


عدد المقالات 117
لم تكن فلسطين في وجدان الشيخ مصطفى السباعي قضيةً عابرة، ولا شعارًا يُرفع في الخطب، بل كانت جرحًا حيًّا يسكن القلب، وعقيدةً تتحرك في الفكر، وميدانًا يتجسد فيه الإيمان عملًا وجهادًا. لقد حملها في دمه كما يحمل المؤمن رسالته، فكانت جزءًا من تكوينه العلمي والدعوي، ومحرّكًا أساسيًا لمسيرته في الحياة. نشأ السباعي في بيئةٍ علميةٍ أصيلة، تربّى فيها على معاني الدين والالتزام، فاجتمع له الفهم العميق للنصوص الشرعية مع الحسّ الحيّ بقضايا الأمة. ولم يلبث أن أدرك مبكرًا أن العلم إن لم يتحول إلى عمل، والدعوة إن لم تتصل بواقع الناس، فإنها تبقى ناقصة الأثر. ومن هنا جاءت فلسطين لتكون الميدان الذي تتجلى فيه هذه الرؤية؛ ميدانًا يجمع بين الكلمة والموقف، وبين الفكر والجهاد. وعندما اشتعلت الأحداث في فلسطين، لم يقف السباعي موقف المتفرج، بل كان من الذين بادروا إلى الفعل، فشارك في الجهاد إلى جانب المجاهدين، معبرًا عن فهمٍ عميقٍ لمعنى النصرة في الإسلام، حيث لا تنفصل العقيدة عن الواقع، ولا ينفصل العلم عن التضحية. لقد أدرك أن فلسطين ليست مجرد أرضٍ محتلة، بل رمزٌ لكرامة الأمة، ومقياسٌ لصدق انتمائها لدينها. ولم يكن جهاده مقتصرًا على الميدان العسكري، بل امتد إلى ميدان الفكر والتربية؛ إذ عمل على بناء وعيٍ إسلاميٍّ يربط الأجيال بقضيتها الكبرى، ويُنشئها على معاني المسؤولية والالتزام. فكان يكتب ويخطب ويعلّم، مؤكدًا أن تحرير الأرض يبدأ بتحرير الإنسان، وأن النصر لا يكون إلا بعودة الأمة إلى دينها وقيمها. وفي كتاباته وخطبه، كانت فلسطين حاضرةً بوصفها قضيةً مركزية، لا تقبل التهميش ولا التأجيل. وكان يرى أن معركتها ليست معركة شعبٍ وحده، بل معركة أمةٍ بأكملها، وأن التخاذل عنها ليس مجرد تقصيرٍ سياسي، بل خللٌ في الفهم والوعي والالتزام. ومن هنا دعا إلى وحدة الصف، وإحياء روح الجهاد، وبناء الإنسان المسلم القادر على حمل الأمانة. لقد جمع السباعي بين صفات العالم والمجاهد والمربّي، فكان نموذجًا فريدًا في زمانه؛ عالمًا لا ينعزل في كتبه، ومجاهدًا لا ينفصل عن فكره، ومصلحًا يرى في كل جهدٍ خطوةً نحو نهضة الأمة. ولذلك بقي أثره ممتدًا بعد وفاته، حيًّا في الفكر والحركة، وفي كل من تأثر بمنهجه وسار على دربه. إن صفحات جهاد مصطفى السباعي مع فلسطين ليست مجرد تاريخٍ يُروى، بل هي درسٌ متجددٌ في معنى الالتزام، ونموذجٌ يُحتذى في الجمع بين العلم والعمل، وبين الدعوة والجهاد. وفي زمنٍ كثرت فيه الشعارات وقلّ فيه الفعل، تبقى سيرته شاهدًا على أن الأمة لا تُبنى بالكلام وحده، بل بالرجال الذين يحملون قضاياها في دمائهم، ويترجمونها واقعًا حيًّا في حياتهم. المراجع • هكذا علمتني الحياة، مصطفى السباعي، 1962، دار الوراق، دمشق. • السيرة الذاتية للشيخ مصطفى السباعي، عدنان سعد الدين، 1990، دار القلم، دمشق. • مصطفى السباعي: الداعية المجاهد، محمد عمارة، 1998، دار الشروق، القاهرة. • الإخوان المسلمون في سوريا: دراسة تاريخية، محمود عبد الحليم، 1980، دار الدعوة، القاهرة. • أعلام من الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة، محمد أحمد الراشد، 2001، دار ابن كثير، دمشق. • دور العلماء في الجهاد الإسلامي المعاصر، يوسف القرضاوي، 2005، مكتبة وهبة، القاهرة. • فلسطين في فكر قادة الحركة الإسلامية، مجموعة باحثين، 2010، مركز الزيتونة للدراسات، بيروت.
أقام إبراهيم عليه السلام الحجة العقلية والشرعية على بطلان عبادة الأصنام، وكشف زيف المعتقدات التي أحاطها المشركون بهالة من القداسة، وذلك في قوله تعالى: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ...
يمثّل القاضي محمّد بن إسماعيل العمرانيّ واحداً من آخر كبار العلماء الذين حافظوا على المرجعيّة الدينيّة التقليديّة ذات الامتداد الاجتماعيّ الواسع في اليمن، وقد امتدّت حياته قرابة قرن من الزمن، شهدت الخلافة تحوّلات سياسيّة واجتماعيّة...
تميّزت شخصيّة الدكتور السباعيّ - رحمه الله -بصفات القادة الربّانيّين من قوّة الإيمان، والعلم الربّانيّ، وذكاء حادّ، وإخلاص لدينه، وصدق متناه، وجهاد بالمال والنفس والقلم، وكرم وسخاء، وزهد في المال والمناصب، وعزيمة قويّة، وعلوّ همّة،...
يُعتبر الشيخ السباعيّ بالنسبة لي من أوائل من فتح عيني وفكري على خطورة كتابة المستشرقين، وعن أثرهم الكبير في القافة العربيّة والإسلاميّة، وتحدّث عن خطورة العبوديّة الفكريّة، وعن أدوارها التي مررنا بها في مطلع نهضتنا...
كتب الشيخ الدكتور مصطفى السباعي (رحمه الله) كتاباً من أعظم الكتب في القرن الماضي في (السنة ومكانتها في التشريع)، وهو من الكتب التي شكلت لي مرجعية مهمة في الرد على الشبهات والأغاليط والأكاذيب التي نشرها...
ليست البدايات في حياة العظماء تفاصيل عابرة بل هي المفاتيح الحقيقية لفهم مساراتهم وآثارهم. وحين نقف عند التكوين المبكر للشيخ مصطفى السباعي فإننا نقرأ مرحلة تأسيسية صنعت عالماً عاملاً وداعية مجاهداً. فقد نشأ في بيئة...
شهد القرن العشرون نجوما ساطعة، وأقمارا هادية، وشموسا منيرة، وكواكب نيّرة من علماء الأمّة المصلحين الذين وقفوا بعلمهم وإيمانهم أمام العواصف العاتية في ذلك القرن الذي شهد تغيّرات جذريّة، وحروباً طاحنة، ومشاريع متصارعة على مستوى...
تجسّد وصية نبي الله يعقوب عليه السلام لأبنائه في سورة يوسف نموذجاً بديعاً للتوازن بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله، حيث جمع بين الحكمة البشرية والإيمان العميق بالقضاء والقدر، ففي قوله تعالى على لسان يعقوب...
تُعدّ غزوة تبوك من أبرز محطات التربية الإيمانية والإعداد العسكري في السيرة النبوية، إذ جسّدت نموذجاً عملياً لإعداد الجيل المؤمن القادر على تحمّل أعباء الرسالة. فقد خرج النبي ﷺ بجيش العسرة في ظروف شديدة القسوة...
تُعدّ غزوة حنين من الأحداث المفصلية في السيرة النبوية التي سجّلها القرآن الكريم لتبقى درسًا خالدًا للأمة عبر العصور، فقد كشفت هذه المعركة عن حقيقةٍ تربوية وإيمانية عميقة، وهي أن النصر لا يتحقق بكثرة العدد...
ملّةُ إبراهيم عليه السلام أساس رسالة التوحيد التي قامت عليها دعوة الأنبياء جميعًا، فهي الملة التي تدعو إلى إخلاص العبادة لله وحده ونبذ الشرك بكل صوره. وقد أكد القرآن الكريم مكانة هذه الملة وسموّها، مبينًا...
يبيّن القرآن الكريم أصول الإيمان التي يقوم عليها دين الإسلام، ويرسم للمؤمنين المنهج العقدي الصحيح الذي يجمع بين الإيمان بالله تعالى، والإيمان بجميع أنبيائه ورسله وكتبه دون تفريق أو تمييز. ومن الآيات الجامعة في بيان...