توابع الزلزال!!
19 ديسمبر 2013 , 12:00ص
من جديد، يثبت مجلس التعاون الخليجي قدرته على الصمود في مواجهة التحديات التي تواجهه طوال تاريخه منذ إنشائه في العام 1981 وحتى أعمال دورته الـ34 والتي أنهت أعمالها نهاية الأسبوع الماضي في الكويت، وتأكد أيضاً حرص قادة المنطقة على استيعاب أي مشاكل أو خلافات في الرؤى بين دوله مهما تعاظمت. وهو ما أشار إليه بوضوح أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد في افتتاح القمة الأخيرة من أن «دول الخليج أثبتت للعالم قدرتها على الصمود رغم الظروف المحيطة بالمنطقة إقليمياً ودولياً»، ولعل من الضروري أن نشير إلى أن الشعور العام مع تفاوت ذلك بين دولة عن أخرى لاعتبارات خاصة بكل دولة، يتعامل مع الاتفاق بين إيران والدول الست الكبرى حول حل أزمة البرنامج النووي الإيراني، «كالزلزال»، الذي تعيش المنطقة في الأسابيع الأخيرة «توابعه»، خاصة أن المنطقة عاشت لسنوات طويلة في ظل استمرار التأزم في العلاقات بين إيران من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى. بالإضافة إلى اعتبار واشنطن حليفاً استراتيجياً لدول المنطقة يلعب الدور الأكبر في ضمان استقرارها وأمنها، ورغم أن الاتفاق مرحلي ومحدد بفترة 6 أشهر وقد يواجه عثرات وعقبات في الفترة القادمة، مثلما حدث مع فرض عقوبات جديدة على أشخاص وشركات إيرانية مما استدعى تعليق المفاوضات من جانب طهران، إلا أن المؤشرات العامة تقول إن هناك رغبة من الطرفين إيران والغرب، وفي القلب منه الولايات المتحدة على تطبيع العلاقات، وإعادة تأهيل إيران وإدماجها في المنظومة الدولية بعد سنوات طويلة من العداء والحصار والقطيعة، وقد أكدت العديد من التصريحات الصادرة عن كبار المسؤولين في دول الخليج ذلك الشعور المتنامي بالخطر.
ولعل عودة الحديث عن ضرورة الانتقال من مرحلة التعاون إلى الوحدة بين دول الخليج الذي ظهر بشكل واضح في منتدى المنامة، صعد بالخلافات على السطح وأبرزها إلى العلن، وهو أمر قلما يظهر في العلاقات بين دول الخليج، خاصة بين المملكة العربية السعودية من جهة وسلطنة عمان من جهة أخرى، ومثل ذلك أحد توابع زلزال الاتفاق بين إيران والغرب، خاصة أن مسقط كانت أحد مسارح المباحثات السرية بين مسؤولين أميركيين وإيرانيين والتي مهدت الطريق لإنجاح المفاوضات بين مجموعة 5+1 وإيران، وكان استمرار الخلاف بين الطرفين كفيلا بعودة المحاور داخل منظومة دول مجلس التعاون، في النظر إلى المرحلة القادمة في العلاقات مع إيران ودول الخليج وبينها وبين الحليف الاستراتيجي أميركا، خاصة في ظل الشعور بوجود انكشاف استراتيجي وأمني واختلال في موازين القوى على خلفية الاتفاق، وكان ذلك كفيلا بنسف قمة دول مجلس التعاون الخليجي والتي مرت بسلام في الكويت.
ويشير تاريخ مجلس التعاون إلى مجموعة من الأزمات الحادة التي مرت بالمنطقة واستطاعت دول الخليج تجاوزها بسلام، بل التقدم بالمجلس إلى الإمام، صحيح قد يكون بخطوات بطيئة ولكنها مهمة، مقارنة بمجلس التعاون العربي الذي خرج من الخدمة بعد قيامه بعدة سنوات، أو الاتحاد المغاربي الذي يراوح مكانه، فالمنطقة على سبيل المثال لا الحصر شهدت 3 حروب، الأولى بين العراق وإيران وهما دول الجوار الجغرافي للمنطقة، وكان لها تداعيات خطيرة وأثمان باهظة ما زالت المنطقة تدفع فواتيرها، أما الثانية فكانت الأخطر على الإطلاق فقد هددت أحد دول المجلس بعد الغزو العراقي للكويت وأظهرت دول الخليج مواقف موحدة وتماسكاً نادراً تجاه التنسيق مع دول العالم لتحرير الكويت وهو ما تم في فبراير 1991. والثالثة، هي حرب تحرير العراق وإسقاط صدام حسين والتي عززت الوجود الأميركي في المنطقة، كما أنها في الوقت نفسه أسهمت في امتداد النفوذ الإيراني إلى العراق مكتسباً مساحة أخرى من التأثير في الأوضاع العربية بصفة عامة من خلال الحلف الاستراتيجي مع سوريا، والوجود على الساحة اللبنانية من خلال حزب الله، وفي الملف الفلسطيني بدعم حركة حماس، كما تجاوز مجلس التعاون أيضاً الأزمة التي تعرضت لها البحرين في الآونة الأخيرة من خلال تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك والتي تم توقيعها في العام 2002 بقيام قوات درع الجزيرة بحماية المنشآت الحيوية في المنامة، ومع كل تلك التحديات تم تحقيق العديد من الإنجازات على العديد من الصعد، خاصة التقدم باتجاه الوحدة الاقتصادية، والاتحاد النقدي والعملة الخليجية الموحدة، والسماح بحرية التنقل والعمل والملكية لمواطني دول الخليج. ومشروعات الربط الكهربائي والسكك الحديدية مع التنسيق في مجالات مكافحة الإرهاب.
وقد نجحت قمة مجلس التعاون الخليجي الأخيرة بالكويت في التوصل إلى قواسم مشتركة تجاه العديد من الملفات الهامة، ولعل أبرزها تأجيل النظر في مقترح خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، حيث تم التوافق حول استمرار المشاورات واستكمال دراسة الموضوع، وهو ما أكده أيضا كل من نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الكويتي الشيخ خالد الحمد الصباح، والدكتور عبداللطيف الزياني الأمين العام للمجلس، ولعل الملف اللغم والأبرز، هو العلاقات مع إيران، خاصة مع وجود تباين في وجهات النظر بين دول الخليج في صياغة العلاقات مع طهران؛ حيث أشار البيان الختامي إلى الترحيب باتفاق مجموعة دول 5+1 مع إيران باعتباره خطوة أولية نحو اتفاق شامل ودائم ينهي القلق الدولي والإقليمي، ويعزز أمن المنطقة مع أهمية التنفيذ الدقيق والكامل للاتفاق بإشراف الوكالة مع تحديد أسس واضحة للعلاقة معها تعتمد على حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، واحترام سيادة دول المنطقة، والامتناع عن استخدام القوة أو التهديد بها، كما رحب القادة بالتوجهات الجديدة للقيادة الإيرانية تجاه دول الخليج، مشيراً إلى ضرورة أن يكون هناك خطوات ملموسة وبما ينعكس إيجاباً على السلم والأمن والاستقرار في المنطقة.
وقد أسهمت الجهود المكثفة والتحركات الأميركية في الآونة الأخيرة في طمأنة دول الخليج ولو إلى حين، بأنها لن تدفع فاتورة الاتفاق الأخير بين الدول الكبرى وإيران، ومن ذلك إشارة وزير الدفاع الأميركي تشاك هاجل الذي أكد أن الاتفاق يأتي في إطار الحلول الدبلوماسية، بدلا من الدخول في صراعات عسكرية غير مضمونة، وسيساهم في توفير الأمن والاستقرار بالمنطقة، كما شجع هاجل دول الخليج على إنشاء تحالف عسكري على غرار حلف الأطلنطي والذي كان له تأثير في الإشارة في البيان الختامي والاتفاق على إنشاء القيادة العسكرية الموحدة، لاستكمال الجهود المبذولة لتعزيز الأمن والاستقرار، وبناء منظومة دفاعية مشتركة، لتحقيق الأمن الجماعي، كما أن واشنطن مدت العمل بالاتفاق العسكري مع قطر، وأعلنت عن مشروعات لتعزيز قواتها في البحرين واستثمارات لتعزيز الأسطول الخامس.
ولعل كل تلك الظروف تفرض كثيراً من التحديات على القمة الخليجية القادمة، والتي ستقام في الدوحة نهاية العام القادم، في انتظار ما ستسفر عنه الأشهر القادمة.