


عدد المقالات 113
الأصل أن يستعملَ العبدُ الأسبابَ التي بيّنها الله تعالى لعباده وأذن فيها، وهو يعتقد أنَّ المسبِّبَ هو الله سبحانه وتعالى، وما يصل إليه من المنفعة عند استعمالها بتقدير الله عز وجل، وأنّ إنْ شاء حرمه تلك المنفعة مع استعماله السببَ، فتكون ثقتُه بالله، واعتمادُه عليه في إيصال تلك المنفعة إليه مع وجود السبب. فعلى مستوى السنة الفعلية ثبتَ أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهَرَ في الحربِ بين درعين، ولبس على رأسه المِغْفر، وأقعدَ الرماةَ في الجبل، وخندق حولَ المدينة وأَذِنَ في الهجرةِ إلى الحبشة وإلى المدينة، وهاجرَ هو، وتعاطى أسبابَ الأكل والشرب، وادّخر لأهله قوتهم، ولم ينتظر أن ينزلَ عليه من السماء، وكان هو أحقَّ الخلقِ أن يحصلَ له ذلك، ومع كلِّ ذلك لا يُظَنُّ برسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه مالَ إلى شيءٍ من الأسباب غفلة مقدار طرفة عين. (فتح الباري، لابن حجر (10/212)) والمثال النبوي الفعلي لهذا التوازن على وجه التفصيل حادثُ الهجرة الذي اصطحب فيه أبا بكر الصديق رضي الله عنه، فقد استوفيا هما الاثنان في هذه الهجرة الأسباب المتاحة جميعها، ولم يغفلا واحداً منها. (السنن الإلهية، د. مجدي عاشور ص (217)) إنّ من تأمّلَ حادثَة الهجرةِ، ورأى دِقّةَ التخطيط فيها، ودِقّةَ الأخذِ بالأسباب من ابتدائها إلى انتهائها، ومن مقدّماتها إلى ما جرى بعدها، يدركُ أنَّ التخطيط المسدَّدَ بالوحي في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قائماً، وأنَّ التخطيطَ جزءٌ من السنة النبوية، وهو جزءٌ من التكليف الإلهي في كلِّ ما طولب به المسلم، وأنّ الذين يميلون إلى العفوية، بحجة أنَّ التخطيط وإحكام الأمور ليسا من السنة، أمثال هؤلاء مخطئون، ويجنون على أنفسهم، وعلى المسلمين. (الأساس في السنة، سعيد حوى (1/357)) فعندما حان وقتُ الهجرةِ، وشرع النبيُّ صلى الله عليه وسلم في التنفيذِ، نلاحظ الآتي: • وجود التنظيم الدقيق للهجرة حتى نجحت: برغم ما كان يكتنفها من صعابٍ وعقباتٍ، وذلك أنّ كلَّ أمرٍ من أمورِ الهجرةِ كان مدروساً دراسةً وافيةً، فمثلاً: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبي بكر في وقت شدّة الحرِّ، الوقت الذي لا يخرجُ فيه أحد، بل من عادته أنّه لم يكن يأتي له في ذلك الوقت، لماذا؟ حتّى لا يراه أحد. • إخفاء شخصيته صلى الله عليه وسلم في أثناء مجيئه للصّديق: وجاء إلى بيت الصّدّيق متلثّماً، لأنّ التلثم يقلل من إمكانية التعرف على معالم وجه المتلثم. (في السيرة النبوية، د. إبراهيم أحمد ص (141)) • أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يُخرِجَ مَنْ عنده، ولمّا تكلّم لم يبيّن إلا الأمرَ بالهجرة دون تحديدِ الاتجاه. • كان الخروج ليلاً، ومن باب خلفيٍّ في بيت أبي بكر. • بلغ الاحتياط مداه، باتخاذ طرق غير مألوفة للقوم، والاستعانة على ذلك بخبيرٍ يعرف مسالك البادية، ومسارب الصحراء، ولو كان ذلك الخبير مشركاً، ما دام على خُلُقٍ ورزانة، وفيه دليل على أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم كان لا يحجِمُ عن الاستعانة بالخبرات مهما يكن مصدرها. • انتقاء شخصيات لتقومَ بالمعاونة في شؤون الهجرة، ويلاحظ أن هذه الشخصيات كلّها تترابط برباط القرابة، أو برباط العمل الواحد، مما يجعل هؤلاء الأفراد، وحدة متعاونة على تحقيق الهدف الكبير. • وضع كلَّ فردٍ من أفراد هذه الأسرة في عمله المناسب، الذي يجيد القيام به على أحسن وجه، ليكونَ أقدرَ على أدائه والنهوض بتبعاته. • فكرة نوم علي بن أبي طالب رضي الله عنه مكان الرسول صلى الله عليه وسلم فكرة ناجحة، قد ضلّلت القوم، وخدعتهم، وصرفتهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى خرجَ في جُنْحِ الليل تحرسُه عنايةُ الله، وهم نائمون، ولقد ظلت أبصارُهم معلقة بعد اليقظة بمضجع الرسول صلى الله عليه وسلم، فما كانوا يشكّون في أنه ما يزال نائماً مُسجّى في بردته، في حين كان النائم هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه. (أضواء على الهجرة، توفيق محمد ص (393 ـ 397)) • وقد كان عمل أبطال هذه الرحلة على النحو التالي: عليّ رضي الله عنه: ينام في فراش الرسول صلى الله عليه وسلم، يخدع القومَ، ويُسلِّمُ الودائع، ويلحق بالرسول صلى الله عليه وسلم بعد ذلك. عبد الله بن أبي بكر: رجل المخابرات الصادق، وكاشف تحركات العدو. أسماء ذات النطاقين: حاملة التموين من مكة إلى الغار، وسط جنود المشركين، بحثاً عن محمد صلى الله عليه وسلم ليقتلوه. عامر بن فُهيرة: الراعي البسيط، الذي قدّم اللحم واللبن إلى صاحبي الغار، وبدّدَ آثار أقدام المسيرة التاريخية بأغنامه، كي لا يفترسها القوم، لقد كان هذا الراعي يقوم بدور الإمداد، والتموين، والتّعمية. عبد الله بن أريقط: دليل الهجرة الأمين، وخبير الصحراء البصير، ينتظر في يقظة إشارةَ البدء من الرسول صلى الله عليه وسلم، ليأخذ الركب طريقه من الغار إلى يثرب، فهذا تدبير للأمور على نحو رائعٍ دقيقٍ، واحتياطٍ للظروف بأسلوبٍ حكيمٍ، ووضع لكلّ شخصٍ من أشخاص الهجرة في مكانه المناسب، وسدٍّ لجميع الثغرات، وتغطية بديعة لكلِّ مطالب الرحلة، واقتصارٍ على العدد اللازم من الأشخاص من غير زيادة ولا إسراف. • لقد أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم بالأسباب المعقولة أخذاً قوياً حسب استطاعته وقدرته، ومن ثَمّ باتت عنايةُ الله متوقعةً. (سنة الله في الأخذ بالأسباب، د. علي الصلابي، ص61) إنّ اتخاذ الأسباب أمرٌ ضروري وواجب، ولكن لا يعني ذلك دائماً حصول النتيجة، ذلك لأن هذا أمرٌ يتعلق بأمر الله ومشيئته، ومن هنا كان التوكّلُ أمراً ضرورياً، وهو من باب استكمال اتخاذ الأسباب. إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أعدَّ كل الأسباب، واتّخذ كلَّ الوسائل، ولكنّه في الوقت نفسه مع الله، يدعوه ويستنصره أن يكلل سعيه بالنجاح، وهنا يُستجابُ الدعاء، وينصرف القوم بعد أن وقفوا على باب الغار، وتسيخُ فرسُ سُراقة في الأرض، ويكلل العمل بالنجاح. (السيرة النبوية، د. علي الصلابي، (1/480)) • وأما على مستوى السنة القولية في هذا الصدد: نجد أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «فِرّ مِنَ المجذومِ فرارَك من الأسَدِ» [فتح الباري على صحيح البخاري (10/158)]، في الوقت الذي ثبت فيه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أكل مع المجذوم [الترمذي (4/266)]. وظاهر الحديثين يدل على التنافي بين التوكل والأخذ بالأسباب، إلا أنّه عند التحقيق نجد أنه صلى الله عليه وسلم أكل مع المجذوم، ليبيّن أنَّ الله هو الذي يُمْرِضُ ويشفي، وأنّه لا شيءَ يعدي بطبعه، نفياً لما كانت الجاهلية تعتقده من أنّ الأمراضَ تعدي بطبعها من إضافة إلى الله، فأبطل النبيُّ صلى الله عليه وسلم اعتقادهم ذلك، في حين نهى النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن الاقتراب من المجذوم، ليبيّن أنَّ هذا من الأسبابِ التي أجرى الله تعالى العادة بأنها تفضي إلى مسبباتها، ففي نهيه إثبات الأسباب، وفي فعله إشارةٌ إلى أنها لا تستقل، بل الله هو الذي إنْ شاء سلبها قواها، فلا تؤثر شيئاً، وإن شاء أبقاها فأثرت، وفي ذلك فسحةٌ لمقام التوكل على الله (فتح الباري (10/160 ـ 161))، وهذا يبيّن أنّ لكلِّ حالةٍ مقامها التي شرعها الله عز وجل لها. ومن ذلك ما ورد أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرَّ بقوم فقال: من أنتم؟ قالوا: المتوكلون. قال: أنتم المتواكلون، إنَّما التوكل رجلٌ ألقى حَبَّه في بطنِ الأرضِ، وتوكل على ربه عز وجل. (شعب الإيمان، للبيهقي، (2/81)) المراجع: • سنة الله في الأخذ في الأسباب، د. علي محمد محمد الصلابي، دار ابن كثير – بيروت. • السيرة النبوية – عرض وقائع وتحليل أحداث، د. علي محمد محمد الصلابي، دار الأصالة – إسطنبول، ط1، 2023م. • فتح الباري لابن حجر العسقلاني، دار المعرفة، بيروت - لبنان. • شعب الإيمان، البيهقي، ط1، مكتبة الرشد - بالرياض، ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٣م. • السنن الإلهية في الأمم والأفراد في القرآن الكريم، د. مجدي محمد عاشور، دار السلام – 2013م. • أضواء على الهجرة لتوفيق محمَّد سبع، مطبعة الهيئة العامَّة لشؤون المطابع الأميرية، 1393 هـ 1973 م. • الأساس في السُّنَّة، لسعيد حوَّى، دار السلام - مصر. • أضواء على الهجرة لتوفيق محمَّد سبع، مطبعة الهيئة العامَّة لشؤون المطابع الأميرية، 1393 هـ 1973 م.
كتب الشيخ الدكتور مصطفى السباعي (رحمه الله) كتاباً من أعظم الكتب في القرن الماضي في (السنة ومكانتها في التشريع)، وهو من الكتب التي شكلت لي مرجعية مهمة في الرد على الشبهات والأغاليط والأكاذيب التي نشرها...
لم تكن فلسطين في وجدان الشيخ مصطفى السباعي قضيةً عابرة، ولا شعارًا يُرفع في الخطب، بل كانت جرحًا حيًّا يسكن القلب، وعقيدةً تتحرك في الفكر، وميدانًا يتجسد فيه الإيمان عملًا وجهادًا. لقد حملها في دمه...
ليست البدايات في حياة العظماء تفاصيل عابرة بل هي المفاتيح الحقيقية لفهم مساراتهم وآثارهم. وحين نقف عند التكوين المبكر للشيخ مصطفى السباعي فإننا نقرأ مرحلة تأسيسية صنعت عالماً عاملاً وداعية مجاهداً. فقد نشأ في بيئة...
شهد القرن العشرون نجوما ساطعة، وأقمارا هادية، وشموسا منيرة، وكواكب نيّرة من علماء الأمّة المصلحين الذين وقفوا بعلمهم وإيمانهم أمام العواصف العاتية في ذلك القرن الذي شهد تغيّرات جذريّة، وحروباً طاحنة، ومشاريع متصارعة على مستوى...
تجسّد وصية نبي الله يعقوب عليه السلام لأبنائه في سورة يوسف نموذجاً بديعاً للتوازن بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله، حيث جمع بين الحكمة البشرية والإيمان العميق بالقضاء والقدر، ففي قوله تعالى على لسان يعقوب...
تُعدّ غزوة تبوك من أبرز محطات التربية الإيمانية والإعداد العسكري في السيرة النبوية، إذ جسّدت نموذجاً عملياً لإعداد الجيل المؤمن القادر على تحمّل أعباء الرسالة. فقد خرج النبي ﷺ بجيش العسرة في ظروف شديدة القسوة...
تُعدّ غزوة حنين من الأحداث المفصلية في السيرة النبوية التي سجّلها القرآن الكريم لتبقى درسًا خالدًا للأمة عبر العصور، فقد كشفت هذه المعركة عن حقيقةٍ تربوية وإيمانية عميقة، وهي أن النصر لا يتحقق بكثرة العدد...
ملّةُ إبراهيم عليه السلام أساس رسالة التوحيد التي قامت عليها دعوة الأنبياء جميعًا، فهي الملة التي تدعو إلى إخلاص العبادة لله وحده ونبذ الشرك بكل صوره. وقد أكد القرآن الكريم مكانة هذه الملة وسموّها، مبينًا...
يبيّن القرآن الكريم أصول الإيمان التي يقوم عليها دين الإسلام، ويرسم للمؤمنين المنهج العقدي الصحيح الذي يجمع بين الإيمان بالله تعالى، والإيمان بجميع أنبيائه ورسله وكتبه دون تفريق أو تمييز. ومن الآيات الجامعة في بيان...
عرضت آيات سورة غافر جانبًا مضيئًا من قصة مؤمن آل فرعون، فأبرزت قوة الإيمان حين يقف في وجه الباطل، وصدق النصيحة حين تصدر من قلب مشفق على قومه. ويكشف المقال عن منهجه الحكيم في الدعوة،...
وصلت الأمَّة الإسلاميَّة في السَّنة العاشرة مرحلةً من النُّضج متقدِّمةً، وكان ذلك يقتضي لمساتٍ أخيرةً، فوسَّع (ﷺ) في العام التَّاسع، والعاشر من الهجرة دائرة التَّلقِّي المباشر، من خلال استقباله الوفود، ومن خلال رحلة الحجِّ، فأوجد...
يُبرز القرآن الكريم خطورة الجدال في آيات الله بغير علم أو حجة، لما في ذلك من انحراف عن طريق الحق وإصرار على الباطل رغم وضوح الدليل والحجة والبرهان. وذلك في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي...