


عدد المقالات 307
يدور نقاش في الغرب حول مسألة «تغيير الأنظمة»، فهناك من يعتبر أنها «نظرية سقطت» بالاستناد إلى التجربة العراقية، وهناك من ينعاها قائلاً: إنها لم تعد قابلة للطرح مبدئياً ولا للاستخدام عملياً بالاستناد إلى ما يرونه من تقتيل وذبح على أيدي تنظيم «داعش» بلا أيّ وازع ديني ولا رادع إنساني- أخلاقي. وكان نقاش مماثل احتدم عشية الغزو والاحتلال الأميركيين للعراق وحفل بكل أنواع التساؤلات عن «أخلاقية» الغزو و«شرعيته» فضلاً عن شرعية أهدافه المعلنة، أي إسقاط نظام صدام حسين، تحديداً للتخلص من أسلحة الدمار الشامل التي تبيّن -قبل الغزو- أنها غير موجودة، كما تبين -قبل الغزو أيضاً- أن العلاقة بين ذاك النظام وتنظيم «القاعدة» لم تكن مثبتة ومؤكدة. بديهي أن دوافع النقاش الحالي تتمحور خصوصاً على تحليل السياسة الأميركية وما إذا كانت في صدد التخلي عن هذا النمط في تغيير الأنظمة، وقد كان متّبعاً مع إصرار وتصميم في عهد الحرب الباردة، وساد اعتقاد بعد سقوط المنظومة الاشتراكية أنه طُوي لمصلحة التغيير الذي تقوم به الشعوب ومن أجل إرساء الديمقراطية حيثما تبدو ممكنة ومتاحة. كان ذلك ينطبق على شعوب أوروبا الشرقية التي سجّلت نجاحات متفاوتة في هذا السبيل، بحسب قدرتها على التحرر من وطأة الهيمنة أو التغلغل الروسيين، وكذلك بحسب استعداد موسكو للاكتفاء بـ «علاقات طبيعية» مع البلدان التابعة سابقاً وبالتالي لتركها تقرر مصيرها وترسم مستقبلها بنفسها. غير أن هذا النمط لم يبدو ممكناً ومتاحاً بيسرٍ وسلاسة في البلدان العربية التي بنت أنظمتها على النسق السوفيتي وفي ظل علاقة وثيقة مع موسكو، أو أنها عمدت إلى تقليد الشمولية السوفيتية كونها تخدم مبدأ دوام النظام وتسوغ له أسوأ أنواع البطش واستخدام القوة لتصفية المعارضين أو إخضاعهم. ثمة من وجد مفارقة «مستغربة» بل تناقضاً في تطبيقات السياسة الأميركية، أقلّه بين الإدارتين الأخيرتين برئاسة جورج بوش الابن ثم باراك أوباما، فالأول ذهب إلى العراق في سياق «الحرب على الإرهاب» التي نال فيها تأييد الرأي العام الأميركي المتعطش آنذاك للثأر من هجمات 11 سبتمبر الإرهابية، ولم يجد في غزو أفغانستان ما يشفي غليله، والثاني أعلن نهاية تلك الحرب على الإرهاب وانسحب من العراق ويتأهب للانسحاب من أفغانستان. ظاهرياً، فعل بوش ما بدا له ضرورياً لمصلحة أميركا وأنهى عهده تحت وابل انتقادات لتورّطه في العراق. ظاهرياً أيضاً، اعتبر أوباما أن مصلحة أميركا في أن يخصص مهمته في البيت الأبيض لتنظيف آثار التدخلات البوشية في الخارج، ورغم تأييد الرأي العام له في عدم التدخل فإنه ينهي عهده كذلك وسط انتقادات لتهاونه وتخاذله، فهو لم يشأ أن يتورّط لكنه لم يُحسن إدارة عدم تورّطه. ففي الحالين «المتناقضتين» كان الرئيسان يقومان بما يصون مصالح أميركا، وفي الحالين كانت النتائج كارثية. من هنا أن النقاش حول «أخطاء» نظرية «تغيير الأنظمة» يبقى غير واضح الأهداف؛ ذاك أن آراء قليلة ركّزت على أن الفشل في التغيير يعكس خللاً أساسياً في الخطط المعدّة لتحقيقه. وإذا كان مفهوماً أن تقوم أي عملية على مصلحة أميركية ما إلا أن اقتصارها فقط على هذه المصلحة يحمل في طياته بذور فشلها. ومنذ غداة غزو العراق بدأت كتابات أميركية عميقة المصادر تعبّر عن غضب واستياء من عدم وجود «خطة» لـ «اليوم التالي»، ومن غلبة التعجل بالغزو لمجرد أنه كان ممكناً بخسائر محدودة. وما لم تقله تلك الكتابات، بما فيها روايات أسهم فيها مسؤولون في استعادة فترة الإعداد للغزو، هو أن كل الخطط لم تضع «مصلحة» الشعب العراقي في منزلة متقدّمة؛ إذ كانت له مصلحة في طيّ صفحة النظام البعثي لكن كانت له بالتأكيد مصلحة في أن يكون له مستقبل أفضل بعد صدام حسين. ومن الواضح أن محاولات إصلاح خطأ الغزو المرتجل بأخطاء هو ما أدّى عملياً إلى: 1- إحياء الانقسام الطائفي والمذهبي بكل وحوشه وشياطينه. 2- تسليط فئة على فئة والتغاضي عن آلاف الثارات التي ارتكبت ضد أشخاص غير ملطخة أيديهم بالدم. 3- تفريغ الدولة ومؤسساتها من الكوادر ذات الخبرة وتعويضهم بموالين ومحاسيب. 4- فرض دستور يميّز مكوّنات على حساب مكوّنات أخرى. 5- استشراء جماعات الإرهاب التي صمم الأميركيون في البداية على مواجهتها ثم اكتفوا بحصرها (عن طريق الصحوات السنّية). 6- ازدياد تغوّل الجناح الإيراني في الحكم العراقي وتفاقم الخلاف بينه وبين الكرد والسنّة (من دون أن تستخدم واشنطن «التفاهم» بينها وبين طهران أقلّه لـ «عقلنة» حكومة نوري المالكي أو حتى لجعل إيران أكثر التزاماً ببناء دولة لكل مواطنيها في العراق). الجانب الآخر المثير للشكوك في نقاش «تغيير الأنظمة» أنه كانت لدول الغرب وبالأخص الولايات المتحدة أدوار في «ربيع» تونس ومصر واليمن وليبيا، سواء بعد انطلاق كلٍّ منها أو في أثنائه أو بعد انتهاء موجته الأولى، وحاولت الإيحاء بأنها تلقت «رسائل» الشعوب وتريد أن تحقق ما فيها من طموحات وتطلعات. لكنها، للأسف، استثنت منذ البداية الشعب السوري ولم تلبِّ استغاثاته الأولى لحمايته من العنف المفرط والوحشي الذي اتّبعه النظام، ولا دعواته إلى تسليح المعارضة للدفاع عن مناطقها، ولا نداءاته أخيراً لتمكين المعارضة من صد توسع «داعش» وهجماته الضارية. كان التفسير المعطى لهذا الاستثناء أن إسرائيل تفضّل النظام لأنه ينفّذ طموحاتها في سوريا فانتصرت مصلحة إسرائيل (وأميركا) على مصلحة الشعب السوري. وإذا كانت السلبية الأميركية واضحة بالنسبة إلى سوريا، إلا أنها كانت متفاوتة الغموض في الدول الأخرى المتحوّلة. والأهم أن الموقف الأميركي من «داعش» يثير ارتياب العديد من الأجهزة الأمنية، فمن جهة تقول واشنطن علناً إنها تريد القضاء على الإرهاب، وفي المقابل تعتبر أن وجود بيئة استقطاب للإرهاب في سوريا والعراق ليس بالأمر السيئ بالنسبة إلى أميركا ودول الغرب.
لفت المبعوث الأممي السابق إلى ليبيا غسان سلامة، بعد صمت أربعة أشهر منذ استقالته، إلى أن هذه الاستقالة كانت قراراً متأخراً. هو لم يقل ذلك، لكن تركيزه على الإحباط الذي سبّبه هجوم خليفة حفتر على...
في جلسة مجلس الأمن، الأربعاء الماضي، قيل الكلام الأخطر والأسوأ للتحذير من جريمة إسرائيلية يجري ارتكابها علناً. إذا كان هذا المجلس بمثابة مرجع «قضائي»، باعتبار أن الشعوب تشكو إليه ما تعتبره مظلمة تقع بها، أو...
هل كانت شهادة جون بولتون لتغيّر كثيراً في محاولة تنحية دونالد ترمب؟ يحاول مستشار الأمن القومي السابق الإجابة في مذكراته عن الفترة التي أمضاها في المنصب، المفارقة من جهة أن بولتون يصف رئيسه بأنه غير...
فجأة تحوّلت التماثيل والنصب التذكارية من معالم تاريخية ومفاخر تاريخية وجواذب سياحية، إلى رموز خزي وعار وموضع إدانة ومساءلة، أصبحت آيلة للإزالة ليس من أمام الأنظار فحسب، بل أيضاً من الذاكرة والسجلات، وحتى من التعليم...
لم يخطئ دونالد ترمب أبداً بالنسبة إلى معاييره الشخصية، حتى في مقاربته لواقعة مصوّرة، مثل قتل الشرطي الأبيض ديريك شوفين المواطن الأسود جورج فلويد؛ إذ أذهل الرئيس الأميركي مواطنيه جميعاً بتعامله الفظّ مع ردود الفعل...
ما يظهر على السطح رفضٌ واستنكارٌ دولي لعملية ضم إسرائيل 30 % من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية. ما يحدث تحت السطح أن حكومة الائتلاف اليميني باشرت إجراءات الضمّ هذه على الأرض، ولا تنتظر الموعد...
وسط عشرات المسلسلات الدرامية في الموسم الرمضاني، وسوادها الأعظم رديء، كان من الطبيعي أن يبرز واحدٌ من خارج السباق، ومن الواقع المعاش لا من قصص متخيّلة أو مقتبسة. أُعطي أسماء عدة، لكن أفضلها كان «صراع...
لكي يخرق وزير الخارجية الأميركي الحظر «الكوروني» ويسافر إلى إسرائيل، ذهاباً وإياباً من دون توقّف، لا بدّ أن ثمّة شديداً قوياً يتطلّب ضبطاً، رغم أن طبيعة العلاقة بين إدارة دونالد ترمب وبنيامين نتنياهو لا تعاني...
مع رئيس الوزراء الجديد يفتح العراق صفحة غير مسبوقة، منذ سقوط النظام السابق، ذاك أن مصطفى الكاظمي لا ينتمي إلى أي حزب عقائدي ديني، كما كان أسلافه إبراهيم الجعفري، ونوري المالكي، وحيدر العبادي، وعادل عبد...
السؤال مطروح غرباً وشرقاً، سواء باسترشاد ما يُعتقد أن مكافحة الصين لوباء «كورونا» كانت نمطاً نموذجياً لم يتمكّن العالم الغربي من اتباعه، ولذا فقد تبوأ المراتب الأولى في أعداد الإصابات والوفيات، أو ما يمكن أن...
ملامح كثيرة للتغييرات المقبلة بدأت تتراءى أمام العيون وفي المخيّلات وفي دروس المحنة الفيروسية على كل المستويات الفردية والجماعية، بغضّ النظر عما إذا عانى الشخص أو لم يعانِ فقداً في عائلته أو صداقاته، وعن مدى...
لن تختلف تقديرات الخسائر كثيراً في حال «كورونا» عما هي في أي حرب عالمية. ولا يمكن توجيه اللوم لجهة أو لأحد بالنسبة إلى الوباء، رغم أن الانفعالات اندفعت هنا وهناك إلى مزالق سياسية وعنصرية شتّى،...