alsharq

د. علي محمد الصلابي

عدد المقالات 108

غزوة حنين .. درسٌ رباني في أسباب النصر وسننه

16 مارس 2026 , 11:13م

تُعدّ غزوة حنين من الأحداث المفصلية في السيرة النبوية التي سجّلها القرآن الكريم لتبقى درسًا خالدًا للأمة عبر العصور، فقد كشفت هذه المعركة عن حقيقةٍ تربوية وإيمانية عميقة، وهي أن النصر لا يتحقق بكثرة العدد والعدة بقدر ما يتحقق بالتوكل والاعتماد على الله والثبات على الإيمان. وقد صوّر القرآن الكريم مشاهد هذه الغزوة تصويرًا بليغًا؛ بدءًا من إعجاب المسلمين بكثرتهم، مرورًا بلحظة الاضطراب والهزيمة، ثم نزول السكينة الإلهية ونصر الله لعباده المؤمنين. ومن خلال هذه الآيات تتجلى معانٍ عظيمة في التربية الإيمانية، وتظهر سنن الله في النصر والهزيمة، لتبقى هذه القصة القرآنية مصدر هداية وعبرة للمؤمنين في كل زمان ومكان. قال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 25 - 27]. في الآيات السَّابقة تصويرٌ بيانيٌّ بديعٌ لحال المسلمين، فيه تنقُّلٌ بالسَّامع من صورةٍ إلى صورة: من صورة المسلمين؛ وهم معجبون بكثرتهم، مسرورون بها، إلى صورة فشلهم، وهزيمتهم مع هذه الكثرة، فلم تنفعهم، إلى صورة الخوف الَّذي أصابهم حتَّى لم تعد الأرض تسعهم، وأقفلت منافذها في وجوههم إلى الصُّورة الحسِّيَّة لهذا الفشل في الفرار، والنُّكوص، وتولية الأدبار حتَّى لم يبقَ حول النَّبي (ﷺ) إلا القليل، وبعد الخوف الشَّديد الَّذي أصاب المؤمنين في مبدأ لقائهم بأعدائهم في غزوة حنين يجيء نصر الله؛ الَّذي عبَّر عنه - سبحانه - بقوله: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾. السَّكينة: الطُّمأنينة، والرَّحمة، والأمنة، وهي من السُّكون، وهو ثبوت الشَّيء بعد التَّحرُّك، أو من السَّكن، وهو كل ما سكنَت إليه، واطمأنت به من أهلٍ، وغيرِهم (آل عابد، ص 2/598). وقوله تعالى ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾: قال القاسميُّ: أي: تسكنون، وتثبتون به من رحمته، ونصره، وانهزام الكفار، واطمئنان قلوبهم للكرِّ بعد الفرِّ، وقوله: ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ﴾ قال الطبري: أي: وعذَّب الذين كفروا بالقتل، والسَّبي، والأسر، وذلك هو جزاء الكافرين في الدُّنيا ما داموا يستحبُّون الكفر على الإيمان، ويعادون أهله، ويقاتلونهم عليه. ثمَّ قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، أي: ويتوب الله من بعد هذا التَّعذيب على من يشاء من المشركين بأن يوفقهم للدُّخول في الإسلام، والله غفورٌ رحيمٌ لمن تاب، وآمن، فرحمتُه وسعت كلَّ شيءٍ (المراغي، ص 4/87). قال سيِّد قطب في كتابه (ظلال القرآن): «فبابُ المغفرة دائماً مفتوحٌ لمن يخطئ، ثمَّ يتوب، إنَّ معركة حُنين الَّتي يذكرها السِّياق هنا ليعرض نتائج الانشغال عن الله، والاعتماد على قوَّةٍ غير قوَّته لَـتَكْشِفُ لنا حقيقةً أخرى ضمنيَّةً، حقيقة القوى الَّتي تعتمد عليها كلُّ عقيدة. إنَّ الكثرة العدديَّة ليست بشيءٍ، إنَّما هي القلَّة العارفة، المتَّصلة، الثَّابتة، المتجرِّدة للعقيدة، ..... لقد قامت كلُّ عقيدةٍ بالصَّفوة المختارة، لا بالزَّبد الَّذي يذهب جُفاءً، ولا بالهشيم الَّذي تذروه الرِّياح». إنَّ غزوة حنين سُجِّلت في القرآن الكريم؛ لكي تبقى درساً للأمَّة في كلِّ زمانٍ، ومكان، ولقد عُرِضَتْ في القرآن الكريم على منهجيَّة ربانيَّة كان من أهم معالمها الآتي: أ - بيَّن القرآن الكريم أن المسلمين أصابهم الإعجاب بكثرة عددهم. قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾، ثم بيَّن القرآن أنَّ هذه الكثرة لا تفيد ﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾. ب - بيَّن القرآن الكريم: أنَّ المسلمين انهزموا، وهربوا ما عدا النَّبيِّ (ﷺ)، ونفرٌ يسيرٌ من أصحابه. قال تعالى: ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾. ج - بيَّن القرآن الكريم: أنَّ الله نصر رسوله (ﷺ) في هذه المعركة، وأكرمه بإنزال السَّكينة عليه، وعلى المؤمنين. فقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. د - بيَّن القرآن الكريم: أنَّ الله أمدَّ نبيَّه محمَّداً (ﷺ) بالملائكة في حنين. قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾. وأكَّد - سبحانه - على أنَّه يقبل التَّوبة من عباده، ويوفِّق مَنْ شاء إليها. قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. المراجع: 1. آل عابد، محمد بكر، حديث القرآن عن غزوات الرَّسول (ﷺ)، دار الغرب الإسلاميِّ، الطَّبعة الأولى. 1. المراغي، أحمد مصطفى، تفسير المراغي ، طبع دار الفكر - بيروت، الطَّبعة الثالثة، 1394 هـ. 2. الصلابي، علي محمد، (2021)، السيرة النبوية، ج 2، ط11، دار ابن كثير، 2021، ص 444-446.

غزوة تبوك .. مدرسة في الإعداد النفسي والتربية القيادية

تُعدّ غزوة تبوك من أبرز محطات التربية الإيمانية والإعداد العسكري في السيرة النبوية، إذ جسّدت نموذجاً عملياً لإعداد الجيل المؤمن القادر على تحمّل أعباء الرسالة. فقد خرج النبي ﷺ بجيش العسرة في ظروف شديدة القسوة...

«ملّة إبراهيم».. طريق التوحيد الخالص وأساس دعوة الأنبياء

ملّةُ إبراهيم عليه السلام أساس رسالة التوحيد التي قامت عليها دعوة الأنبياء جميعًا، فهي الملة التي تدعو إلى إخلاص العبادة لله وحده ونبذ الشرك بكل صوره. وقد أكد القرآن الكريم مكانة هذه الملة وسموّها، مبينًا...

تأملات تفسيرية في سورة البقرة.. الرسالات السماوية ووحدة المصدر والعقيدة

يبيّن القرآن الكريم أصول الإيمان التي يقوم عليها دين الإسلام، ويرسم للمؤمنين المنهج العقدي الصحيح الذي يجمع بين الإيمان بالله تعالى، والإيمان بجميع أنبيائه ورسله وكتبه دون تفريق أو تمييز. ومن الآيات الجامعة في بيان...

سبيل الرشاد في دعوة مؤمن آل فرعون لقومه

عرضت آيات سورة غافر جانبًا مضيئًا من قصة مؤمن آل فرعون، فأبرزت قوة الإيمان حين يقف في وجه الباطل، وصدق النصيحة حين تصدر من قلب مشفق على قومه. ويكشف المقال عن منهجه الحكيم في الدعوة،...

معالم تربية الفرد والمجتمع المسلم في خطبة حجّة الوداع

وصلت الأمَّة الإسلاميَّة في السَّنة العاشرة مرحلةً من النُّضج متقدِّمةً، وكان ذلك يقتضي لمساتٍ أخيرةً، فوسَّع (ﷺ) في العام التَّاسع، والعاشر من الهجرة دائرة التَّلقِّي المباشر، من خلال استقباله الوفود، ومن خلال رحلة الحجِّ، فأوجد...

التكبر عن الحق وأثره في حجب القلوب عن الهداية

يُبرز القرآن الكريم خطورة الجدال في آيات الله بغير علم أو حجة، لما في ذلك من انحراف عن طريق الحق وإصرار على الباطل رغم وضوح الدليل والحجة والبرهان. وذلك في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي...

الانطلاق الحضاري بعد الطوفان.. الأسس الإيمانية والمرتكزات الإنسانية

يمثل مشهد خروج نبي الله نوح عليه السلام ومن معه من المؤمنين بعد الطوفان لحظة فارقة في تاريخ البشرية، إذ يؤذن ببدء مرحلة جديدة من مسيرة الإنسان على الأرض. وقد تجلى هذا المشهد في قوله...

من سمات التجربة الشورية في عهد الصديق رضي الله عنه

كان من ضمن شهداء المسلمين في حرب اليمامة كثيرٌ من حفظة القرآن، وقد نتج عن ذلك أنْ قام أبو بكر رضي الله عنه ـ بمشورة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ـ بجمع القرآن، حيث...

فضائل الاستغفار في دعوة نوح عليه السلام لقومه

الاستغفار من أعظم أبواب الرحمة والبركة التي دلّ عليها القرآن الكريم، وقد جعله الله سببًا لانفتاح أبواب الخيرات في الدنيا قبل الآخرة، وتبرز دعوة نوح عليه السلام لقومه نموذجًا واضحًا لارتباط التوبة بنزول الغيث، وزيادة...

فضل القيام في شهر الصيام

قيامُ الليل في شهرِ رمضانَ المبارك عبادةٌ جليلة، تتجلّى فيها معاني الإيمان الصادق والخشوع والأنس بالله تعالى، وإذا كان قيام الليل مشروعًا في سائر العام، فإن له في رمضان خصوصيةً أعظم، إذ يجتمع فيه شرف...

الظلم وأثره في خراب المجتمعات وهلاك الأمم

الظلم من أخطر الآفات الأخلاقية والاجتماعية التي تهدد حقوق الأفراد واستقرار المجتمعات واستمرارية الأمم والحضارات، لما يترتب عليه من ضياع الحقوق وانتشار العدوان وتفكك العلاقات الإنسانية. وقد حذر الإسلام بشدة من الظلم بكافة صوره، وبيّن...

أهمية حفظ اللسان في شهر رمضان المبارك

لقد شرع الله تعالى الصيام تزكيةً للنفوس، وتهذيبًا للأخلاق، وتطهيرًا للقلوب، وجعل شهر رمضان موسمًا عظيمًا لمراجعة الأعمال والأقوال، وإن حفظ اللسان من أجلِّ العبادات في شهر رمضان؛ لأن الصيام ليس مجرد امتناعٍ عن الطعام...