


عدد المقالات 307
يمكن القول، مع التفجير الثاني في الضاحية الجنوبية لبيروت، إن حالاً من «العنف الإرهابي» أصبحت جزءاً من الواقع اللبناني، هي امتداد للصراع الدائر في سوريا، بل متداخلة فيه، بموازاة التداخل الآخر الذي كرسه «حزب الله» بإرسال عناصر من «جيشه» للقتال إلى جانب قوات النظام السوري، كان التفجيران استهدفا فقط قتل أكبر عدد من المدنيين في المنطقة المصنفة «معقلاً» لهذا الحزب، أي أنها تحت رقابة جرى تشديدها بعد التفجير الأول (10 يوليو) بسيارة مفخخة ركنت في مرآب فتسبب بعشرات الإصابات من دون ضحايا، ولعل صعوبة الاختراق ترجح رواية استخدام انتحاري لتنفيذ التفجير الثاني، الذي انتهى إلى حصيلة دموية ثقيلة. في العادة لا تواجه العمليات الإرهابية باستنكار وإدانة فحسب، بل بعدم الاعتراف بالأسئلة التي تطرحها، وبالأخص: لماذا؟ وما يبرر ذلك أن الإرهاب غالباً ما يكون أعمى، مجرد قتل للقتل، ويحاول قادته تلبيسه بغلاف ذي طابع سياسي مبدئي، إلا أنه كل أبعد ما يكون عن الإقناع بأن ثمة مشروعاً سياسياً يحركه أو قضية محقة واضحة يدافع عنها ويريد حلاً لها. أما في الحال المستجدة في لبنان فمن الواضح أن الهدف هو الرد على مشاركة «حزب الله» النظام في قتل السوريين. هل هذا مبرر مقبول لقتل المدنيين في ضاحية بيروت؟ طبعاً لا، غير أن العنف المستشري بات يفتقد كل منطق، ومن يتلقى الضربات ليس كمن يتفرج عليها أو يسمع عنها. فالمنطق السليم كان يفترض، مثلاً، أن لا ينحط النظام إلى هذه الوحشية في إدارة الأزمة، لأن الشعب لم يثر لأنه يريد حرباً أهلية. وكان يفترض أيضاً في «المقاومة» التي صنعت أمجادها في قضية حق وفي تحدي العدو الإسرائيلي أن لا تلوث سمعتها وصورتها لا تنفك تندفع إلى تحقيق أحلام العدو الإسرائيلي بإضعاف سوريا بل بتفكيكها ككيان ودولة. كان ولا يزال هناك سببان، على الأقل، يكفيان لتجنيب «حزب الله» التورط في سوريا. الأول واجب الحفاظ على السلم الأهلي في لبنان، حيث بيئته التي احتضنت نضالاته وآزرته بكل مكوناتها الطائفية والمذهبية. والثاني واجب مراعاة البيئة الأوسع، العربية والإسلامية، وعدم الانحدار إلى هويته الشيعية الضيقة والمجازفة بحمل مسؤولية إشعال صراع مذهبي... وفي الحالين كان هناك مصلحة واضحة لإيران، الدولة الممولة والموجهة لهذا الحزب في أن لا تدفعه إلى خيارات سيئة قد تعتبر أنها تخدم نفوذها وأهدافها بعيدة المدى لكن أكلافها وتداعياتها التاريخية أكبر بكثير من المكاسب التي تفترض الحصول عليها. لا يختلف اثنان على أن التفجيرين يشكلان نوعاً من «المحاسبة» لـ «حزب الله» على قتاله في سوريا، لكن المدنيين هم الذين يدفعون الثمن وليس جميع الضحايا من المحسوبين عليه، رغم أن تمييزاً كهذا لا يجوز ولا يمكن قبوله. ولم يكن متوقعاً أن يعلن حسن نصرالله في اليوم التالي للتفجير شيئاً آخر غير التحدي للإرهاب وإعلان الحرب على «التكفيريين» وحتى إبداء كل الإصرار على المضي في المغامرة الجريمة في سوريا إلى حد القول: إنه سيذهب «شخصياً» للقتال هناك إذا اقتضى الوضع (هتف بعض المغردين فوراً: يا ريت... اذهب حالاً!). صحيح أن رفض الإرهاب كان موقفاً جامعاً للبنانيين، غير أنهم توقعوا من نصرالله مواقف وخطوات أكثر مسؤوليةً في استحقاقات داخلية تتعلق بتعزيز مكانة الدولة والجيش والأمن، وكذلك بتشكيل الحكومة المنتظرة، بل أقله بالتعاون الجاد مع التحقيقات التي تجريها أجهزة الدولة في التفجيرات، واقعياً يريد «حزب الله» أن يقوم بكل الأدوار: فهو من استدعى هذا الإرهاب استدعاءً، وهو يطلب من الجميع الوقوف معه ضد من سماهم بشار الأسد «تكفيريين»، وهو يدعو اللبنانيين جميعاً إلى دفع الثمن الدموي لأخطائه في سوريا... لكنه يريد مواصلة اختراقه للدولة ولجيشها الشرعي ولأجهزتها الأمن، فضلاً عن استخدام قوته العسكرية للتحكم بالقرار السياسي، وهو ما يعتبره كثيرون ترهيباً غير مسبوق في لبنان حيث لا تستطيع أية طائفة أن تهيمن على الطوائف الأخرى أو تهمشها. كان «جهاديون» منسوبون إلى تنظيم «القاعدة» قاموا منذ منتصف العام 2005، بعد اغتيال رفيق الحريري وانفكاك الروابط الرسمية بين سنة لبنان والنظام السوري، بعمليات استكشاف لاستمالة بعض البيئات السنية بغية إنشاء خلايا للتنظيم فيها. لم تنجح هذه الخطوة إذ تأكد لأصحابها أنهم مكشوفون لدى الأجهزة اللبنانية التي تمكنت من تسجيل محاوراتهم مع مضيفيهم، كما أنهم استنتجوا عدم جاهزية هؤلاء لـ «العمل الجهادي». وفي إحدى المرات عام 2007 استعدت قوى الأمن لدهم المكان الذي التقى فيه الطرفان، لكن جهازاً لبنانياً آخر تدخل لإحباط العملية وتسهيل هروب المستهدفين، فانكشف تواطؤ هذا الجهاز مع النظام السوري الذي لم يكن بعيداً عن محاولات «الجهاديين». لكن الوضع الذي تلا استباحة «حزب الله» لبيروت في 7 مايو 2008 أفضى إلى غليان واحتقان لدى السنة، وبالتالي اندلاع الثورة السورية ومواجهتها بالقتل والتدمير من جانب النظام وانخراط «الجهاديين» ثم «حزب الله» في القتال، خلقت ظروفاً لمسارين: الأول نشوء بيئة هامشية لا تمثل سنة لبنان لكنها أكثر استعداداً لتقبل أساليب العمل الجهادي حتى بنسخته الإرهابية. والثاني نضوج اتجاه شعبي يرى في إسقاط النظام السوري تخلصاً من إرهاب إيران و «حزب الله». لم يكن المجتمع اللبناني ولا المجتمع السوري ليقبلا مثل هذه الظواهر التعصبية أو الإرهابية، لذلك يمثل ما نشهده حالياً في البلدين نوعاً من «صناعة الإرهاب» لمجرد مد عمر نظام لم يعد قادراً على الاستمرار، ومد عمر نفوذ إيراني لم يعد مؤهلاً سوى لإيذاء الشعوب، لكن كل يوم زائد لهما يساهم في مزيد من التفكك للدولة والمجتمع في سوريا كما في لبنان.
لفت المبعوث الأممي السابق إلى ليبيا غسان سلامة، بعد صمت أربعة أشهر منذ استقالته، إلى أن هذه الاستقالة كانت قراراً متأخراً. هو لم يقل ذلك، لكن تركيزه على الإحباط الذي سبّبه هجوم خليفة حفتر على...
في جلسة مجلس الأمن، الأربعاء الماضي، قيل الكلام الأخطر والأسوأ للتحذير من جريمة إسرائيلية يجري ارتكابها علناً. إذا كان هذا المجلس بمثابة مرجع «قضائي»، باعتبار أن الشعوب تشكو إليه ما تعتبره مظلمة تقع بها، أو...
هل كانت شهادة جون بولتون لتغيّر كثيراً في محاولة تنحية دونالد ترمب؟ يحاول مستشار الأمن القومي السابق الإجابة في مذكراته عن الفترة التي أمضاها في المنصب، المفارقة من جهة أن بولتون يصف رئيسه بأنه غير...
فجأة تحوّلت التماثيل والنصب التذكارية من معالم تاريخية ومفاخر تاريخية وجواذب سياحية، إلى رموز خزي وعار وموضع إدانة ومساءلة، أصبحت آيلة للإزالة ليس من أمام الأنظار فحسب، بل أيضاً من الذاكرة والسجلات، وحتى من التعليم...
لم يخطئ دونالد ترمب أبداً بالنسبة إلى معاييره الشخصية، حتى في مقاربته لواقعة مصوّرة، مثل قتل الشرطي الأبيض ديريك شوفين المواطن الأسود جورج فلويد؛ إذ أذهل الرئيس الأميركي مواطنيه جميعاً بتعامله الفظّ مع ردود الفعل...
ما يظهر على السطح رفضٌ واستنكارٌ دولي لعملية ضم إسرائيل 30 % من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية. ما يحدث تحت السطح أن حكومة الائتلاف اليميني باشرت إجراءات الضمّ هذه على الأرض، ولا تنتظر الموعد...
وسط عشرات المسلسلات الدرامية في الموسم الرمضاني، وسوادها الأعظم رديء، كان من الطبيعي أن يبرز واحدٌ من خارج السباق، ومن الواقع المعاش لا من قصص متخيّلة أو مقتبسة. أُعطي أسماء عدة، لكن أفضلها كان «صراع...
لكي يخرق وزير الخارجية الأميركي الحظر «الكوروني» ويسافر إلى إسرائيل، ذهاباً وإياباً من دون توقّف، لا بدّ أن ثمّة شديداً قوياً يتطلّب ضبطاً، رغم أن طبيعة العلاقة بين إدارة دونالد ترمب وبنيامين نتنياهو لا تعاني...
مع رئيس الوزراء الجديد يفتح العراق صفحة غير مسبوقة، منذ سقوط النظام السابق، ذاك أن مصطفى الكاظمي لا ينتمي إلى أي حزب عقائدي ديني، كما كان أسلافه إبراهيم الجعفري، ونوري المالكي، وحيدر العبادي، وعادل عبد...
السؤال مطروح غرباً وشرقاً، سواء باسترشاد ما يُعتقد أن مكافحة الصين لوباء «كورونا» كانت نمطاً نموذجياً لم يتمكّن العالم الغربي من اتباعه، ولذا فقد تبوأ المراتب الأولى في أعداد الإصابات والوفيات، أو ما يمكن أن...
ملامح كثيرة للتغييرات المقبلة بدأت تتراءى أمام العيون وفي المخيّلات وفي دروس المحنة الفيروسية على كل المستويات الفردية والجماعية، بغضّ النظر عما إذا عانى الشخص أو لم يعانِ فقداً في عائلته أو صداقاته، وعن مدى...
لن تختلف تقديرات الخسائر كثيراً في حال «كورونا» عما هي في أي حرب عالمية. ولا يمكن توجيه اللوم لجهة أو لأحد بالنسبة إلى الوباء، رغم أن الانفعالات اندفعت هنا وهناك إلى مزالق سياسية وعنصرية شتّى،...