الخميس 15 جمادى الآخرة / 28 يناير 2021
 / 
05:20 م بتوقيت الدوحة

«عصر الجماهير الغفيرة» بمصر!

أحمد حسن الشرقاوي
لم يكن مستغرباً أن يكون الصحافي المصري محمد حسنين هيكل هو «كبير الكهنة» بالنسبة للرئيس جمال عبدالناصر، ولم يكن مستغرباً أن يكون الدبلوماسي المصري بطرس بطرس غالي هو أيضاً «كبير الكهنة» بالنسبة للسادات.
فالرجلان يمثلان مدرسة التبرير المطلق للفرعون الحاكم وسياساته ونظامه مقابل التمتع بامتيازات الكهنة في عهد قدماء المصريين.
الكهنة في مصر القديمة كانوا يمثلون طبقة اجتماعية - اقتصادية، وفي أيديهم تتركز الثروات والأموال المخصصة لـ»الإله» وابنه الفرعون!! وكان كهنة الفرعون يمثلون الدولة العميقة، وبينهم وبين كبار المسؤولين في بلاط الفرعون تنسيق كبير لحماية مصالحهما المشتركة. مصالح الطبقة، ومصالح الفساد. والتبريرات جاهزة: مصلحة الفرعون والنظام والإله الذي يعبدونه!!
ويبدو أن هذا التصور لدور طبقة الكهنة لم يغادر أذهان المصريين حتى الآن، سواء بوعي أو من دون وعي. ومجرد متابعة بسيطة لأبواق الدعاية الإعلامية في سلطة الانقلاب في مصر هذه الأيام تجعلك تتأكد من تلك الحقيقة.
الدولة تقوم بحملة تأبين كبيرة في عموم البلاد لاثنين من كبار الأبواق، وافتهما المنية في يوم واحد هو الأربعاء الموافق 17 فبراير من العام 2016.
لم يسبق غالي هيكل في الوفاة فقط، بل سبقه كذلك في الميلاد فالأول ولد في 14 نوفمبر 1922، وبعد أقل من العام جاء هيكل للحياة وتحديداً في سبتمبر من العام التالي 1923.
بين غالي وهيكل أمور مشتركة كثيرة بخلاف محاولات لعب دورالتبرير المطلق في بلاط الفرعون طوال حياتهما المديدة، كان آخرها المرض، الذي عانيا منه قبل وفاتهما، كما أن الاثنين جمعهما القرب من دائرة صنع القرار في مصر والعالم، وإن اختلفا سياسياً، فكان هيكل من منتقدي السادات، بينما أيده غالي وحضر معه كواليس المفاوضات مع إسرائيل بعد حرب 1973.
وجمعهما أيضاً العمل في مؤسسة «الأهرام»، فأسس غالي مجلة «السياسة الدولية» التي تصدر عن مؤسسة الأهرام وترأس مجلة «الأهرام الاقتصادي»، بينما ترأس هيكل صحيفة الأهرام منذ 1957 إلى 1974.
وعند سماعي نبأ وفاة محمد حسنين هيكل، وقبله بطرس بطرس غالي تذكرت كتاب الدكتور جلال أمين عن عصر الجماهير الغفيرة وانتهاء حقبة التقسيم الاستعماري لمنطقتنا بدءاً من اتفاقية سايكس بيكو الشهيرة. لا أدري لماذا استرجعت تفاصيل كتاب الدكتور جلال أمين بعنوان: ماذا حدث للمصريين؟ والذي استعرض فيه تطور المجتمع المصري في نصف قرن «1945 إلى 1995» والذي يعد أشهر كتبه على الإطلاق حيث تناول فيه بطريقته السهلة العميقة ما حدث من تغيرات في حياة المصريين بأسلوب ساخر جذاب.
ولعلني من أولئك الذين يعتبرون أن كتاب «عصر الجماهير الغفيرة» الصادر بعد ثورة 25 يناير 2011 هو امتداد لكتاب أمين الأشهر صاحب التساؤل الأكبر:»ماذا حدث للمصريين؟!».
وفي تقديري، أن وفاة هيكل وغالي بمثابة انتهاء لعصر ذلك النوع من السيطرة وبداية عصر الجماهير الغفيرة.. فهل ستستطيع الشعوب استعادة قرارها وحريتها؟! المستقبل القريب سوف يجيب عن هذا السؤال.