامته ومبررات وفاته.
مجلس التعاون الخليجي، هو التنظيم الوحيد الذي استطاع الصمود، وتجاوز الأزمات، والتعاطي مع التحديات الإقليمية، والدولية وحتى الخليجية نفسها، ونجح في تحقيق العديد من الإنجازات، على صعيد تحقيق المواطنة الخليجية، والسوق الخليجية المشتركة، والربط الكهربائي والمائي والسككي، والتكامل الاقتصادي، وحرية الانتقال والعمل والإقامة، بين كل مواطني الخليج، لدرجة أن المطروح الآن التحول من التعاون إلى الوحدة، وهي الدعوة التي أطلقها منذ أكثر من عامين، بالرياض خادم الحرمين الشريفين، ومازالت تتفاعل، ويتم مناقشتها. كما نجح المجلس في انتظام انعقاد القمم الخليجية، بالتناوب في عواصم دول الخليج، وأضيف إليها قمة تشاورية في منتصف كل عام، دون أن يعني ذلك أن سكة المجلس كانت سالكة، أو أن الأمور كانت دائماً تسير بشكل طبيعي، فنحن أمام ست دول، صحيح أنها تتشابه في نظم الحكم الملكية، والتي تعتمد على أسر حاكمة، ببيعة وتوافق أفراد الشعب. ولكنها في نهاية الأمر، دول ذات سيادة، تتمتع بسياسات مستقلة، تصبغ علاقاتها الخارجية، وشؤونها الداخلية، وفقاً لمصالحها الخاصة، دون أن يكون هناك تعارض جوهري، بين الدول الست، والتزام بالقاعدة الفقهية، «لا ضرر ولا ضرار». ولهذا كان من الطبيعي، طوال تاريخ مجلس التعاون الخليجي أن تتعرض العلاقات بين الدول الست، إلى أزمات متنوعة، وعلى أكثر من صعيد، معظمها مرتبط بطبيعة المنطقة، وقيمتها الاستراتيجية، وكونها الأولى في إنتاج النفط واحتياطياته، ومن تلك التحديات تعرضت إحدى دولها الكويت، إلى غزو غير مسبوق في العلاقات العربية، وهدد وجود دولة من دولة إلى بالإلغاء، فكان الموقف الخليجي الموحد، المدعوم عربياً ودولياً، وراء سرعة إنهاء الأزمة، كما عانى المجلس ودوله ومازال، من تحديات تتعلق بالجوار الجغرافي، خاصة من إيران، التي مثلت دوماً تهديداً للخليج، سواء في زمن الشاه، وزاد الخطر تحت حكم رجال الدين، والتدخلات غير المقبولة، في الشؤون الداخلية لها، وآخرها المؤامرة على مملكة البحرين، ومحاولة إقامة جمهوريات إسلامية في دول الخليج، واستنفار الأقليات الشيعية واستمرار احتلالها للجزر الإماراتية الثلاثة، طنب الكبرى والصغرى وأبوموسى، يضاف إلى ذلك حالة عدم الاستقرار، في العلاقات مع العراق، سواء في زمن صدام، أو الأنظمة التي أعقبته، وكذلك المخاوف الخليجية، من حالة عدم الاستقرار في اليمن، وتنامي مخاطر القاعدة والحوثيين.
ومن المهم هنا، أن تقرر وفقاً للوقائع، أن العلاقات مع دول الجوار، لم تشهد أبداً مواقف موحدة، أو سياسية خارجية واحدة، فدائماً كان هناك أكثر من تيار، الأول يشهد تأزماً في العلاقة، لاعتبارات مختلفة، خاصة من المملكة العربية السعودية، التي لم تكن العلاقات مع إيران، طبيعية وهادئة ومستقرة، سوى في سنوات محدودة وقليلة. وتيار آخر، يعتمد على أحكام الجغرافيا والتاريخ، ويسعى إلى التعاطي إيجابياً، مع تلك العلاقات. والأبرز هنا سلطنة عمان، وإلى حد ما قطر والكويت، المهم هنا التأكيد على أن التباين في السياسات الخارجية لدول الخليج، ليس وليد اليوم، حتى يتم فرض رؤية أو توجه على دولة بعينها، وهو المطروح حاليا.
كما عانى المجلس من خلافات، على المستوى الثنائي بين دوله، ولكن ظل يحكمها اتفاق غير مكتوب، بالإبقاء عليها في الغرف المغلقة، ولا تخرج إلى العلن، سوى في حالات محدودة، ومنها الخلافات حول ترسيم الحدود، وتنفيذ بعض القرارات، والاتفاقيات الموقعة بين الدول الست، وآخر تلك المشاكل كانت حول الطرح السعودي، بإقامة اتحاد خليجي، والذي تحفظت عليه بشكل حاسم سلطنة عمان، وعلى لسان وزير الخارجية يوسف بن علوي، الذي هدد بعدم الانضمام إلى الاتحاد، إذا سارت دول الخليج في طريقه، كما تعاملت دول أخرى مع الدعوة السعودية للاتحاد بشكل سلبي، ولكنها لم تعلن ذلك صراحة، خاصة أن القضية تم تأجيلها، في قمة الكويت الخليجية الأخيرة.
ولعل الأزمة الأخيرة هي الأهم والأخطر، في تاريخ مجلس التعاون الخليجي، خاصة أن خروجها للعلن بهذه الصورة، يعني عدم القدرة علي إيجاد وسائل للحل، خلال الفترة الماضية. رغم الجهد الذي بذله أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد ووزير الخارجية العماني يوسف بن علوي، الذي زار الدوحة منذ أيام، في محاولة للدخول على خط إعادة ترتيب البيت الخليجي، ومع ذلك فإن السعي إلى الحل، قد يبدو صعباً، ولكنه ليس مستحيلاً، فلم يكن هناك إجماع خليجي على الخطوة، وعدم مشاركة الكويت وسلطنة عمان، في الخطوة كلا لأسبابه. لعل منها عدم القناعة بما تم تقديمه، من ملاحظات حول السياسية الخارجية القطرية، أو الاتهامات المنسوبة ضدها، وقد يكون الرغبة في عدم تصعيد الموقف الخليجي، وتأزمه بتلك الصورة غير المسبوقة، ويمكن تفسير الموقف العماني، في ضوء أن أحد أركان سياستها الخارجية ـــ فما بالك بالخليجية ـــ تعتمد على الناي بنفسها، عن أي أزمة مهما كانت، أو صراع مهما كان حجمه أو أسبابه، كما أنها تطرح نفسها دائماً جسراً للتواصل، والوساطة وتجسير الفجوة ببن أطراف النزاع، ودليل ذلك موقفها من إيران مثلاً، التي كانت عرابا للمفاوضات الثنائية بين واشنطن وطهران، التي فتحت الطريق للوصول إلى اتفاق، حول إنهاء الملف النووي الإيراني، ونفس الأسباب لدى الكويت يضاف، إليها أنها رئيسة القمة الخليجية خلال الدورة الحالية، وفي الطريق لرئاسة القمة العربية، ولا يجوز أن تشارك في الانحياز، إلى طرف ضد طرف، في ظل هذه الظروف، كما أن أمير الكويت، يجيد في حل الأزمات العربية، وكل المؤشرات تؤكد أن الكويت وأطرافاً عربية عديدة، قد دخلت على خط التوسط، لإنهاء الأزمة قبل القمة القادمة، أو أثناءها، خاصة أن قطر لم ترد بالمثل، وهو أمر يحسب للسياسية القطرية، التي لا ترغب في التصعيد، وتؤكد الحرص علي البيت الخليجي، مع التأكيد على استقلالية القرار الوطني القطري.
ونحن في، انتظار مرور سحابة الصيف، فالذي يعول على استمرار الخلافات العربية خسران، فما بالك إذا تعلق الأمر بالعلاقات الخليجية، وهذا أحد دروس التاريخ المهمة!