


عدد المقالات 110
يُبرز القرآن الكريم خطورة الجدال في آيات الله بغير علم أو حجة، لما في ذلك من انحراف عن طريق الحق وإصرار على الباطل رغم وضوح الدليل والحجة والبرهان. وذلك في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ (غافر: ٣٥). تكشف هذه الآية طبيعة هذا السلوك وآثاره الخطيرة على القلب والعقل، حيث يتحول الجدال إلى مظهر من مظاهر الكبر والعناد الذي يورث صاحبه مقت الله ومقت المؤمنين. كما تشير الآية إلى أن الاستمرار في هذا المسلك يؤدي إلى طبع القلب ومنعه عن قبول الحق. وقد جاءت هذه الآية بعد قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾. فبدأ بوصف هذا المسرف المرتاب بقوله سبحانه: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ (غافر: ٣٥). أ- ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ التي بينت الحق من الباطل وصارت من ظهورها بمنزلة الشمس للبصر، فهم يجادلون فيها على وضوحها، ليدفعوها ويبطلوها. ب- ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ أي: بغير حجة وبرهان، وهذا وصف لازم لكل من جادل في آيات الله، فإنه من المحال أن يجادل بسلطان؛ لأن الحق لا يعارضه معارض، فلا يمكن أن يعارض بدليل شرعي أو عقلي أصلاً. جـ- ﴿كَبُرَ﴾: ذلك القول المتضمن لردّ الحق بالباطل. د- ﴿مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: فالله أشد بغضاً لصاحبه لأنه تضمن التكذيب بالحق، والتصديق بالباطل، ونسبته إليه، وهذه أمور يشتد بغض الله لها، ولمن اتصف بها، وكذلك عباده المؤمنون يمقتونه على ذلك أشد المقت موافقة لربهم، وهؤلاء خواص خلق الله تعالى، فمقتهم دليل على شناعة من مقتوه. هـ- ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كما طبع على قلوب آل فرعون. و- ﴿يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾: متكبر في نفسه على الحق بردّه، وعلى الخلق باحتقارهم، جبار بكثرة ظلمه وعدوانه (السعدي، 4/1550). وقال الدكتور محمد أبو موسى في قوله: ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾: السلطان معناه الحجة والبرهان، وليس هناك جدال في آيات الله بسلطان، لأن آيات الله حجة وبرهان وسلطان فوق كل حجة، فوق كل برهان، وفوق كل سلطان، ووجه ذكر هذا القيد هو إعظام وإكرام وتنويه بالبرهان والحجة (أبو موسى، ص 489)، والحجة والبرهان أصل الحق والعدل على هذه الأرض، والقرآن الكريم يعوّل كثيراً عليها، وأن الأصل في صلاح وإصلاح حياة أي شعب هو الانقياد، والتسليم للحجة والبينة. والحامي للحجة والبرهان في الشعوب هو القضاء العادل الذي ليس عليه سلطان إلا سلطان الحجة والبرهان، فإذا تخلّى القضاء عن ذلك لم يعد قضاء، وتحوّلت حياة الشعوب إلى جحيم وغابة، يأكل كبارها صغارها، والأنظمة الراشدة لا تحرص على شيء كحرصها على نزاهة القضاء فيها، وتعده من أكبر مفاخرها، وإذا رأيت القضاء في أي بلد تحت الطلب، فاعلم أنه تسلل إلى سدّة الحكم من ليسوا من أهلها، وأسند الأمر إلى غير أهله، وسيدنا رسول الله ﷺ قال لنا: «إذا أُسْنِدَ الأمْرُ إلى غيرِ أهْلِهِ فانْتَظِرِ السَّاعَةَ»، وليس الواجب أن تكون الساعة التي هي القيامة، وإنما يمكن أن تكون ساعة الشعب الذي أسند فيه الأمر إلى غير أهله، وأنه في طريقه إلى الفناء، وإن بقي حياً يأكل ويشرب (أبو موسى، ص490). - وفي قوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وفاعل كبُر ضمير يعود على الجدال المفهوم من يجادلون. - و﴿مَقْتًا﴾ تمييز، والمقت أشد الغضب، والتعبير بالاسم الموصول يشير إلى أن هناك ناساً معروفين بالجدال في آيات الله، وهم في زمن فرعون، وفي زماننا، وفي كل زمان، والجدال في آيات الله يورث مقت الله، وهو أشد الغضب، وكلمة ﴿كَبُرَ﴾ تعني أنه ليس مقتاً فحسب، وإنما هو مما يقال فيه ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾. - وعطْف ﴿وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ على ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أولاً فيه تكريم للذين آمنوا، ثم فيه أن الذي يغضب الله أشد الغضب، يغضب الذين آمنوا أشد الغضب، وأننا نكره من يكرههم الله، ونعادي من يعاديهم، ونحب من أحبهم الله، وإذا كان الحب في الله هو أصدق الحب؛ فإن الكره في الله هو أصدق الكره، وأننا مع الله، نحب من أحب، ونكره من يكره، ولاحظ أن هذا كلام ابن عم فرعون، وكان فرعون من أشد المجادلين في آيات الله، وأن هذا المؤمن يخاطب قومه بهذا الخطاب البيّن الواضح، والرجل اتسع فقهه، واتسع علمه (أبو موسى، ص489)، واستوعب دعوة موسى عليه السلام، وطريق الأنبياء والمرسلين، وآمن بالله رباّ، وبموسى عليه السلام نبياً ورسولاً، وقال الدكتور محمد أبو موسى في قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾. كلمة ﴿كَذَلِكَ﴾ تكثر في كلام الله أكثر من كثرتها في أي كلام آخر، لأنه تشبيه، وقياس القياس له شأن في دين الله، والكاف أداة تشبيه كما قلت، وكما هو معروف، والمهم تحديد المشار إليه، وهو هنا الجدال في آيات الله، وما يفضي إليه من كبر مقتاً عند الله وعند الذين آمنوا بطبع الله، والقلب الذي يطبع الله عليه لا يصل إليه حق، مثل القلب الذي يختم الله عليه، وإنما يطبع ربنا ويختم على قلوب الذين كفروا، والذين يستوي عندهم الإنذار وعدمه، والنصح وعدمه، وهذا معناه أن الجدال في آيات الله من الطبع على القلوب التي لا ينفذ إليها حق. - وقوله: ﴿عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾: الكليّة في الآية داخلة على القلوب، التي هي موضع الطبع، وأن هذه القلوب التي هي موضع الطبع مضافة إلى متكبر موصوف بأنه جبار، وهذا يعني أنك لا تجد متكبراً جباراً إلا وقد طبع على قلبه، وأن الفهم والإدراك الصحيح لا يصل إلى قلب متكبر، وقد فُسر المتكبر هنا بأنه المتكبر على الحق، والجبار بالجبار في العصيان، وهذا هو النموذج المجادل في آيات الله، ولا شك في أن الذين يقولون إن سماع سليمان لكلام النملة من الأساطير هم من الذين يجادلون في آيات الله، وهم من الذين طبع الله على قلوبهم، وإن كانوا يوصفون بأنهم مثقفون جداً، ومتنوّرون ونخبة (أبو موسى، ص491). المصادر والمراجع: 1. السعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان. 2. أبو موسى، محمد محمد، من حديث يوسف وموسى في الذكر الحكيم. 3. الصلابي، علي محمد، مؤمن آل فرعون في القرآن الكريم.
شهد القرن العشرون نجوما ساطعة، وأقمارا هادية، وشموسا منيرة، وكواكب نيّرة من علماء الأمّة المصلحين الذين وقفوا بعلمهم وإيمانهم أمام العواصف العاتية في ذلك القرن الذي شهد تغيّرات جذريّة، وحروباً طاحنة، ومشاريع متصارعة على مستوى...
تجسّد وصية نبي الله يعقوب عليه السلام لأبنائه في سورة يوسف نموذجاً بديعاً للتوازن بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله، حيث جمع بين الحكمة البشرية والإيمان العميق بالقضاء والقدر، ففي قوله تعالى على لسان يعقوب...
تُعدّ غزوة تبوك من أبرز محطات التربية الإيمانية والإعداد العسكري في السيرة النبوية، إذ جسّدت نموذجاً عملياً لإعداد الجيل المؤمن القادر على تحمّل أعباء الرسالة. فقد خرج النبي ﷺ بجيش العسرة في ظروف شديدة القسوة...
تُعدّ غزوة حنين من الأحداث المفصلية في السيرة النبوية التي سجّلها القرآن الكريم لتبقى درسًا خالدًا للأمة عبر العصور، فقد كشفت هذه المعركة عن حقيقةٍ تربوية وإيمانية عميقة، وهي أن النصر لا يتحقق بكثرة العدد...
ملّةُ إبراهيم عليه السلام أساس رسالة التوحيد التي قامت عليها دعوة الأنبياء جميعًا، فهي الملة التي تدعو إلى إخلاص العبادة لله وحده ونبذ الشرك بكل صوره. وقد أكد القرآن الكريم مكانة هذه الملة وسموّها، مبينًا...
يبيّن القرآن الكريم أصول الإيمان التي يقوم عليها دين الإسلام، ويرسم للمؤمنين المنهج العقدي الصحيح الذي يجمع بين الإيمان بالله تعالى، والإيمان بجميع أنبيائه ورسله وكتبه دون تفريق أو تمييز. ومن الآيات الجامعة في بيان...
عرضت آيات سورة غافر جانبًا مضيئًا من قصة مؤمن آل فرعون، فأبرزت قوة الإيمان حين يقف في وجه الباطل، وصدق النصيحة حين تصدر من قلب مشفق على قومه. ويكشف المقال عن منهجه الحكيم في الدعوة،...
وصلت الأمَّة الإسلاميَّة في السَّنة العاشرة مرحلةً من النُّضج متقدِّمةً، وكان ذلك يقتضي لمساتٍ أخيرةً، فوسَّع (ﷺ) في العام التَّاسع، والعاشر من الهجرة دائرة التَّلقِّي المباشر، من خلال استقباله الوفود، ومن خلال رحلة الحجِّ، فأوجد...
يمثل مشهد خروج نبي الله نوح عليه السلام ومن معه من المؤمنين بعد الطوفان لحظة فارقة في تاريخ البشرية، إذ يؤذن ببدء مرحلة جديدة من مسيرة الإنسان على الأرض. وقد تجلى هذا المشهد في قوله...
كان من ضمن شهداء المسلمين في حرب اليمامة كثيرٌ من حفظة القرآن، وقد نتج عن ذلك أنْ قام أبو بكر رضي الله عنه ـ بمشورة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ـ بجمع القرآن، حيث...
الاستغفار من أعظم أبواب الرحمة والبركة التي دلّ عليها القرآن الكريم، وقد جعله الله سببًا لانفتاح أبواب الخيرات في الدنيا قبل الآخرة، وتبرز دعوة نوح عليه السلام لقومه نموذجًا واضحًا لارتباط التوبة بنزول الغيث، وزيادة...
قيامُ الليل في شهرِ رمضانَ المبارك عبادةٌ جليلة، تتجلّى فيها معاني الإيمان الصادق والخشوع والأنس بالله تعالى، وإذا كان قيام الليل مشروعًا في سائر العام، فإن له في رمضان خصوصيةً أعظم، إذ يجتمع فيه شرف...