


عدد المقالات 103
ردت عليّ وهي تضبط حجابها الملون الأنيق، طبعا كنت سأخطب لابني عروسا مسيحية إن طلب مني ذلك، ولماذا أرفض يا ابنتي؟ وأضافت، للأمانة كنت سأحاول لقاءها أولاً للتأكد إن كانت تحبه أم لا!! كنت قد حظيت بصحبة عالمة جليلة على مدى ساعتين وربع هما مدة الطريق ما بين القاهرة والإسكندرية في قطارها الصباحي السريع الذي تمنيت لو تباطأ وتركني أنهل من تلك القامة العلمية والدينية الرفيعة، إنها أستاذة الفلسفة والعقيدة الإسلامية بجامعة الأزهر «آمنة نصير» والمتخصصة في المذاهب والعقائد، وعضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية التي أنجزت ما يربو على 32 مؤلفا في شتى الموضوعات، حين مرت ساعة كنت قد بلغت اليقين في أنني بحضور نموذج استثنائي لعالمة إسلامية، كنا في أوج المرارة لفقدان خمسة وعشرين مواطنا مصريا تحت عجلات المدرعات وبأسلحة الغدر والغباء السياسي والإنساني، استقر في الذاكرة مشهد الدماء المبعثر على مرأى من نيل مصر وإعلامها وأهلها ومواطنيها من المسيحيين والمسلمين، حين سقط الشباب المسيحي المتظاهر أمام مبنى ماسبيرو بكورنيش النيل بالقاهرة سقطت آخر ورقة كانت تستر المجلس العسكري، وحين تجاهلت التنظيمات السياسية الدينية موت الشباب وجرح المئات ولم يتقدموا حتى لتعزية الأمهات والزوجات والآباء الثكالى انكشفت آخر آيات النفاق، كان المشهد مريعاً أمام المستشفى القبطي التي تجمع حولها مئات الآلاف من الغاضبين ومن أسر الشهداء المسيحيين والمصابين والمفجوعين في النظام المؤقت الذي بدا وكأنه لم يتعلم شيئاً، في الداخل الشباب ملفوف في أعلام مصر، ينتظر تقريرا طبيا يصف أسباب الوفاة، خرج التقرير الأول كاذباً وملفقاً بفجاجة، ثار الأهالي وأعيد الأطباء إلى غرفة القتلى للنظر مرة أخرى، فلعلهم يروا آثار الرصاص والعجلات المطبوعة على جسد المتظاهرين المسالمين الذي قتلوا غدراً، استمر الفحص ساعات، ثم خرجت الصناديق تحمل شباباً كان بالأمس سائراً بينهم يخطب في وحدة مصر، انهالت دموع المتظاهرين ساخنة ملتهبة بالغضب والشعور بالظلم، تحركت الصناديق بعد الصلاة في الكاتدرائية للأمام يلحق بها جمع المودعين، لكن واحداً منهم أبى أن يدفن من دون زيارة أخيرة للميدان، كان مينا دانيال ثائراً ينضم لكافة التظاهرات المنادية بحقوق كل الفئات، لم يكن يؤمن بالمطالب الفئوية بقدر إيمانه بمطالب المواطن المصري البسيط، أصيب في كتفه برصاص يوم جمعة الغضب، وأصيب في قدمه بقذيفة طوب يوم أحداث العباسية شهر يوليو الماضي، كان آخر يوم في حياة مينا هو يوم الأحد التاسع من أكتوبر، استشهد في مسيرة اعترض فيها على هدم كنيسة المريناب بأسوان لأن الحكومة لم ترخص لها، أوصى مينا أمه وأصدقاءه بأن تطوف جنازته بميدان التحرير حال موته، استشهد ومطالب الثورة التي كان يخرج من أجلها كل مليونية ما زالت لم تتحقق، تضاف أحداث ماسبيرو إلى قائمة طويلة من الأحداث الطائفية، بلغ عددها في مصر نحو 154 حادثاً، كلها وقعت خلال الأربعين عاماً الأخيرة، فلم يذكر التاريخ أية احتكاكات طائفية بين المسلمين والأقباط، إلا في عام 1972، عندما حاول بعض المتطرفين إحراق منزل كان الأقباط يعملون على بناء كنيسة على أنقاضه، وذلك في حي الخانكة التابع لمحافظة القليوبية، وهو ما عرف تاريخياً بـ «أحداث الخانكة»، وكان البابا شنودة والرئيس السادات ذاتهما من أخطر أسباب اشتعال الموقف في ذلك الحين، حيث رفض الرئيس الراحل التصريح ببناء الكنيسة، ورد البابا شنودة متحدياً الرئيس، بإرسال وفد كنسي لتدشينها. مع هلول عام 2010، قتل ستة مسيحيين ومسلم واحد، في مدينة نجع حمادي في محافظة قنا، على يد أحد المسلمين التابعين لقيادي في الحزب الوطني الحاكم المنحلّ قضائياً، انتقاما من أسقف المدينة، لعدم تأييده في الانتخابات النيابية، والوقوف في صف منافسه، وفي صبيحة يوم العاشر من أكتوبر وقبل أن يبرد دماء شهداء ماسبيرو خرج الإعلام المصري بخبر تنفيذ حكم الإعدام في قاتل نجع حمادي، وهو الخبر الذي لم يتسن التأكد منه بعد، وفي صبيحة عام 2011، وقع تفجير أمام كنيسة القديسين في الإسكندرية، خلف نحو 23 قتيلاً و79 مصاباً، اتهم فيه لاحقاً وزير الداخلية المحبوس بهدف إلهاء الرأي العام المصري والتمويه على فساد أكبر يجري في أروقة قصور السلطة، وعقب السلطة تتعرض ثلاثة كنائس للتعدي، هدمت الأولى في مارس في قرية صول في مارس وتلاها حادث إمبابة ثم حادثة أسوان، وأخيراً مذبحة ماسبيرو، الغريب أنك إذا ما التقيت مسيحياً في الشارع فإنه يعرف نفسه بأنه مصري، عربي، معتقداً أن الدين أمر شخصي لا يطلع عليه إلا الله، لكن بعض ممن اعتقدوا أنهم وكلاء عن الله في الأرض يجوبون البلاد بجهاز لفحص الإيمان، فإن كنت مسيحياً فأنت لست بمؤمن وإن كنت امرأة بغير حجاب فلست بمؤمنة، وإن كنت رجلا يعلن ميله لدولة ليبرالية غير دينية فإنك غير مؤمن، ففي عقيدة البعض من أصحاب التيارات الدينية النشطة سياسياً مؤخراً فإن الدين والوطن لهم، لحاملي جهاز فحص الإيمان. هؤلاء الذين حظوا مؤخراً بمسحة حنان من المجلس العسكري لم يتقدموا لتعزية أهالي الشهداء الذين كانوا بينهم على مدى أيام الثورة والذين بادروا بإشعال الثورة قبيل وصولهم إلى الميدان بعدما استقرت الأوضاع وظهرت ملامح الانتصار واعتدل ميزان القوى، وقتها انضموا للميدان، نهلوا من نبع حب صافي، ثم تسرب الحب منهم تدريجياً عندما رفعت المصالح رأسها بتجبر، ساعتها بدأت الصفقات والتنازلات واللعبات المتواطئة، لكن التاريخ لمن يقرأ يذكر بأن ميزان الثورات يعتدل بعد وقت، وهو ما سيحدث بمصر، سواء شاء المجلس ومريدوه أم لم يشأ.
إنه اللقاء بكل شغفه ولهفته وقوته وطاقته القادرة على إحياء الأمل وبعثه من باطن اليأس. إنه اللقاء.. فلم أجد لفظة أخرى تصف العيون المتلألئة ولا الخطوات المندفعة ولا تلك الحياة التي عادت تجري فكست الوجوه...
سمعت تلك الكلمة للمرة الأولى في منزلنا بينما جارتنا تأخذ قسطا من الراحة لدينا. اعتذرت عن كوب الشاي الذي أعدته أمي قائلة «لازم احضر العشا للاجئين اللي عندي». أخبرتني أمي أن «اللاجئ « مصطلح يطلق...
في الطابق التاسع كنت أسكن. ومن أعلى رأيت أطفال الجيران يرسمون في الشارع الإسفلتي خطا أبيض. ثم احتكروا لأنفسهم المساحة الأكبر وتركوا للطفل الأسمر وأقرانه ما تبقى. والأسمر كان في مثل عمرهم. وكذلك فريقه الذي...
«لقرون طويلة حكيت عني يا شهرزاد, غطى صوتك على صوتي» لكنى الآن وبدون ندم أشيعك إلى مثواك وأعلم أني لن أسبح في الفرح, لكني سأعيش بهجة غسل تراثك. وفى حضرة الحكاية علينا أن نبدأ القصة...
المشهد الأول: كان أن تحدث مرشح الرئاسة عن برنامجه الطموح لقيادة مصر في مرحلة مفصلية, واستعرض مجالات عدة ثم قال «وأما عن المياه فسوف نزيد مياه النيل بالدعاء». المشهد الثاني: صوت جهوري لرئيس الجمهورية آنذاك،...
طرقة واحدة مفاجئة، ثم ضاع الضوء وانسحبت الكهرباء إلى أسلاكها وتركتنا في عتمة قاتمة، بنظرة واحدة على الشارع أدركت أننا نصفان، نصف مضيء ونصف معتم، كان جانبنا صامتا وكأن الحياة قد توقفت عنه، حارسة العقار...
أعادته مرة أخرى إلى الطبق الصغير عقب الرشفة الأخيرة، ثم انتظرتْ دقائق وقَلَبَتْه فسال اللون الداكن برائحته النفاذة وتلون الخزف الأبيض. وأكملت هي حوارها تاركة لي الحيرة من أمر تلك القهوة التي تجمع جدتي بجارتنا...
أيمكن أن يصدق عاقل أن «فارس» حمل عتاده وسلاحه وسافر طويلا لكي يحمي «مالك» الذي لا يعرفه ولا يعرف عنه شيئا. البعض قال لي لا بد أن «فارس» ملاك في جسد بشر. لكن آخرين كانوا...
كان يكفي أن أنظر للسماء لأعلم لما لا يرد شقيقي على الهاتف. متحفزا. مكتملا. باهيا. كان قرص القمر في قلب السماء. متألقا وسط النجوم. مدركا حجم ضوئه وعمق أثره. مختالا بنوره الذي يوقظ كل الصحاري...
في مايو ومنذ ما يزيد على ثلاثة وخمسين عاما, وقبل أن تهبط الأحلام على النائمين انفجر غضب ما من باطن الأرض فقسمها وضرب مبانيها وأهال التراب على ما يزيد على ثلاثة آلاف نسمة. يومها لم...
الشاب ذو الصوت الصادق حاصرني, كما كان لأسئلته تفرد مدهش فلم أملك إلا الانتظار, سار بي خطوات قليلة ثم أشار إلى سمكتين لونهما أزرق يتوسطان لوحة القماش المعلقة, وقال: «أتعرفين لماذا وُلدنا؟». صمت من هول...
أتصدقون أن بين وحشين كبار عاشت الغزالة الصغيرة آمنة حالمة, لكن الأهم أنها عن حق سعيدة, ثم عَنَّ لها أن تجرب الجنون, فإذا بها تعلن بصوت عال أنها في طريقها لتصدير السعادة, ولو لم أكن...