تمخض الجبل فولد فأراً!
19 سبتمبر 2015 , 01:36ص
تجيد الأنظمة المصرية لعبة استنساخ التجارب السابقة، حتى ولو كانت فاشلة ومكشوفة، أتحدث عن تعامل رؤساء مصر مع قضايا مكافحة الفساد، على ضوء الأحداث الأخيرة التي شهدتها القاهرة، وأدت في نهاية الأمر إلى إقالة حكومة المهندس إبراهيم محلب على خلفية قضية فساد في وزارة الزراعة، وإلقاء القبض على وزير الزراعة بعد تقديمه استقالته بدقائق، من خروجه من مقر مجلس الوزراء.
والتاريخ القريب يذكر لنا أنه في بداية عهد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، أراد أن يقدم نفسه إلى الجماهير المصرية، التي فاجأها الاختفاء الدرامي للرئيس السادات بالاغتيال في أكتوبر ١٩٨١، بأنه رجل مقاومة الفساد، خاصة مع بروز ظاهرة «القطط السمان» التي أطلقت على مجموعة من رجال الأعمال الذين استفادوا من سياسة الانفتاح الاقتصادي في عهد السادات، وأطلق مبارك تعبيره الشهير «الكفن ما لهوش جيوب»، وهو تعبير يستخدمه المصريون للدلالة على حقارة الدنيا، وأنه مهما بلغ غنى الفرد، فسيترك ماله عند موته قبل دخوله القبر، بل يكتفي الرجل بذلك، ولكنه اختار هدفه بعناية شديدة، للتأكيد على نظافة اليد، ومقاومته للفساد، وكانت الضربة من نصيب شقيق الرئيس السادات نفسه عصمت وابنه الكبير طلعت، وقدم للمحاكمة أمام المدعي الاشتراكي، نفس هذا النظام الذي وقف الدكتور زكريا عزمي رئيس ديوان رئيس الجمهورية، والذي كان حريصا على عضوية المجلس النيابي بالإضافة إلى عمله، ليطلق صيحته الشهيرة «الفساد في المحليات للركب»، دون أن يستوقفه أحد ليسأله، وماذا فعلت لمواجهة ذلك؟ وأنت في كل تلك المواقع التنفيذية والتشريعية، ولكنه كانت وسيلة احتيال على الجماهير المصرية؟ التي تنساق وراء مثل هذه الحيل، وتصدق تلك الألاعيب، ولا داعي بعد ذلك كله للخوض في حديث مكرر عن حجم الفساد، التي تميز به مبارك على أكثر من صعيد، ويكفي رصد النتائج الكارثية «للزواج الكاثوليكي» بين السلطة في عهده والمال لدرجة أن أحمد عز أصبح هو رمز المرحلة، من أكبر رجال الأعمال وأمين التنظيم في الحزب ورجل جمال مبارك في لجنة السياسات، ويكفي أيضاً صفقات المال الحرام في بيع مصانع وشركات القطاع العام إلى رجال الأعمال.
وتكررت المسرحية بحذافيرها بعد ٣ يوليو ٢٠١٣، وانتخاب عبدالفتاح السيسي للرئاسة، وبنفس السيناريو مع اختلاف أبطال الرواية والبداية كانت مع التمهيد النيراني، فرئيس الجمهورية يتحدث في اجتماع اللجنة الوطنية التنسيقية لمكافحة الفساد، والتي تم تشكيلها في عهده، بمناسبة الاحتفال باليوبيل الذهبي للرقابة الإدارية، وهو واحد من أهم أجهزة الرقابة في مصر، عن أن «مكافحة الفساد لا تكون إلا بالقضاء على الفقر، والمحسوبية وترسيخ العدالة، «لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد أطلق المهندس إبراهيم محلب الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد في ديسمبر الماضي التي تهدف إلى إرساء مبادئ الشفافية والنزاهة لدى العاملين بالجهاز الإداري للدولة، وتطوير الإجراءات القضائية لتحقيق العدالة الناجزة ودعم الجهات المعنية بالفساد، هذه هي الشعارات التي تم رفعها في الفترة الماضية، وسيصبح السؤال ما انعكاس تلك التصريحات الجميلة والأجواء الوردية على أرض الواقع؟ الأمر يبدو جد مختلف تماماً، وصل إلى أن الفساد في مصر أصبح مؤسسيا، نصيب كل مسؤول من «تورتة الفساد» حسب موقعه في هرم السلطة، ونتوقف عند العديد من المؤشرات التي تؤكد ما نقوله:
أولا: أن الأرقام لا تكذب ولا تتجمل، خاصة إذا جاءت على لسان المسؤول عن أحد من أهم الأجهزة الرقابية في مصر، وهو الجهاز المركزي للمحاسبات، وهو المستشار هشام جنينة، الذي أكد أنه قدم أكثر من ٦٠ تقريرا تتضمن تقويم أداء مؤسسات الدولة والمخالفات المالية والإدارية في العديد من الوزارات، وذكر أن الفساد أضاع على الدولة ٦٠٠ مليار جنيه مصري، وضرب أمثلة على ذلك، منها أكثر من ٣٠٠ مليار مخالفات قرارات تخصيص الأراضي، وأكثر من ٨٦ مليارا قيمة أراضي وضع يد، و٢٩ مليارا في المساحات المحيطة بالمدن الجديدة، التي تم تخصيصها لكبار القوم والنافذين في الدولة المصرية. بل إن المستشار هشام جنينة كشف في مؤتمر صحافي في فبراير من العام الماضي عن فساد مالي يتجاوز الـ٢٣ مليارا تورط فيه أعضاء في مؤسسات أمنية وجهات مهمة، دون أن يتم التحقيق فيها أو محاسبة أي شخص، فتقارير كافة الأجهزة الأمنية تقدم للرئاسة، إذا تعلق الأمر بمؤسسات مهمة أو شخصيات عامة في انتظار التعليمات بالتصرف فيها، وفي أغلب الأحيان تأخذ طريقها للأدراج والحفظ دون تحريكها أو التحقيق فيها بعد إحالتها للأجهزة المختصة، كما أن المخالفات لا تقتصر على وزارة الزراعة، بل تمتد إلى عدد من الوزارات منها، الأوقاف ١٩٠ مليونا، والكهرباء ١٥٠ مليونا، الإسكان ١٣٠ مليونا، ويطرح مركز القاهرة للدراسات الاستراتيجية ورئيسه عبدالمنعم السيد أرقاما أخرى للفساد في مصر ويقول إن الأرقام الرسمية تتحدث عن ٢٠٠ مليار جنيه، بينما الحقيقي والفعلي أنه ٦٠٠ مليار جنيه، وفي تقارير أخرى يرتفع الرقم إلى ٩٠٠ مليار، فالتهرب الضريبي مثلا، يصل إلى ٦١ مليار جنيه في عام ٢٠١٣، والتهرب الجمركي 1.2 مليار وفقا لدراسة لهيئة الرقابة الإدارية، والغريب أن المستشار جنينة تعرض إلى حملة إعلامية شرسة من مؤسسات وفضائيات خاصة يملكها رجال أعمال متورطين في قضايا حقق فيها الجهاز.
ثانيا: الموقع المتدني لمصر في التقارير الدولية الخاصة بمكافحة الفساد، فقد كانت مصر رقم ١١٨ في عام ٢٠١٢ في مؤشر الفساد العالمي، وأصبحت رقم ١١٤ في العام التالي، وآخر تصنيف لها في العام الماضي ٩٤ من بين ١٧٥ دولة، وهذا يعني أنها من بين البلاد الأكثر فسادا، والتي تحتسب على مقياس صفر للدول الأقل فسادا، إلى ١٠٠ للأكثر فسادا.
ثالثا: من المعروف أن أبجديات مكافحة الفساد، ليس في تعدد الأجهزة المعنية بذلك، وهي والحمد لله موجودة ومتوافرة وبكثرة في مصر، ولكن المهم في توفير المنظومة التشريعية والقانونية لذلك، وهنا «بيت القصيد» لقد قام النظام الحالي بالتراجع تماماً عن أي تجريم للفساد وبالقانون، فقد أدخل النظام تعديلات صدرت بقرار جمهوري رقم ١٦ لسنة ٢٠١٥ في ١٢ مارس الماضي، بتعديل بعض أحكام الجنايات، بالنص على جواز التصالح في الجرائم الخاصة بالاعتداء على المال العام، على أن يتم التصالح عبر لجنة يصدر بتشكيلها قرار من رئيس الوزراء، تتولى تلك العملية ومن صلاحياتها الطلب من النائب العام انقضاء الدعوة حتى ولو كانت منظورة أمام القضاء، أو صدر حكم فيها، والمستفيد من تلك التعديلات هم في الأساس رجال نظام مبارك، وها هي يمتد فائدتها لتشمل رموز النظام الجديد.
ما سبق يعني ببساطة، أنه ليس هناك إرادة سياسية لمكافحة الفساد، كما أن الحكومة هي من تخلت عن كل أسلحتها القضائية في تلك المواجهة، ويعني ثانيا أنه حتى القضية الخاصة بوزير الزراعة الدكتور صلاح هلال، الذي ألقي القبض عليه بشكل مسرحي بعد خروجه من مجلس الوزراء وفي ميدان التحرير، يحق للوزير أن يتنازل عما تقضاه من رشاوى، إذا ثبت عليه ذلك، بالتصالح والتنازل عما تقضاه من أموال كما أن الترويج لفكرة أن التغيير الوزاري الذي تم يمكن حسابه في بند مكافحة الفساد، بعد المعلومات عن تورط عدد من أعضاء الحكومة مغالطة كبرى، بدليل التسريبات التي تحدثت عن الاتجاه لتغيير الوزارة منذ أسابيع، والإشادة برئيس الوزراء المقال إبراهيم محلب، في لقاء الرئيس المصري الأخير مع طلبة الجامعات، ناهيك عن أنه إذا كان التغيير الوزاري أو خروج بعض الوزراء لعلاقتهم مع المدعو محمد فودة، الذي اكتشفت نقابة الصحافيين فجأة أنه ليس عضوا بجدولها، بعد أن كان يكتب بانتظام في إحدى الصحف الخاصة، فإن رئيس الوزراء الجديد المهندس شريف إسماعيل كان من بين وزراء آخرين على نفس العلاقة الوثيقة معه رفض نفيه ذلك فيما بعد.
معارك الفساد الأخيرة في مصر تشبه الطعام منزوع الدسم، «لا يغني ولا يسمن من جوع»، وما حدث مؤخراً من الكشف عن قضية فساد وزير الزراعة الدكتور صلاح هلال، ومن بعده البرلماني السابق حمدي الفخراني، تمثل رأس جبل الجليد، يخفي حقائق مهمة عن فساد مؤسسي، طال معظم الوزارات والإدارات والأجهزة الحكومية، والنظام لا يملك الرغبة، ولا القدرة على تلك المواجهة لمنظومة الفساد في مصر.