


عدد المقالات 105
عرضت آيات سورة غافر جانبًا مضيئًا من قصة مؤمن آل فرعون، فأبرزت قوة الإيمان حين يقف في وجه الباطل، وصدق النصيحة حين تصدر من قلب مشفق على قومه. ويكشف المقال عن منهجه الحكيم في الدعوة، إذ جمع بين اللين في الخطاب، والوضوح في الحجة، والتذكير بفناء الدنيا وبقاء الآخرة، مع بيان عدل الله في الجزاء، والموازنة بين طريق النجاة وطريق الهلاك. ففي هذه الآيات من الدلالات البلاغية والتربوية والإيمانية العميقة، ما يجعلها نموذجًا خالدًا في الثبات والبيان والدعوة إلى الله. قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ ٣٨ يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ ٣٩ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ٤٠ وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ ٤١ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ ٤٢ لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ ٤٣ فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ٤٤﴾ (غافر: 38 - 44). هذا بقية كلام مؤمن آل فرعون، فإنه أعاد عليهم النصح مرة أخرى، حينما رآهم يتمادون في كفرهم وبغيهم، ونادى قومه ثلاث مرات. في المرة الأولى، دعاهم في الآيات السابقة إلى قبول الدين الذي دعا إليه موسى على سبيل الإجمال، وفي المرتين الأخيرتين على سبيل التفضيل، فدعاهم إلى الإيمان بالله سبحانه طريق الرشاد، ثم حذّرهم من الاغترار بالدنيا، وحثّهم على العمل للآخرة لدوامها، وقارن بين دعوته إياهم إلى الإيمان بالله تعالى طريق النجاة، وبين دعوتهم إلى عبادة الأصنام طريق النار، ثم أخبر سبحانه عن وقايته وعصمته من السوء الذي دبّروه له، وإغراق آل فرعون، وإدخالهم في جهنم يوم القيامة (الزحيلي، 24/128). ١- قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ (غافر: ٣٨). فقد سبق فرعون أن قال لقومه: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾، وهنا يقول الرجل المؤمن للقوم أنفسهم: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾، وهذه المواجهة الصريحة منه لفرعون دليل على جرأته وشجاعته وحرصه على دعوته وتوكله على ربه لأنه لا يقف أمام فرعون هذه الموقف؛ ولا يتحداه هذا التحدي، إلا رجل عظيم الإيمان، كامل الاعتماد على الله، وعندما دعا القوم لاتباعه عرض الدعوة بلهجته المعهودة القائمة على الإشفاق والتحبب ﴿يَا قَوْمِ﴾. وفرق كبير بين قول فرعون لقومه: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾، وبين قول الرجل المؤمن لقومه: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾، والرجل صادق في قوله لقومه: ﴿اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾، بينما كان فرعون كاذباً في قوله: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ (الخالدي، 2/503). لقد افتتح الرجل المؤمن دعوته لقومه يلفت نظرهم إلى حقيقة تتعلق به شخصياً وهي أنه على حق، ويقف مع الحق، ويدعو للحق، وبالتالي فالانقياد له يعني المضي قدماً إلى طريق مستقيم، بعيداً عن مَوَاطِن الزلل والسقوط، وسعى الرجل المؤمن بهذا التركيز الشديد على قناعته الشخصية إلى استرعاء انتباههم؛ لعله يأتيهم بما تتوق إليه نفوسهم، كيف لا وكل منهم يرغب في اتباع الحق، ويتجنب قدر المستطاع طريق الغي والضلال، وفي الوقت الذي لاحظ فيه بوادر إقبال عليه؛ وإصغاء إلى ما عنده؛ أكمل حديثه (أحمد، ص 119)، وشرع في بيان دينه إلى قومه، فبعد الإجمال انتقل إلى التفصيل في: - ذم الدنيا وتصغير حالها. - تعظيم الآخرة والاطلاع على حقيقتها. - الموازنة بين دعوة موسى عليه السلام ودعوة فرعون (أحمد، ص 243)، وإليك تفصيل المجمل: ٢- قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: ٣٩[. وكلما بدأ بقوله: يا قوم! بدأ معنى جديداً، وله عنده أهمية، لأنه يلفت نظر قومه إليه، ويقترب منهم ليقتربوا من النصح الذي يسديه لهم، ولاحظ جملة: ﴿إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾، وكيف بدأت بكلمة ﴿إِنَّمَا﴾ التي تدل على أن ما دخلت عليه مما لا يجهله جاهل، ولا ينكره منكر، كأن هذا معنى شائع في الناس، المؤمن والكافر، لأن الكل يرى الكل وهو يموت، ويترك ما يترك من ثراء ونعمة، ولم يعد يتمتع بها، ثم إن اسم الإشارة هنا مهم جداً، لأنه يحدد ما يريد أن يحكم عليه بأنه متاع، ويميّزه أكمل تمييز، لأن الحكم عليها بأنها متاع يوجب أن تكون حاضرة حضوراً كأن العين تراها، لقوة تشبث الناس بها، مع العلم بأنها متاع، وهذا البناء يخالف بناء الجملة الثانية التي ليست معلومة علم الجملة الأولى، وهي: - ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾: ليس كل أحد يعلم ذلك، بل إن هذا مما نجد أكثر الناس لا يؤمنون به، وإن آمن به المصريون زمن الفراعنة، وأعدوا قبورهم إعداداً خاصاً لحياتهم الثانية، والمهم أن الرجل المؤمن أكّدها بأن ثم بالضمير ﴿هِيَ﴾، ثم جعلها داراً، أي موضع إقامة دائمة، ما دمت حيّاً، كدارك في الدنيا، وأنت هناك لا تموت، فهي دار الأبد، ثم أضافها إلى القرار والمستقر الذي لا يتبدل، ولا يتغير، وهذا تدقيق عجيب (أبو موسى، ص 497). أ- قال ابن كثير: ثم زهدهم في الدنيا التي قد آثروها على الآخر، وصدتهم عن التصديق برسول الله موسى عليه السلام فقال: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾، أي: قليلة زائلة فانية عن قريب، تذهب وتزول وتضمحل، ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ أي: الدار التي لا زوال لها، ولا انتقال منها، ولا مصير إلى غيرها، بل إما نعيم وإما جحيم (ابن كثير، 7/134). ب- قال السعدي: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾ يُتمتع بها، ويُتنعم قليلاً، ثم تنقطع وتضمحل، فلا تغرنكم وتخدعكم عما خلقتم له، ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ التي محل الإقامة، ومنزل السكون والاستقرار، فينبغي لكم أن تؤثروها، وتعملوا لها عملاً يسعدكم فيها (السعدي، 4/1550). ٣- قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (غافر: 40). أ- راجع النفي والاستثناء ودلالته القاطعة على أنه من عمل سيئة لا يزيد عقابه، ولا ينقص عن عمل السيئة، ووصف العقاب بأنه مثلها، يعني مماثلاً ومساوياً لها، ولا يجوز أن يزيد حبّة خردل عن هذا المثل، والمحظور أن تزيد في عقاب المذنب؛ وليس من المحظور أن تنقص، لأن الخطأ في العفو أفضل من الخطأ في العقوبة، وتأمل كيف يرسم لنا ربنا طريق الحياة الأفضل، ثم إن العقوبة تكون على من عمل هو سيئة، وليس على من عمل غيره، فلا يعاقب من كان عضواً في جماعة، ولو كان عضواً في عصابة، وإنما على القضاء أن يحدد ما عمله، ولا يعاقب إلا على عمله؛ لأن الله قال لنا: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (فاطر: 18). - ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (النجم: 39). - ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (الزلزلة: 8). فالمسؤولية فردية، ولا يؤخذ أحد بذنب أحد، وهذا كله دلالة كلمة ﴿مَنْ عَمِلَ﴾، فلا بد أن يكون عمل، ولا يعاقب على نيته، ثم يعاقب الذي عمل، وليس ولده، ولا أخاه، وأن هذا هو نظام خلافة الإنسان لله في الأرض، ثم راجع مرة ثانية كلمة ﴿عَمِلَ﴾ وأنها تنفي نفياً قاطعاً تلفيق التهمة لمن نرفضه، مهما كان بيننا وبينه من خصومة، وبعد هذا التحديد القاطع في كلام هذا المؤمن الذي يصدق قومه النصح قابل هذا بقوله: ب- ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: راجع وتأمل لتقف على شرف الكلام، واعلم أن من وقوفك على شرفه؛ أن تدرك خفايا معانيه: الأول: واو العطف التي تعطف عملاً صالحاً على عمل سيئ، وتجمع لك صورتين متقابلتين من أعمال البشر على هذه الأرض، هناك قال: «من عمل سيئة» بالتنكير، أي سيئة، قلّت أو كثُرت، وهنا قال من عمل صالحاً، أي صالح قلّ أو كثُر، وضع بإزاء هذا التنكير قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ٧ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ٨﴾ (الزلزلة: 7- 8)، وإنما قدم المؤمن عمل السيئة لأنه رأى قومه مغموسين في السيئة، فأراد أن يخلعهم منها، وقدّم ربنا مثقال ذرة خيراً لأن الخير يقدم لشرفه، ثم قال من ذكر أو أنثى إشارة بالمساواة في الثواب والعقاب بين الذكر والأنثى، ودفع الجميع لعمل الصالحات. وسكت عن النساء في عمل السيئة إكراماً لهن، لأن السيئة من النساء أسوأ، والكذب منهن أخطر، ثم ذكر الأصل الذي لا يعتد بالعمل الصالح إلا به؛ وهو الإيمان (أبو موسى، ص 499). - ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾: جملة حالية اسمية وبالواو، وكل ذلك يدل على أنه - وهو يزاول العمل الصالح - زاوله وهو في حال الإيمان، والتقرب إلى الله، وتخيل معي أن كل الشعب يزاول الأعمال التي تصلح بها البلاد، وهو يتقرب إلى الله بهذه المزاولة، وحينئذ تكون قوة هذه الجماعة في الحق، وليست في الباطل، ولن تكون طامعة في خيرات الشعوب، ولن تحوك المؤامرات والصراعات، وإنما تكون سالمة مسالمة، صالحة مصلحة، فيزداد بها الثراء والخير والبر والمرحمة بين العباد؛ المسلم وغير المسلم، هؤلاء الذين يزاولون العمل الصالح بهذه الروح التي تستحضر الذي بيده الأمر، جوابهم وجزاؤهم أنهم يدخلون الجنة، وهذه هي غاية الغايات، هي دار القرار (أبو موسى، ص 499). جـ- ﴿يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: وبُني يرزقون للمجهول، وأشار إلى أن الخير والرزق والعطاء يأتيهم من هنا ومن هنا، ثم ناهيك عن عطاء بغير حساب، من أكرم، من أعطى، جل وتقدس، وراجع دلالة اسم الإشارة الذي للبعيد: - في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ﴾: ودلالته على بعد محلهم، وبعد رتبتهم، ثم تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي، ودلالة ذلك على التوكيد ثم مجيء المضارع الذي يستحضر الصورة من الغيب البعيد. - في قوله: ﴿يَدْخُلُونَ﴾: وكأنك تراهم في عزّهم وعليائهم وكرامتهم وهم يدخلون، ثم مجيء المضارع مرة ثانية: د- قوله: ﴿يُرْزَقُونَ﴾: وهو رأس الجملة الحالية، وكيف كان الدخول مقترناً بحال الرزق بغير حساب، والأصل أن يكون الرزق بعد الدخول، وإنما هي المبادرة بتكريم الواحد الأحد لكرام عباده الذين فعلوا الصالحات، وهم مؤمنون، وراجع مرة ثانية كلمة «من الصالحات»، واحذر أن تخصّها بالصلاة والزكاة والذكر، لأن الله أطلقها وهي كل ما تصلح به حياة الناس؛ سواء في مصانعهم أو مدارسهم أو إعداد قوتهم، أو ما يحتاجون إليه من أي علم في الطب أو الهندسة أو الرياضة، أو ما شئت، لأن القاعدة الفقهية هي أن كل علم تحتاجه الأمة فهو من علوم الإسلام، وأن الطبيب الذي له فقه في طبّه أفضل من الفقيه الذي ليس له فقه في فقهه (أبو موسى، ص 500). قال السعدي -رحمه الله-: - ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً﴾: من شرك أو فسوق أو عصيان. - ﴿فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾: أي لا يجازى إلا بما يسوؤه ويحزنه بقدر إساءته، وما تستحقه، لأن جزاء السيئة السوء. - ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾: من أعمال القلوب والجوارح وأقوال اللسان. - ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، أي: يعطون أجرهم بلا حد، ولا عدّ، بل يعطيهم الله ما لا تبلغه أعمالهم (السعدي، 4/1550). لقد لخص مؤمن آل فرعون دعوته الحكيمة في قوله: ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾؛ إنه دعاهم إلى إله واحد، تشهد آثاره في الوجود بوحدانيته، وتنطق بدائع صنعته بقدرته وتقديره، دعاهم ليغفر لهم، وهو القادر على أن يغفر لهم، وقرر من غير شك ولا ريبة أن هؤلاء الشركاء ليس لهم من الأمر شيء، وليس لهم شأن في دنيا ولا في آخرة، وأن المردّ لله وحده، وأن المسرفين المتجاوزين للحد في الادعاء سيكونون أهل النار (سيد قطب، 5/3083).
يبيّن القرآن الكريم أصول الإيمان التي يقوم عليها دين الإسلام، ويرسم للمؤمنين المنهج العقدي الصحيح الذي يجمع بين الإيمان بالله تعالى، والإيمان بجميع أنبيائه ورسله وكتبه دون تفريق أو تمييز. ومن الآيات الجامعة في بيان...
وصلت الأمَّة الإسلاميَّة في السَّنة العاشرة مرحلةً من النُّضج متقدِّمةً، وكان ذلك يقتضي لمساتٍ أخيرةً، فوسَّع (ﷺ) في العام التَّاسع، والعاشر من الهجرة دائرة التَّلقِّي المباشر، من خلال استقباله الوفود، ومن خلال رحلة الحجِّ، فأوجد...
يُبرز القرآن الكريم خطورة الجدال في آيات الله بغير علم أو حجة، لما في ذلك من انحراف عن طريق الحق وإصرار على الباطل رغم وضوح الدليل والحجة والبرهان. وذلك في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي...
يمثل مشهد خروج نبي الله نوح عليه السلام ومن معه من المؤمنين بعد الطوفان لحظة فارقة في تاريخ البشرية، إذ يؤذن ببدء مرحلة جديدة من مسيرة الإنسان على الأرض. وقد تجلى هذا المشهد في قوله...
كان من ضمن شهداء المسلمين في حرب اليمامة كثيرٌ من حفظة القرآن، وقد نتج عن ذلك أنْ قام أبو بكر رضي الله عنه ـ بمشورة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ـ بجمع القرآن، حيث...
الاستغفار من أعظم أبواب الرحمة والبركة التي دلّ عليها القرآن الكريم، وقد جعله الله سببًا لانفتاح أبواب الخيرات في الدنيا قبل الآخرة، وتبرز دعوة نوح عليه السلام لقومه نموذجًا واضحًا لارتباط التوبة بنزول الغيث، وزيادة...
قيامُ الليل في شهرِ رمضانَ المبارك عبادةٌ جليلة، تتجلّى فيها معاني الإيمان الصادق والخشوع والأنس بالله تعالى، وإذا كان قيام الليل مشروعًا في سائر العام، فإن له في رمضان خصوصيةً أعظم، إذ يجتمع فيه شرف...
الظلم من أخطر الآفات الأخلاقية والاجتماعية التي تهدد حقوق الأفراد واستقرار المجتمعات واستمرارية الأمم والحضارات، لما يترتب عليه من ضياع الحقوق وانتشار العدوان وتفكك العلاقات الإنسانية. وقد حذر الإسلام بشدة من الظلم بكافة صوره، وبيّن...
لقد شرع الله تعالى الصيام تزكيةً للنفوس، وتهذيبًا للأخلاق، وتطهيرًا للقلوب، وجعل شهر رمضان موسمًا عظيمًا لمراجعة الأعمال والأقوال، وإن حفظ اللسان من أجلِّ العبادات في شهر رمضان؛ لأن الصيام ليس مجرد امتناعٍ عن الطعام...
إن من نعم الله تعالى أن جعل بيوته في الأرض منارات لنور الهدى، ومهابطَ للسكينة والرحمة، ومواطنَ لذكره وشكره، وإن سيدنا محمد ﷺ قد أرشد أمته إلى تعظيم المساجد وعمارتها بالبنيان وبالذكر والعبادة فيها. فالمساجد...
شهر رمضان، شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النيران، فيه من الخيرات والبركات ما تتطلع إليه القلوب المؤمنة، فهذا الشهر المبارك ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو مدرسة إيمانية تربي القلب على دوام الصلة...
يبرز الإسلام مكانة العقل باعتباره أداة الفهم ووسيلة التكليف ومحور النهضة الإنسانية، وقد وجّه القرآن الكريم إلى إعمال النظر والتدبر والتثبت، وربط بين صفاء العقل وصحة الإيمان وسلامة المنهج. ومن خلال ضوابط شرعية واضحة تتشكل...