الإرهابي الدبلوماسي..!
19 أبريل 2014 , 12:00ص
يبدو الرئيس الفلسطيني محمود عباس سعيداً بهذا التوصيف، الذي أطلقته عليه قيادات إسرائيلية، هذا ما بدا لكل الذين شاركوا في اللقاء، الذي عقده مع رموز من النخبة المصرية. أثناء زيارته الأخيرة للعاصمة القاهرة، لحضور اجتماعات وزراء الخارجية العرب، في دورتهم الطارئة في نهاية الأسبوع الماضي، بناء على طلب السلطة الفلسطينية، وبتأييد مصر والكويت والمغرب، خاصة أنه نجح بالفعل خلال السنوات الماضية، منذ انتخابه كرئيس للسلطة عام 2005، وحتى الآن، في مقاومة كل الضغوط التي مورست عليه، من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، واحتفظ بموقفه الثابت دون تقديم أي تنازلات، رغم أن الإدارة الأميركية ومن قبلها تل أبيب، سعت إلى إزاحة الشهيد ياسر عرفات، باعتباره عقبة في طريق تحقيق السلام، وفقاً لرؤية كل منهما، وعولت كثيراً على وجود أبومازن، كخليفة محتمل ومطيع ومتفاهم، على أساس أنه كان ضد الانتفاضة المسلحة، داعياً إلى النضال السلمي، في ظل وجود فجوة كبيرة في القدرات العسكرية، بين الجيش الإسرائيلي والمنظمات الفلسطينية، التي تلتزم بالكفاح المسلح، سواء كانت فتح في زمن الانتفاضة الأولى والثانية، أو حماس والجهاد الإسلامي.
سعادة عباس لا توصف، رغم أن يعي تماماً حجم المخاطر والتهديدات، التي يتعرض لها عقاباً على مواقفه غير المتوقعة، والتي قد تصل إلى درجة القتل أو النفي، فقد تحدث عن محادثة عاصفة، بينه وبين جون كيري وزير الخارجية الأميركي، على مرتين أثناء زيارته إلى المغرب والجزائر مؤخراً، وقال: «لقد نشف دمي ولكني تحملت». ويبدو أن المكالمة تضمنت الكثير من الوعيد، بعد أن رفض عباس طلباً أميركيا بعدم توقيع طلب الانضمام إلى 15 منظمة دولية ورفض بعدها أيضاً طلباً أميركياً بعدم تفعيل تلك الخطوة، وأصدر تعليماته بالسير في مراحل السيناريو الموضوع، والمتفق عليه بين قيادات السلطة الوطنية، في حال لم تلتزم إسرائيل بتعهداتهما، الخاصة بالإفراج عن الدفعة الرابعة من الأسرى الفلسطينيين، والبالغ عددهم 30 أسيراً، من بينهم 14 من عرب إسرائيل، من حاملي الجنسية الإسرائيلية، رفضت السلطة الفلسطينية إبعادهم إلى الضفة أو غزة، مع سحب الجنسية الإسرائيلية منهم، أو طردهم خارج أراضي السلطة وإسرائيل. ويبدو أن تلك هي أقل أنواع التهديدات التي خرجت من وزير الخارجية الأميركي كيري، الذي يحاول جاهداً إنقاذ مفاوضات السلام، التي بذل جهداً كبيراً في استئنافها واستمرارها، خلال فترة الشهور التسع الماضية، ويحاول الآن مدها حتى نهاية العام الحالي، ولا يستبعد أبومازن أن يتم اغتياله، فكما قال: «قتلي ليس هناك ما هو أسهل منه، فأنا للأسف الشديد موجود تحت حمايتهم»، فأنا لست عسكرياً»، «ولم أستخدم السلاح ولا أعرفه»، عمري كله قضيته في العمل الدبلوماسي، «وجميعاً نعرف أن تنقلاته وتحركاته داخل وخارج الأراضي الفلسطينية، تحت المراقبة الإسرائيلية، وإمكانية مهاجمة مكتبه في المقاطعة بمدينة رام الله، لها سوابق وفعلها الإسرائيليون من قبل، في زمن الشهيد ياسر عرفات في العام 2002، والذي فرضت إسرائيل الحصار عليه، وعلى تحركاته، حتى استشهد بشكل غامض وذهب ومعه أسراره.
سعادة أبومازن كبيرة بالدعم العربي، الذي حصل عليه من اجتماع وزراء الخارجية العرب الأخير، فقد أيدوا خطوة الانضمام إلى 15 منظمة دولية، رغم رمزيتها، فهي اتفاقيات عن منع التعذيب، وحقوق الطفل، وعدم التمييز ضد المرأة، ولكن الرسالة قد وصلت إلى تل أبيب وواشنطن، أن البدائل أمام السلطة الوطنية عديدة، خاصة بعد النجاح الذي حققته في 29 نوفمبر 2012، بالحصول علي دولة مراقب وليست عضواً في الأمم المتحدة، ولكن لها كل الحقوق، ومنها إمكانية الانضمام إلي 63 منظمة واتفاقية دولية، وبهذا أصبحت فلسطين دولة معترف بها، لها شهادة ميلاد، كما قال أبومازن، ومن ذلك الاتفاقيات والمنظمات icc المعروفة بالمحكمة الجنائية الدولية، ويمكن للسلطة أن تمنع أي مسؤول إسرائيلي من السفر إلي أوروبا، خوفاً من تقديمه إلى المحاكمة في لاهاي، عن الجرائم التي تم ارتكابها في حق الفلسطينيين، وكلها جرائم ضد الإنسانية، ولعل بداية الدعم العربي، في رفض المطلب الإسرائيلي بالاعتراف بيهودية الدولة، وهو ما يعني ببساطة طرد مليون ونصف من عرب إسرائيل، والقضاء على حق عودة اللاجئين، والاعتراف بالرواية التاريخية لليهود، بما يعني أن الفلسطينيين ليسوا سكان تلك المنطقة الأصليين، بل إن وجودهم جاء بشكل استثنائي، وهو المطلب الذي لم تتقدم به إسرائيل إلى كل من مصر والأردن، عند توقيع اتفاقيات السلام معها، كما أن أبومازن حصل على وعود من وزراء الخارجية العرب بتوفير 100 مليون دولار، للموازنة السنوية للسلطة، إذا قامت إسرائيل بقطع مبلغ 120 مليون دولار، تقوم بتحصيلها لصالح السلطة الفلسطينية كضرائب ورسوم، بعد استقطاع مبالغ مقابل ذلك، كما وافق الوزراء أيضاً على دعم الخطوة الفلسطينية الأخيرة، بالانضمام إلي 15 منظمة دولية، والدفاع عنها في المحافل الدولية، مع تحميل إسرائيل المسؤولية الكاملة لتعثر عملية السلام، بسب رفضها الالتزام بمرجعياتها، وهي إقرار مبدأ حل الدولتين، وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران، وعاصمتها القدس الشرقية، وتنفيذ تعهداتها الخاصة بإطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين. ولعها المرة الأولى الذي يتوافق الموقفان العربي والأميركي، خاصة بعد الانتقادات العلنية غير المسبوقة، من وزير الخارجية الأميركي جون كيري، وأمام أحد لجان الكونجرس، عندما حمل إسرائيل مسؤولية فشل المفاوضات، نتيجة عدم الإفراج عن الأسرى في المرحلة الرابعة، والإعلان عن بناء 700 وحدة استيطانية جديدة بالقدس.
وبعد فكما يبدو أن هناك موافقة ضمنية فلسطينية وعربية، على المسعى الأميركي، وكان هناك رفض بات من السلطة الوطنية الفلسطينية لتلك الخطوة، بمد أمد المفاوضات إلى نهاية العام الحالي، بعد أن كان مقرراً الانتهاء منها نهاية هذا الشهر، ولكن وفق مقاربة جديدة ومختلفة، مضمونها في الآتي، إذا تم التوافق على استئناف المفاوضات بداية الشهر القادم، فسيتم ذلك وفقاً لتنفيذ العديد من المطالب، في المقدمة منها، الإفراج عن 30 أسيراً، وهو عدد الدفعة الرابعة المتفق عليها، والالتزامات السابقة، ومنها وقف الاستيطان والاعتداءات، مع تخصيص ثلاثة أشهر، يتم خلالها التركيز على نقطة واحدة، بشكل مواز مع بقية القضايا، وهي الاتفاق على وضع خريطة لفلسطين، وتحديد حدودها، هذه هي المطالب الفلسطينية لاستئناف المفاوضات، ومن دونها كما قال أبومازن: «لن يكون هناك تفاوض»، مع توقع الأسوأ من الطرف الإسرائيلي، والبدايات واضحة، في قرارات نتنياهو الأخيرة ، بوقف كل الاجتماعات مع الفلسطينيين، باستثناء ما يخص تسيبي ليفني المسؤولة عن ملف المفاوضات، وكذلك اجتماعات التنسيق الأمني بين الطرفين، مع وقف التعاون الاقتصادي مع السلطة.
وبعد فالأيام القادمة حبلى بكثير من التطورات، على صعيد المفاوضات مع إسرائيل، والمصالحة الفلسطينية أيضاً، ففي نهاية هذا الشهر، ووفقاً لما قاله محمود عباس، فهناك اجتماعات للقيادة الفلسطينية، وقد تتخذ قرارات مهمة، لم يفصح عن مضمونها، في انتظار تلك الاجتماعات، ولكنها قد تؤدي إلى الدعوة إلى انتخابات نيابية ورئاسية، فلم يعد مقبولاً استمراره في الرئاسة كل تلك المدة، منذ عام 2005، وغياب المجلس التشريعي المعطل أعماله منذ عام 2007، فهو وضع وصفه أبومازن بأنه «أعرج»، يحتاج إلى قرارات صعبة.