بطل موقعة التقرير.. !!
20 مارس 2014 , 12:00ص
اختياران لا ثالث لهما، أمام أصحاب تقرير لجنة تقصي الحقائق، حول أحداث فض رابعة العدوية والنهضة، في أغسطس الماضي بمصر، والذي أصدره المجلس القومي لحقوق الإنسان، إما أنهم «شاهد ماشافش حاجة» على طريقة عادل إمام في المسرحية الشهيرة، والتي حملت نفس الاسم، والبديل الثاني أنهم شهود زور، شهدوا كل شيء، وعرفوا كل الحقيقة، ولكنهم مارسوا الكذب في أعلى صوره، واختاروا التزوير بكل أبعاده، خاصة أنهم يمثلون الخصم والحكم في الوقت نفسه، فتشكيلة المجلس القومي لحقوق الإنسان، والتي تم الإعلان عنها بعد 30 يونيو، جاءت بكل العناصر المعادية لفصيل الإخوان المسلمين، والكثير منهم لا علاقة له بمجال حقوق الإنسان، ولم يمارسه، والوحيد المنتمي للجماعة، هو الصحافي محمد عبدالقدوس، ولكنه يمثل حالة في حد ذاتها، ولا يمكن أن يكون له تأثير كبير على عمل المجلس، أما بقية الأعضاء، فهم تشكيلة من أهل اليسار، أو الناصرين والليبراليين، أبطال مرحلة ما بعد 30 يونيو، والقلة المحسوبة على التيار الديني، فهم الخارجون عن الإخوان، والذين تحولوا إلى أن يكونوا أشد عداوة، وأكثر ضراوة في مواقفهم من غيرهم، فهل يمكن أن يكونوا محايدين؟ في النظرة إلى أحداث، مثل فض اعتصامي النهضة ورابعة العدوية، أو ما أعقبها من تطورات، ورغم ذلك، فقد تم الكشف عن خلافات بين الأعضاء، لدرجة أن بعض أعضاء اللجنة، ذكروا أن التقرير لم يوزع عليهم، سوى قبل المؤتمر الصحافي بساعة، دون إجراء أي نقاش حوله، ودعي آخرون، إلى إرسال ما لدى اللجنة من معلومات إلى بعثة تقصي الحقائق، التي شكلها الرئيس المؤقت عدلي منصور، برئاسة الدكتور فؤاد رياض.
ولعل أول ما يشير إلى عدم نزاهة التقرير، وبعده عن الحيدة، توقيت صدوره، الذي توافق مع التقارير، والمواقف الدولية من العديد من الجهات المختصة بهذا الملف، والتي تمتلئ بانتقادات ممارسات الحكومة المصرية بعد 30 يونيو، الخاصة بانتهاكات حقوق الإنسان، وعمليات التعذيب الممنهج، والثأر السياسي وكبت الحريات العامة، والتضييق على الإعلام، وآخرها المأزق الذي وجد فيه الوفد الرسمي المصري نفسه، أثناء اجتماعات. مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، في جنيف منذ أيام، عندما وقعت 27 دولة منها دول فاعلة في النظام الدولي، على بيان ينتقد مخالفات مصر في ذلك المجال، بالإضافة إلى التصريحات الأخيرة، الصادرة من منظمة العفو الدولية، ووزارة الخارجية الأميركية، المنددة بحالات تعذيب نشطاء سياسيين، ومنهم أحمد ماهر وأحمد دومة ومحمد عادل، وهم ليسوا من الإخوان المسلمين، فما بالك بالعدو الأول للدولة، وهم قيادات وأفراد الجماعة، وعلى ما يبدو، فإن القائمين على المجلس القومي لحقوق الإنسان، وهم لا يعملون بعيدا عن سلطة الدولة، وأجهزتها الأمنية، استبقوا تلك الانتقادات بالإعلان المبكر عن ملامح التقرير، خاصة أن الموعد الرسمي للإعلان، محدد له منتصف الأسبوع الماضي، ليتوافق مع تلك الاجتماعات والانتقادات، لتكون بمثابة إبراء لذمة الأجهزة الأمنية، من مذبحة فض اعتصام رابعة العدوية والنهضة، والتي راح ضحيتها المئات، في استباق لذلك الهجوم، على اعتبار أن التقرير خرج من جهة محايدة، ويتبنى موقف الحكومة وأجهزتها الأمنية، وحمل مسؤولية ما حدث إلى المعتصمين السلميين في ميادين القاهرة والجيزة.
والغريب أنه مع تعدد لجان تقصي الحقائق منذ ثورة 25 يناير 2011، في العديد من الأحداث التي مرت بها مصر من ذلك التاريخ، ولكن أحدا منها لم يظهر بصورة كاملة، حتى ذلك الذي تم في عهد الدكتور محمد مرسي، وهو مدعوم بالأدلة والوثائق، عن تورط شخصيات معينة، ومن جهات ذات وزن كبير في الدولة، ولكن للمواءمات السياسية تم التكتيم عليها، وعدم الكشف عن محتوياتها، أو محاسبة أي من مرتكبي تلك الجرائم، وهو الحال مع كل الأحداث، ويكفي أن كل المتهمين في معركة الجمل الشهيرة، من كبار رجال دولة مبارك، قد حصلوا على أحكام بالبراءة، من تهم قتل المتظاهرين، رغم كل المعلومات المتوافرة عن تورطهم في تلك الأحداث، وهو مأتم مع أحداث مجلس الوزراء، وماسبيرو وغيرها، كما لو كان الدم المصري من دون ثمن، كما أن مصر أبداً لم تفكر طوال تلك الفترة، في اللجوء إلى تشكيل لجنة تقصي حقائق دولية، محايدة ومستقلة، من مختصين في هذا المجال، من رجال قانون، لتقدم الحقيقة مجردة، كما فعلت دول عربية وغير عربية، في أحداث أقل من حيث الضخامة، أو أرقام الضحايا، والغريب في الأمر أيضاً، هو مأتم التصريح به علنا، من أعضاء في اللجنة الخاصة بمجلس حقوق الإنسان، أو الأخرى التي شكلها الرئيس المؤقت عدلي منصور، أنها تتحفظ في إعلان الحقيقة، خوفا من أن يتم استغلال تلك التقارير، من قبل جهات خارجية، أو رفع قضايا أمام المحاكم الدولية، ضد المتورطين في تلك المذابح، التي شاهدتها، مصر وجعلت من السنوات الثلاث السابقة، هي الأكثر دموية في تاريخها.
وتتنوع الانتقادات الحادة للتقرير، لدرجة أن البعض يقول: إن وزارة الداخلية، التي قامت بفض الاعتصام، لو أرادت أن تصدر تقريرا بهذا الخصوص، ما وجدت أفضل من ذلك، الذي حمل كل المسؤولية للمتظاهرين، وتحدث مطولا في إدانة واضحة للمعتصمين من أنصار جبهة دعم الشرعية، عن الانتهاكات التي تم ارتكابها أثناء الفض، مركزا على حالات القتل خارج إطار القانون، ووصل العدد إلى 11 ضحية، وتحدث أيضاً عن حالات التعذيب واستعمال القسوة من المتظاهرين والمعتصمين، والاحتجاز القسري، والقبض غير القانوني، واستغلال الأطفال في الصراعات السياسية، وحمل المدنيين للسلاح داخل الاعتصام، والتحريض على العنف، والحض على الكراهية، كما تحدث عن استخدام المدنيين كدروع بشرية، من قبل العناصر المسلحة، كما اتهم صراحة المعتصمين، بأنهم أول من بادر بإطلاق الرصاص، وكان أول قتيل من أجهزة الأمن. كل ذلك جرائم حملها التقرير للمعتصمين، أما قوات الأمن والشرطة، فالخطأ الوحيد التي ارتكبته، عدم كفاية الدراسة، وعدم تأمين الممر الآمن، أو أنها أخلت بالتناسبية، صحيح أنها توافرت لها حالة الضرورة في استخدام الأسلحة النارية، وحافظت على التناسب النوعي بين الأسلحة المستخدمة، إلا أنها أخفقت في الحفاظ على التناسبية، في كثافة الإطلاق على مصادر النيران، من قبل العناصر المسلحة، رغم أنها أشارت إلى أن عدد الذين سقطوا في العملية، وصل إلى 632 من بينهم 8 من الشرطة، ونترك للقارئ العزيز أمر المقارنة، بين المسلحين من المعتصمين، ونوعية تسليحهم، الذي أسقط ثمانية، مقابل الباقي من المعتصمين، وأشار التقرير في الدفاع المستميت عن وزارة الداخلية، على أن الفض، تم تنفيذا لقرار من النيابة العامة، نتيجة بلاغات تقدم بها المواطنون، عن تعرضهم لمعاناة شديدة، نتيجة الاعتصام الذي استمر 47 يوما، كما أدان التقرير جماعة الإخوان، واتهمها بأن بداية الاعتصام كانت سلمية، وتحول إلى غير ذلك، دون أن موعدا لذلك، وكان من الطبيعي إشادة وزارة الداخلية بالتقرير في بيان الرد عليه.
ولعل أغرب ما جاء على لسان بطل موقعة التقرير، ناصر أمين المشرف على تقرير المجلس، عن ظاهرة التناقض في أرقام الضحايا، وعلل ذلك بما أسماه ظاهرة «الجثث الطائرة»، مشيراً إلى أن البعض قام بعد الضحايا أكثر من مرة، ونسي بطل الموقعة، أن النشطاء يقومون برصد أسماء الضحايا، دون الاكتفاء بأعدادهم، كما اهتم التقرير بتوابع أحداث رابعة، في مناطق مختلفة من الجمهورية، دون أي اهتمام بضحايا عربة الترحيل في سجن أبوزعبل.
وبعد، فإن الله قادر على الثأر لكل الضحايا، من الذين سالت دماؤهم الطاهرة، منذ 30 يونيو وحتى الآن، إن لم يكن في الدنيا ففي الآخرة، فالله هو العدل، لا تضيع عنده الحقوق، مثلما الحال -ولله المثل الأعلى- عند لجان تقصي الحقائق في مصر.!!