alsharq

أحمد حسن الشرقاوي

عدد المقالات 198

الهندسة «الفراغية» للبلدان «العربية»!

17 أكتوبر 2015 , 01:14ص

هل تجري في منطقتنا أكبر عملية هندسة دولية للفراغ السياسي الناجم عن التشتت والتمزق العربي؟ قد تبدو الإجابة سهلة. وقد يسارع البعض لامتطاء صهوة «نظرية المؤامرة» ليقفز إلى إجابة سريعة، وقد يتحفظ البعض، وربما لا يدرك البعض الآخر مغزى السؤال، ويلتحف برداء عدم الرغبة في المعرفة ودفن الرؤوس في الرمال. لكنني أعتقد أن اجتراح الأسئلة مفيد للفهم الذي يتأسس عليه العمل. العلوم الاجتماعية مثل «علم السياسة» أو علم النفس أو علم الاجتماع تطمح دائما للتحول إلى علوم «معيارية» مثل الكيمياء والهندسة والرياضيات وغيرها. وفي العلوم الاجتماعية لا يمكن قياس الظواهر أو النظريات أو التحركات والأفعال بناء على أسس معيارية كمية كما في العلوم المعيارية الأخرى. أساتذتنا في قسم العلوم السياسية بجامعة القاهرة في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي كانوا «يتألمون» كثيرا جراء كون «السياسة» علما «نظريا» وليس «معياريا»، وكانوا يشجعون طلبتهم، خصوصا طلاب الدراسات العليا في الماجستير والدكتوراه على تقديم أبحاث من شأنها الاقتراب بعلم السياسة «النظري» من العلوم «التجريبية المعيارية». كان أستاذنا الراحل الدكتور حامد ربيع من أكثر الأساتذة الذين يلحون علينا كطلبة ودارسين للاقتراب من الظاهرة السياسية بمنظور «العلوم المعيارية»، وأزعم أن سلسلة مؤلفاته عن «نظرية الأمن القومي العربي» هي أكثر الكتابات السياسية في اللغة العربية التي دمجت مفاهيم ونظريات العلوم المعيارية مع علوم السياسة والأمن. لكن بداية، ما المقصود بـ»الهندسة الفراغية»؟! هي علم دراسة الفراغ والمقدار، وهي تهتم بموضع وشكل ومساحة وحجم الأشكال والمجسمات. أصل كلمة الهندسة (geometry) يتكون من مقطعين في اللغة اللاتينية القديمة التي اشتقت منها كل اللغات الأوروبية الحديثة. هذان المقطعان هما (geo) وتعني الأرض، و(mertry) وتعني قياس. إذن كلمة geometry أو الهندسة معناها (قياس الأرض). وتساعد الهندسة الفراغية الطلاب على تحسين طريقة تفكيرهم، وتساعدهم على ربط الحقائق واستنباط النتائج، وتكسبهم أساليب التفكير السليمة مثل: التفكير التأملي، التفكير العلاقي (إيجاد واستنباط علاقات بين الأشياء)، كما أنها تقوم بتنمية التفكير الناقد للطلاب، وتنمي لديهم ملكة إدراك خواص الأشكال والمجسمات ومعرفة الخواص المناسبة والعلاقات الداخلة في المجسمات البسيطة الشائعة، وتنمي لديهم كذلك الإدراك الفراغي والقدرة على رؤية الأشكال في الفراغ ثلاثي الأبعاد. ومن خلال نقل هذه المعاني إلى علوم السياسة يمكنني القول إنه في تسعينيات القرن الماضي وبعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار الكتلة الشرقية وتفكك الاتحاد السوفييتي عام 1989، بدأ المفكرون الاستراتيجيون في الغرب يضعون أسسا لنظام دولي جديد يتم فيه استبدال الخطر الشيوعي «الأحمر» بالخطر الإسلامي «الأخضر».. الكثيرون قللوا من التحذيرات التي أطلقت في حينها وتعاملوا مع هذه التحذيرات بنوع من الترف الفكري المعتاد، فيما استمر الغرب في أسلوب التجريب العلمي في السياسة. وأصبحت منطقتنا حقلا لتجاربهم العلمية في مجال السياسة. أصبحنا «فئران تجارب» في السياسات الدولية. الأميركيون خصوصا تيار المحافظين الجدد والمراكز البحثية التابعة لهم خرجت حينئذ لتقدم تصورات ورؤى عن كيفية احتفاظ الولايات المتحدة الأميركية بوضعية «القوة العظمي الأولى الوحيدة في العالم» طوال القرن الحادي والعشرين كله، باستخدام القوة المسلحة نظرا لكونها -ولا تزال- أكبر قوة عسكرية في العالم كله. المشكلة التي واجهت استخدام القوة الخشنة هي شعوب تلك الدول في ظل نظمها الديمقراطية. كان لا بد من محفز لإطلاق القوة العسكرية وإقناع الشعوب في البلدان الديمقراطية بشن الحرب على الإسلام تحت غطاء «الإرهاب». وكان تفجير البرجين بنيويورك في 11 سبتمبر عام 2001، والذي منح جورج بوش الابن المبرر لغزو أفغانستان وإسقاط حكم طالبان، ثم اقترب الأميركان أكثر للمنطقة المستهدفة، فاختلقوا ذريعة «أسلحة الدمار الشامل لدى صدام حسين» وقاموا بغزو العراق وإسقاط صدام حسين في مارس من العام 2003. وسقط حائط الصد وبوابة العرب الشرقية، لكن القوة الأميركية الخشنة واجهت مقاومة كبيرة في العراق، وفقدت الآلاف من الجنود ومئات المليارات من الدولارات، وجاءت إدارة أوباما الديمقراطية لتستخدم القوة الناعمة، وتسحب جنودها من العراق وأفغانستان أمام مقاومة الشعوب. بدأت الشعوب العربية بحسها الفطري السليم تشعر بالخطر على وجودها في أراضيها وبلادها، وأدركت أن الحكام يقفون ضد طموحاتها، فكان الربيع العربي الذي بدأ في تونس وامتد لمصر ثم سوريا واليمن وليبيا والمغرب عام 2011، وسنحت الفرصة للغرب لاستخدام القوة الناعمة لجعل الشعوب تواجه الحكام ثم يقوم الغرب بدعم المستبدين ويخلط الأوراق ويدمر البلدان بأيدي أبنائها. ليس العيب في طموح الشعوب العربية في الحرية. العيب في عدم رؤية البعض منا لذلك المخطط الممتد من اتفاقيات سايكس-بيكو في بداية القرن العشرين، والذي قسم المنطقة بحدود وهمية مصطنعة، تمهيدا للحظة الانفجار وإثارة النزاعات العرقية والسياسية لتفتيت المفتت أصلا، وتقسيم المقسم من الأساس، حتى بعد مرور قرن كامل على تلك التقسيمات. إذن، الخطة قديمة متجددة، والغرب يقدمها لحكام ونخب المنطقة المستغربة باعتبارها «نبيذ معتق في زجاجات جديدة».. يرتشفونه حتى الثمالة وحين تأخذهم النشوة يتصورون أنهم يحاربون عدوا وهميا من نفس شعوبهم، بينما هم يقتلون بأيديهم أمل أمتهم في التصدي لهجمة همجية بربرية تستهدف اقتلاعهم وشعوبهم من جذورهم وطمس هويتهم على أراضيهم. فلا تكونوا كالأخسرين أعمالا: «الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا». صدق الله العظيم. • Sharkawi.ahmed@gmail.com

بعد النيل.. هل تذهب سيناء ؟!

اليوم نستكمل معكم بقية الحكاية التي بدأناها في خاتمة المقال السابق عن أطماع اليهود في سيناء منذ قرون طويلة، فهي بالنسبة لهم في قلب العقيدة الصهيونية، لدرجة أن تيودور هرتزل -مؤسِّس الصهيونية العالمية- أطلق عليها...

بعد النيل.. هل تذهب سيناء؟! (1-3)

يبدو من المرجح حالياً أن أزمة سد النهضة لن تجد حلاً، وأن السد سيتم تشغيله، وأن ملء بحيرة السد سيحجب كمية كبيرة من حصة مصر في مياه النيل، لكن ماذا عن شبه جزيرة سيناء؟! يلاحظ...

ترمب مجدّداً.. أم بايدن؟!

السؤال الذي يتردد بكثافة في أوساط الأميركيين، وربما في أنحاء العالم في الوقت الحالي هو: هل يفوز الرئيس الجمهوري دونالد ترمب بقترة رئاسية ثانية تمتد حتى 2024؟ أم يتمكن غريمه الديمقراطي جو بايدن من هزيمته...

شبح ريجيني في القاهرة!

رغم مرور 4 أعوام ونصف العام على وفاة الباحث الإيطالي جوليو ريجيني الغامضة بالقاهرة، لا تزال ملابسات وظروف الوفاة غير معروفة، ويبدو أن صبر الحكومة الإيطالية نفد، وبدأت تطالب القاهرة بردود حاسمة وتوضيحات مقبولة، فقد...

عندما تنظر أميركا في المرآة

من منّا لا يعرف قصة سندريلا والأقزام السبعة، كلّنا تربّينا عليها، وتعاطفنا مع السندريلا التي كان عليها أن تتقبّل قهر وظلم زوجة أبيها وبناتها المتعجرفات، حتى تأخذنا القصة للنهاية الجميلة حين تلتقي السندريلا بالأمير، فيقع...

أرض العميان (2-2)

أحد أصدقائي أوشك على الانتهاء من كتابة رواية طويلة عن أحوال المعارضة المصرية في الخارج منذ 2013م، وقد اقترحت عليه اسماً للبطل الرئيسي لروايته، وهو معارض ليبرالي يسحق الجميع من أجل مصالحه الشخصية الضيّقة. اقترحت...

أرض العميان (1-2)

عندما تغيب المنافسة العادلة أو تكون محدودة، هل يمكن أن تعرف الصحافي الجيد أو الكاتب الأكثر براعة أو الأجزل في العبارة، أو الأغزر إنتاجاً، أو الأعمق فكراً، أو الأفضل أسلوباً؟! كيف ستعرفه إذا لم تتوافر...

الميكافيلليون الجدد!!

في جامعة القاهرة في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، كنت مندفعاً في دراسة العلوم السياسية، وكنت قرأت كتاب «البرنس» لميكافيللي قبل دخول الجامعة، ولم يعجبني! دخلت في مناقشات جادة وأحياناً حادة مع أساتذة درسوا في الجامعات...

حصن الحرية.. «بوسطن جلوب» نموذجاً (2-2)

بعد المعركة الصحافية الشهيرة التي خاضتها صحيفة «بوسطن جلوب» خلال عامي 2001 و2002، والتي انتهت باستقالة الكاردينال لاو رأس الكنيسة الكاثوليكية في عموم أميركا، ترسخ اعتقاد لدى مواطني مدينة بوسطن من الكاثوليك، أن الصحيفة الأكبر...

الصحافة والكتابة.. في زمن «كورونا» (2-3)

ليالي زمن «كورونا» تمرّ بطيئة وطويلة، لكنها ليست كذلك لمن يقرأون طوال الوقت حتى يستطيعوا الكتابة الأديب المصري الفذّ مصطفى لطفي المنفلوطي، كتب في بداية القرن العشرين أن الكاتب يشبه «عربة الرشّ» وهي عربة كانت...

الصحافة والكتابة.. في زمن «الكورونا» (1-3)

لا أخفي عليكم، أن الكتابة وفق مواعيد محددة مسألة مرهقة، في بعض الأحيان لا توجد فكرة واضحة للمقال، أو يصاب الكاتب بالحيرة في الاختيار بين أكثر من فكرة، وفي أحيان أخرى يقترب موعد تسليم المقال،...

قلاع الحريات الأميركية (2-3)

الصحف الأميركية هي قلاع حقيقية تصون الحريات العامة فى البلاد، هذه حقيقة يفتخر بها الأميركيون على بقية أمم الأرض. في عالمنا العربي تختفي تلك القلاع، فيحدث أن تتجرأ النظم المستبدة على تلك الحريات، وتعصف بها...