حوار الطرشان!!
18 يوليو 2015 , 01:20ص
«إنه زواج كاثوليكي»، هذا هو التوصيف الذي استخدمه وزير الخارجية المصري السابق نبيل فهمي للعلاقة بين بلاده والولايات المتحدة الأميركية أثناء زيارته للعاصمة واشنطن ولقائه مع جون كيري وزير الخارجية. يومها طلب الوزير المصري بشكل واضح وفي مؤتمر صحافي عودة الحوار الاستراتيجي بين البلدين، الذي انقطع منذ سنوات طويلة، ووافقه جون كيري الرأي، واستمر الحال على ما هو عليه دون أي خطوة ملموسة باتجاه التنفيذ، حتى أيام ماضية، عندما تم الإعلان عن الموعد الجديد يومي 28 و29 من هذا الشهر، في اتصال هاتفي بين الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، والوزير الأميركي، والذي بدوره بحث آليات التنفيذ وأجندة الاجتماع مع نظيره سامح شكري، مما يعني أننا أمام «شهر عسل» جديد بين القاهرة وواشنطن.
يجسد ذلك «الزواج الكاثوليكي»، الذي سبق أن تحدث عنه الوزير نبيل فهمي، دون أن يعني أن هذا التأخير في الرد أو الاتفاق على موعد له مدلولات تتعلق بممانعة أميركية، أو تحفظ واشنطن، ويمكن أن يكون من أدوات ممارسة الضغوط على القاهرة من أجل ملفات إقليمية، دون أن يتعلق الأمر بأي تطورات داخلية، بعيدا عن الأفكار المعلبة، والدعاية الساذجة التي يحاول البعض الترويج لها، ولا تنفيها السلطة الحاكمة، من نوعية دعم الإدارة الأميركية للإخوان المسلمين أو تآمر واشنطن ومعارضتها الشديدة لنظام ما بعد 3 يوليو 2013، ولعل دارسي السياسة الخارجية لواشنطن يدركون وبسهولة أنها لم تكن في يوم من الأيام راعية للحقوق والحريات، إلا فيما يتعلق بمصالحها، ولم تكن داعمة لأي حاكم سوى لحلفائها فقط.
وفكرة الحوار الاستراتيجي هي آلية تتبعها الإدارة الأميركية مع الدول المهمة استراتيجيا وأمنيا لها، مثل الصين والهند والبرازيل ودول أخرى، وبالنسبة لمصر فقد كانت البداية في واشنطن بين وزيري الخارجية المصري والأميركي عمرو موسى ومادلين أولبرايت، واتفق الجانبان على أن يتحول الحوار إلى عمل مؤسسي مستمر، وأن يتم توسيع العلاقات من إطارها الثنائي لتشمل تبادل الرؤى والتنسيق حول قضايا المنطقة العربية، وإفريقيا والعالم الإسلامي، وهي دوائر كانت تنشط فيها الدبلوماسية المصرية، وبالفعل انعقدت جلسات الحوار الاستراتيجي لثلاث مرات، الأخيرة كانت في العام 1999، ومنذ وصول بوش الابن إلى السلطة، مع صياغة إدارته لرؤية جديدة للأمن القومي الأميركي، والسياسية الخارجية لواشنطن، والتي تم الإعلان عنها في سبتمبر 2002، بعد عام من استهداف برج التجارة العالمي، والتي تعتبر أن الشأن الداخلي لأي دولة، لا يمثل أمرا خاصا بها وحدها، طالما يؤثر على الأمن القومي الأميركي، مما زاد من حجم التدخل الأميركي في الشأن الداخلي المصري، وتسبب ذلك في فتور في العلاقات، وزيادة المطبات في طريقها، وقد استردت بعض الزخم المفقود مع تولي أوباما السلطة.
لقد كانت هناك مؤشرات عديدة على عودة العلاقات بين القاهرة وواشنطن إلى سابق عهدها، بعد ما شهدته من حالة عدم استقرار طوال السنوات الأربع الماضية نتيجة حجم المتغيرات الكبير الذي شهدته مصر بعد ثورات الربيع العربي، التي اجتاحت المنطقة وفي القلب منها مصر، في ظل تعاقب لأنظمة كلها متناقضة بصورة جذرية، سواء كان المجلس العسكري، أو الرئيس محمد مرسي، أو الرئيس الانتقالي، وصولًا إلى عبدالفتاح السيسي، مع عدم وضوح الرؤية الأميركية تجاه ما حدث في 3 يوليو 2013، هل هي ثورة شعبية دعمها الجيش؟ أم هي عودة من جديد لنموذج كلاسيكي لانقلابات دول العالم الثالث، والتي انتهت منذ سبعينيات القرن الماضي، وتباين حول تلك القضية في دوائر صنع القرار في واشنطن بين جهات منحازة إلى التحليل الأول، ومنها وزارة الخارجية والدفاع وبين أخرى مثل البيت الأبيض وبعض أعضاء الكونجرس تدعو إلى الحذر والتأني، وفرملة العلاقات إلى حينٍ، خاصة مع تراجع كبير في ملف حقوق الإنسان في مصر، وسط حملة إعلامية ملحوظة من جهات ليست بعيدة عن مؤسسات الدولة المصرية، تتحدث عن قضايا مثل تبني واشنطن لحكم الإخوان المسلمين، وتعويلهم على أن تقود مصر تحت رئاسة محمد مرسي وجماعة الإخوان مسيرة التغيير في المنطقة، ناهيك عن داعية تثير السخرية مثل انتماء أوباما شخصيا، أو أخ له إلى التنظيم الدولي للإخوان.
وقادت الخارجية الأميركية من خلال الزيارات المكوكية لجون كيري إلى القاهرة التغيير المهم في العلاقات، مضافًا إلى ذلك البنتاجون الذي استثمر كثيرًا في القوات المسلحة المصرية، من خلال حجم مساعدات وصل إلى 71 مليار دولار منذ العام 1984، معظمها ذات طابع عسكري، وأصبح أكثر من 60 بالمائة من تسليح الجيش المصري أميركيا، ناهيك عن البعثات الدراسية لكبار الضباط، وعمليات تزويد مصر بقطع الغيار، وإجراء عمرات لأنظمة التسليح الرئيسية، وكان من الصعب إهدار ذلك الاستثمار تحت أي ظرف، وبعد كل تلك السنوات، وأصبحت العلاقات تسير في اتجاهين: الأول الحرص على الإبقاء على العلاقات على مستواها المعهود، خاصة في ظل حالة عدم الاستقرار في المنطقة، التي تعيش أزمات غير مسبوقة، مثل الأوضاع في ليبيا وسوريا والعراق واليمن، ناهيك عن القضية الفلسطينية. أما المسار الثاني الذي لم يؤثر بالسلب على الأول فهو الخاص بملف حقوق الإنسان، والذي يبدو أنه نوع من أنواع «إبراء الذمة» من الإدارة الأميركية، والتي قدمت تقريرًا للكونجرس في مايو الماضي، أشار فيه إلى أن مصر تبتعد عن الديمقراطية، وتخنق حرية التعبير، وتعتقل الآلاف من المعارضين من كل الاتجاهات، وتتخذ إجراءات وقوانين جديدة تحد من حرية تكوين منظمات المجتمع المدني، وهو نفس ما سار عليه تقرير وزارة الخارجية الأميركي السنوي، والذي صدر في الأسبوع الأخير من الشهر الماضي، الذي حمل معظم الانتقادات السابقة، وردت عليه الخارجية المصرية بعنف، مؤكدة أنه تشويه للحقائق، وحمل الكثير من المغالطات والمبالغات، واستقى معلوماته من منظمات غير حكومية، تفتقر إلى الدقة والموضوعية والمصداقية.
وتؤكد الشواهد أن واشنطن يهمها في المقام الأول الحفاظ على مصالحها في المنطقة، ولهذا فقد تراجعت عن كل القرارات التي اتخذتها بعد أحداث 3 يوليو 2013، حيث تم في أبريل الماضي ومن خلال اتصال هاتفي بين أوباما والسيسي إبلاغ الأخير، بإنهاء تجميد المساعدات العسكرية لمصر، والبدء في تسليمها أعدادا من طائرات أف 16 والأباتشي وصواريخ هاربوون وقطع غيار دبابات من طراز أم 1، مع استئناف المساعدات العسكرية من خلال آلية جديدة تبدأ من 2018 بإنهاء السماح بشراء الأسلحة بالائتمان، مما يحد من قدرات مصر في اختيار نوعيات الأسلحة المطلوبة، ومن المهم هنا أن نشير أنه رغم كل تلك المتغيرات فإن الحوار بين البلدين سيتحول إلى «حوار طرشان» للعديد من الأسباب، في المقدمة منها أن كلا من القاهرة وواشنطن فقدتا قدرتهما على التأثير في قضايا المنطقة، بداية من الوضع الليبي أو السوري، أو حتى الوضع في اليمن، كما أن الملف الفلسطيني معلّق منذ أشهر طويلة، ولن يبقى أمام البلدين سوى الاهتمام بما يخصهما من علاقات فقط.
usama.agag@yahoo.com •