آسفين يا ريس..!! (2/1)
20 فبراير 2014 , 12:00ص
مياه كثيرة جرت في قنوات الحياة السياسية المصرية خلال السنوات الثلاث الماضية، منذ سقوط حكم مبارك وقراره بالتنحي، بعد مماطلات وألاعيب للهروب من هتاف الجماهير المصرية، التي احتشدت للمطالبة بإسقاط النظام. وها هي الذكري الثالثة تأتي وسط متغيرات مختلفة، أغربها ذلك «الحنين الكاذب «الذي يراود البعض، إلى عودة النظام الأسبق، والمحاولات التي تجري لتبييض صفحته، والإشادة بنظامه، أو الحديث المموج بأن زمن مبارك كان الأفضل والأكثر استقرارا وشعورا بالأمن والأمان، مما يؤكد أن مبارك قد سقط، ولكن دولته العميقة كما هي لم يمسسها سوء، تدافع عن مصالحها، تستميت في الحفاظ على وجودها، والأمانة تقتضي الإشارة إلى أن تلك الظاهرة ليست جديدة، بل كانت موجودة وحتى قبل أيام من سقوط مبارك وقادها بعض الرياضيين والفنانين، الذين خرجوا في مظاهرات محدودة في ميدان مصطفى محمود بالجيزة، رافعين الشعار الشهير «آسفين يا ريس»، ومنهم من تعامل مع الموضوع في إطار مشاعر الإنسانية تحت زعم «اتركوا الرجل ليستكمل مدته الرئاسية، فلم يبق عليها سوى أشهر، وبعدها افعلوا ما شئتم ، وأن الرجل وتاريخه العسكري وخدماته لمصر لا يستحق أن تكون تلك نهايته». ولكن الأمر استفحل في الآونة الأخيرة، ووصل الأمر لدرجة أن مجموعة تطلق على نفسها «أبناء مبارك» أرجأت إعلان نيتها ترشيح جمال مبارك للرئاسة لحين إخلاء سبيله في آخر القضايا المتهم فيها، كما قام نفس التنظيم بالخروج في تجمعات أمام أكاديمية الشرطة أثناء الجلسة الأخيرة لمحاكمته وهم يرددون أغنية تم تأليفها خصيصا له تقول: يا رئيسنا الغالي.. ضاع كل أملنا بعدك يا طيار.. ليه يا حبيبنا تسيبنا واحنا معاك باستمرار، إحنا ولادك كلنا.. واوعي تزعل مننا.. مصريين بالملايين بنحبك يا نور العين.
وتتنوع الأساليب المتبعة المخططة المدروسة بعناية شديدة، ويتم تنفيذها على مراحل تضمن في نهاية الأمر عودة نظام مبارك، ولو سمحت الظروف بعودة الرمز، ومن ذلك تبييض وجه النظام، والعودة المتدرجة لرجال مرحلة مبارك، والاستعداد من فلول الحزب الوطني إلى خوض الانتخابات البرلمانية، والتوقعات بأنهم قد يحصلون على أعداد معتبرة من مقاعد مجلس النواب القادم، في غيبة مرشحي التيار الديني، في ظل القدرات المالية الضخمة من عمليات الفساد الواسعة التي كانت إحدى سمات فترة مبارك، والقدرة على الحشد، وهو ما ظهر في الاستفتاء على الدستور الأخير، في محاولة لتقديم أوراق اعتماد لنظام 30 يونيو. وقد تم استخدام عدد من الأساليب المتنوعة لتنفيذ ذلك المخطط، ونتوقف عند بعضها:
أولاً: المقارنة الظالمة بين صمود مبارك ورفضه الخروج من مصر بعد 11 فبراير -كما فعل الرئيس التونسي بن علي، الذي هرب إلى السعودية- وهروب قيادات الإخوان المسلمين بعد 30 يونيو، وهو ما ردده أحد شيوخ السلف في مصر ويدعى محمد الأباصيري، الذي قال إن مبارك وأسرته أشرف وأشجع من قيادات الإخوان المسلمين، لأنهم واجهوا مصيرهم بشجاعة، ولم يهربوا كالفئران، كما قال الداعية السلفي. والمغالطة الواضحة في ذلك أن قيادات الإخوان لم تهرب أساسا، فكل مكتب الإرشاد موجود في السجون، وقيادات حزب الحرية والعدالة أمام القضاء بتهم مختلفة، والاعتقالات طالت حتى قيادات الصف الثالث والرابع من الجماعة، والموجودون في الخارج فرضت عليهم ظروفهم التواجد بعيدا عن مصر قبل حملة الاعتقالات، أو كانوا في مهام خاصة، كما أن بقاء مبارك رغم وجود عروض خليجية لاستضافته إذا أراد الخروج من مصر، كان مرتبطا بضمانات قدمها له المجلس العسكري بعدم ملاحقته قضائيا، واستمراره في منتجع شرم الشيخ الذي ذهب له يوم 11 فبراير بكل الامتيازات، وما زالت الذاكرة المصرية حية، وتذكر أنه ظل على ذلك الحال لمدة شهرين يعيش مع نجليه في الفيلات الثلاث التي وفرها لهم نديمه الملياردير الهارب حسين سالم، ولكن غباءه السياسي هو ما دفعه إلى إذاعة كلمة إلى الشعب المصري عبر قناة العربية في 10 أبريل من نفس العام، هاجم فيها حملة التشهير ضده، ووصف التشكيك في ذمته المالية وأسرته بالظلم، وتوعد في الكلمة كل من يسيء إليه. فكان أن استدعاه النائب العام للتحقيق في اليوم نفسه. ويبدو أن المجلس العسكري لم يجد بدا من إنهاء الضمانات السابقة لمبارك بعدم الملاحقة، خاصة مع ضغوط الجماهير في الميادين، والمطالبة بمحاكمة النظام. وقضى مبارك معظم تلك الفترة -إلا قليلا- متنقلا بين مستشفى شرم الشيخ والمركز الطبي العالمي ومستشفى المعادي العسكري، وتم تجهيز مستشفى سجن طرة للإقامة فيها في الفترات المحدودة التي قضاها محبوسا، إذاً فإن الأمر لا يتعلق ببطولة وراء سلوك مبارك ورغبته في البقاء في مصر.
ثانياً: يمكن فهم «مهرجان البراءة للجميع» الذي ساد كل المحاكمات التي تعرض لها مبارك، كجزء من الصفقة مع المجلس العسكري، وعمل وجهد الدولة العميقة، ودون أن يتم تحميل الأمر على القضاء الذي يحكم بالأوراق المقدمة، فالمسؤولية تعود إلى النيابة في عهد المستشار عبدالمجيد محمود، الذي تم تعيينه في زمن مبارك، وقد حصل مبارك على البراءة في كل القضايا التي تم نظرها أمام القضاء، سواء قتل المتظاهرين، والتي حكم فيها بالمؤبد في 2 يونيو 2012، وقد قضت محكمة النقض بإلغاء الحكم وإعادة المحاكمة، وكل الشواهد تؤكد أنه سيحصل على البراءة. وفي قضية الكسب غير المشروع، قضت المحكمة في 18 يونيو 2013 بإخلاء سبيله في القضية، وهو ما حدث أيضاً في قضية القصور الرئاسية في 19 أغسطس من نفس العام، وبعدها بيومين تم إخلاء سبيله في قضية هدايا المؤسسات الصحافية، والأمر ليس قاصرا على مبارك ولكن على رجاله، ومنهم فتحي سرور وصفوت الشريف وذكريا عزمي وأحمد نظيف، والوحيد الذي صدر له حكم نهائي بالسجن ثلاث سنوات، هو حبيب العادلي وزير الداخلية في قصية سخرة جنود الأمن المركزي، والأمر نفسه ينطبق على أبناء مبارك اللذين حكم لهما بالبراءة في قضية أرض الطيارين مع أحمد شفيق، واعتبرتها المحكمة مخالفة إدارية.
ثالثاً: الحديث عن مؤامرة دولية استهدفت نظام مبارك، واتهام الولايات المتحدة الأميركية بذلك، والحديث عن استهداف مبارك بعد أن رفض مشاركة القوات المصرية في غزو العراق عام 2003، والوقائع تؤكد أن واشنطن وحدها هي التي قامت بهذا الدور دون مشاركة أي جهة، سواء حلف الأطلنطي أو أيا من حلفاء واشنطن، على عكس ما جرى في معارك تحرير الكويت عام 1991، وترديد معلومات مغلوطة وكاذبة عن وطنية مبارك، الذي رفض طلبات أميركية بإقامة قواعد عسكرية أميركية على الأراضي المصرية، دون أن يتم توثيق مثل هذه المعلومة، مع الإدراك الكامل بأن مصر كانت جزءا من منظومة الاستراتيجية الكونية للولايات المتحدة، وقد قدمت مصر تسهيلات عسكرية ضخمة لواشنطن، وشاركتا معا بصفة سنوية في مناورات النجم الساطع، مع أفضلية مرور السفن العسكرية الأميركية عبر قناة السويس. وفي محاولة لخلق بطولة وهمية لمبارك، قيل إن رفض الاستجابة لطلبات إسرائيل الأمنية، لإحكام سيطرتها على قطاع غزة بعد الانسحاب الأحادي منها عام 2005، رغم أن مبارك كان جزءا من سياسة الحصار اللاإنساني الذي تعرض له القطاع، ومن المعروف أن الأسس التي بنى عليها مبارك سياسته الخارجية، هي التحالف مع الولايات المتحدة، وضمان أمن إسرائيل.
وقد نجح أصحاب نظرية المؤامرة الدولية التي استهدفت إسقاط مبارك ومعاقبته على مواقف لم يتخذها، في الترويج لفكرة شيطنة كل القوى الشبابية والثورية التي كانت وراء ثورة 25 يناير، عندما قامت الدولة العميقة وذراعها الأمنية في تسريب مكالمات تليفونية لعدد من النشطاء السياسيين، مستخدمين بعض أدواتهم الإعلامية في ذلك، والحديث عن أموال تم دفعها، ومخططات تم تنفيذها من هؤلاء، الذين تم استخدامهم من قبل أصحاب المصالح الدولية، بعد أن تم تدريبهم على أعمال الفوضى وقلب نظام الحكم، دون أي اعتبار للجماهير التي احتشدت بالملايين في ميادين مصر تطالب بإسقاط النظام.
وفي العدد القادم نستكمل القضية..