


عدد المقالات 283
دعنا من مشهد نقلته الشاشات في كل مكان لرئيس جمهورية هارب من المنصة الشرفية وهو محمي من الحجارة المنهمرة على رأسه، بمحفظات حراسه، فهو أمر يمكن أن يحدث بعيدا عن إرادته، وهو رجم يمكن أن يصيب ظالما ومظلوما! لكن لنبحث قليلا في عمق الأشياء إن ما زال للأشياء عمق في تونس التي تحتفل على طريقتها بمرور سنتين على احتراق البوعزيزي قهرا طيلة الأيام الماضية. اهتمت وسائل الإعلام العالمية بإحياء تلك الذكرى، راصدة حصاد 48 شهرا انطلاقة «الربيع العربي». تابعت ذلك وكان أن لفت نظري بالخصوص تناول شبكة «بي.بي.سي» المحترمة للحدث في برنامج «نقطة حوار» الذي سأل التالي: هل خيبت الثورات العربية آمال البوعزيزي وأقرانه (في كل مكان)؟ وكانت الإجابة بنعم في %66! وبصرف النظر عن دقة نتيجة الاستفتاء يمكن لأي كائن حي أن يلحظ بلا تعب أن تلك النتيجة ليست ببعيدة عن الواقع. رغم أنها بعيدة جدا عن الأحلام التي كانت تراود المنتفضين في تونس. وفي كل مكان كان يوجد فيه أقران البوعزيزي على حد الوصف الذي اختارته «بي.بي.سي»! خلال ذات البرنامج الشهير كانت هناك عدة تدخلات شعبية ورسمية. كل منها حاول رسم صورة ما. تناسب موقع المتدخل. لكن الخلاصة كانت اعترافا عاما -وإن نسبيا- بالفشل في تحقيق ما كان يأمله لمنتفضون قبل سنتين، بذات البساطة. ألخص تلك الآمال وهي لا تتجاوز ثلاثة بالعد: أولا: أمل في حياة اقتصادية أقل قسوة (بما في ذلك التشغيل وتكاليف الحياة اليومية) ثانيا: فساد مالي وإداري أقل (بما أن المدينة الفاضلة لا توجد على سطح الأرض). وثالثا كان التونسيون يريدون أوفر حرية في التعبير. وأكثر إنصاتا لهمومهم من طرف من يمسك بصولجان الحكم وليس أبعد من ذلك. وللأسف الشديد فإن الذي حدث بعد سنتين كان العكس تماما. بل ساءت الحياة الاقتصادية والسياسية والأمنية كثيرا. ولم تتحقق إلا حرية التعبير التي تجاوزت مداها في أحيان عدة، فسببت الغثيان، وتشبهت بالإسهال! وإذا تجاوزنا عن العناد المتفاقم حول هذه النتائج البينة لكل ذي عينين، فإن المطلوب كان سهلا -نظريا- لكنه تعطل عمليا، بل تراجع الوضع بدرجات مخيفة ما جعل ردود الفعل على تلك الدرجة من التشنج أيام احتفالات من المفترض أن يعم فيها الفرح والتفاؤل ولا أن يسودها الغضب والحجارة والتشاؤم، إلى حد رمي الرئيس بكل ما تطاله اليد! ومع الأخذ بعين الاعتبار أن الحكومة المؤقتة لم تكن طليقة الأيدي وهي تحاول بما تملك من دراية ومن إمكانيات مواصلة الطريق الانتقالية. فلا مناص من القول إنها كانت تشكو فقرا في التصور، وكان يعوزها الرأي السديد والمشورة الحسنة، بل إنها كانت تحتاج منذ البداية إلى كثير من التواضع السياسي لتكمل طريقها بالتوافق، وقد تبدت الحاجة إلى ذلك منذ أول أيام إعلان «الانتصار الساحق» في الانتخابات. وما كان بساحق ولا هم يسحقون! لذلك أعتقد بكل تواضع وتحفظ، أن خارطة طريق الحكم الجديد في تونس كانت مثل متاهة روسية. ومرد ذلك -في اعتقادي علاوة عن الهواية- أن تصفية الحسابات القديمة وهدف تغيير نمط المجتمع. كانا الأولوية الأولى للوافدين على الحكم. بل إن هاتين الغايتين سبقتا التنمية وسواها، ورغم نصح الناصحين -وأولهم الزعيم نيلسون مانديلا- فقد رشح الثار من كل شيء على النفوس، وزينت السلطة طريق التسلط، فعميت العيون عن الطريق الصحيحة، ثم ما لبث أن غرق الجميع في دوامة الانقسامات الحادة التي لا يتحملها مجتمع لا يملك من ثروات إلا تجانسه وقربه من بعضه البعض حتى في أسوا الأزمنة. لقد كان بالإمكان أحسن مما كان بكثير. وكان يمكن أن يعود أبناء الوطن إلى بعضهم البعض على قاعدة التراحم وعبقرية الاستفادة العامة حتى من الأزمات. وليس أبسط من صورة ألفي مليار دولار (بحسب الأرقام التقريبية للأموال المنهوبة) كانت في متناول الحكومة من جيوب الذين حصلوا عليها بدون وجه حق. وربما أكثر من ذلك المبلغ بكثير، ممن هم مستعدون للدفع ندما وتضامنا وامتنانا وطلبا للأمان، لو تصارح التونسيون وقرروا فتح صفحة جديدة في تاريخهم عنوانها التسامح والتصالح والتعايش، لكن شيئا من ذلك لم يحدث، بل ذهبت الرغبة في الإقصاء والتشفي شوطا بعيدا، ما شنج الأجواء وألقى بكثير من الكهرباء في سماء البلاد. حتى أن أحدا اليوم لم يجن شيئا سوى الكراهية المستحكمة، في السلطة أو في المعارضة أو في الشارع، وكانت تلك خيبة جماعية مريرة الآن لم يفت الوقت، بل أزف موعد الحقيقة، بأن يعود الرشد إلى الجميع ما دامت الخسائر لم تتفاقم بعد ولم تبلغ نقطة اللاعودة. وبأن يجلس الفرقاء المهتمون بالشأن العام إلى بعضهم البعض دون إقصاء أو تحقير، ليتداولوا في أقوم المسالك من أجل إدارة الآتي، على أمل أن يكون الآتي أسلم، ليس فقط لتونس، وإنما أيضا لسواها من البلاد التي استلهمت منها قيم الحرية والعدالة قبل سنتين من الآن. ولعلها تنتظر الآن من تونس استلهام قيمة التعايش ومعنى الوطن للجميع!
كنت أقول في هذا الموقع قبل بضعة شهور إن الخمسينيين وحتى الأربعينيين يغبطون الرئيس التونسي التسعيني على حيويته الفكرية والجسدية -نسبياً- وهو يتحدى عامه الثالث والتسعين، لكنني لا أعلم على وجه الدقة إن كانوا يغبطونه...
بعد الخميس جاء يوم الجمعة، وبعد 17 يناير أطلّ يوم 18 يناير، ولم تتوقف الأرض عن الدوران في تونس، بسبب الإضراب العام في قطاع الوظيفة العمومية، بل استمرت الحياة عادية، رغم نجاح الإضراب الذي قاده...
لم تكن لوحة الفنان الإيطالي «ليوناردو دا فينشي» التي سمّاها «العشاء الأخير» أقل إثارة للجدل في تونس من «العشاء الأخير» الذي جمع مساء الثلاثاء الماضي الشيخ راشد الغنوشي بـ «الشيخ» الباجي قايد السبسي، بعد جفاء...
كعادتهم السنوية «المقدّسة»، ينتظر فريق من التونسيين قدوم شهر يناير بفائض من الشوق، وينتظر فريق آخر انجلاءه بفارغ الصبر، فشهر يناير في هذه البلاد غير ما هو متعارف عليه في بلاد العالم الأخرى، حيث يهرب...
رغم أنها دانت لرئيس الحكومة يوسف الشاهد أو كادت، لا يزال المشهد موارباً في تونس، ويستعصي على فهم أكثر المراقبين التصاقاً بتفاصيله. كان منتظراً من يوسف الشاهد في إطلالته مساء الجمعة، بعد طول صمت، أن...
في لمح البصر، عادت حركة «النهضة» التونسية للمربع الأول، وهي التي كابدت من أجل تحسين صورتها على مدى السنوات الثماني الماضية. فقد كان يكفي أن يظهر رئيسها وزعيمها التاريخي منذ أربعين سنة، راشد الغنوشي، ظهوراً...
كثيرون هم من يحسدون الرئيس التسعيني الباجي قايد السبسي على حيويته الذهنية، بل يراه البعض «أسطورة ديناصورية» لم يَجُد بها الزمن إلا لماماً. وقد قال يوم الخميس الماضي إنه «آخر الكبار» ممن مد الله في...
عدا الضجيج اليومي الذي يذكّر بما يصدر عن سرك مفتوح في تونس، هناك حدث جلل لم يجانب الصواب من وصفه بالحدث «التاريخي»، بل لعله التطور السياسي الأبرز على الساحة العربية والإسلامية منذ ارتدادات زلزال سقوط...
تهتز الساحة السياسية التونسية بشدة على مشارف سنة انتخابية ساخنة ومحددة لمن سيمسك بصولجان السلطة لعدة سنوات قادمة.. من ذلك انصهار الحزب «الحاكم» نظرياً (نداء تونس) مع الحزب الرابع في نتائج انتخابات 2014 (الاتحاد الوطني...
كان التونسيون في غاية الحاجة إلى كلمات الرئيس الفرنسي في قمة الفرنكوفونية بأرمينيا، وهو يعلي في نبرة صوته بـ «أن تونس فخر لنا»، قبل أن يكيل مزيداً من المديح لرئيسها «الشجاع» الباجي قايد السبسي، وإلى...
خلال ساعات من الآن، سنرى إن كانت السكاكين المشحوذة على مدار الأيام الماضية قد ارتدّت عن رقبة يوسف، أم أن إخوته سيجهزون عليه ليعودوا إلى أبيهم جذلين. في تونس، بلغ التشويق أشده بشأن رئيس الحكومة...
من المفترض أن يتحدد خلال الأسبوع المقبل مصير يوسف الشاهد، وهل سيواصل مهامه كرئيس للحكومة التونسية حتى 2019 موعد الاستحقاق الانتخابي الرئاسي والتشريعي، أم أنه سيكون كفاية عليه بقاؤه في منصبه ذاك سنة و9 أشهر،...