


عدد المقالات 18
خلف هذا السؤال هناك حقيقة ثاوية ومحرجة نوعاً ما، هل نحن أمام إمبريالية جديدة؟ وهل حضور الصين كقوة عالمية اليوم، يرشحها لأن تلعب هذا الدور بدلاً عن الريادة الغربية بقيادة أميركا؟ لكن قبل ذلك، ما الذي يجعل قوة ما تتحول إلى مشروع إمبريالي؟ أعتقد أن الإجابة عن هذا السؤال تبدو مدخلاً مقنعاً لتمحيص الفرضية، لكي تصبح قوة عالمية ذات نزوع إمبريالي، يجب أن تحقق شرطية حضارية مهمة، تتجلى في مشروع هيمنة، في اعتقادنا أن الصين الحالية بأيديولوجيتها المُرْبَكَة، التي لا تعبر عن هوية واضحة، رغم أن مشروع الثورة الثقافية، لم يعد محدداً مركزياً للهوية الصينية ما بعد الانفتاح «رأسمالية الدولة». إن الهوية الجديدة للصين كنموذج ليبرالي جديد بنكهة كونفوشيوسية تجمع ما بين التسلطية وحلول السوق، حيث تجنبت الصين مسار الخصخصة أو «علاج الصدمة» الذي فرضه صندوق النقد الدولي والبنك الدولي مع سياسة الاحتواء في ثمانينيات القرن الماضي، في اتجاه نمط «اقتصاد السوق بإدارة الدولة»، أو ما أسماه دافيد هارفي «ليبرالية جديدة بخصائص صينية. وقطعاً هذا لا يشكّل نمطاً مبتكراً لتحقيق الشرطية الحضارية أو مشروع هيمنة، بل مجرد قراءة جديدة لليبرالية، تعلي من شأن الدولة بدل الفرد، إن ما يمكن أن يحدد الحضور الصيني عالمياً، هو التمدد الاقتصادي أو ما أفضّل تسميته «الهيمنة المائعة» ضمن استراتيجية بقعة الزيت مبادرة «الحزام والطريق»، أي تصريف فائض الإنتاج الاقتصادي «التراكم الرأسمالي» والفائض الديموغرافي بسياسات المساعدات الاقتصادية والاستثمار الخارجي، من أجل غزو صامت للأسواق، إن الهيمنة المائعة ليست مشروع هيمنة إمبريالية، لأنها لا تمتلك مقومات حضارية تستلهم الماضي الإمبريالي للتراث الثقافي والتاريخي للحضارة الصينية القديمة، إن النموذج الليبرالي الصيني هو حركة تصحيحية للتصور الليبرالي النيو-كلاسيكي، والإمبريالية الرأسمالية التي أفسدتها العقيدة «الستراوسية» -نسبة إلى ليو ستراوس- الملهمة للمحافظين الجدد، هذه العقيدة المبنية على نظام «تيمقراطي» حربي «Timocratie»، قائم على الشرف والقوة وحكم القلة الثرية، وهو ما يفسر عقيدة الحرب في السياسات الخارجية للولايات المتحدة وحلفائها، هذه العقيدة تستبدلها الصين بقوة صامتة توسعية، قائمة على واجهة تشاركية اقتصادية «استثمار، مساعدات اقتصادية...»، مبنية على عقيدة أشد شراسة وتسلط، تلخصها عبارتي دينج جياو بينج صانع النهضة الصينية: «إنه لشيء رائع أن تكون غنياً»، وعبارة: «ماذا يهم لو كانت القطة سوداء أم زنجبيلية اللون، طالما تصطاد الفئران». إن هذه العقيدة التوسعية المندفعة نحو مراكمة الثروة، لا يمكن أن تكون ملهمة للشعوب، ولا منتجة لقيم إنسانية قادرة أن تغير حركة التاريخ، باختصار مفيد، إنها بالتأكيد لا تمتلك مشروع هيمنة يجسد روح العصر المقبل، إن الهيمنة المائعة هي حركة توسع وغزو للأسواق من أجل مزيد من استنزاف ثروات الشعوب، وحركة تمييع حضاري لا يؤسس لأي مشروع قيمي إنساني، بل قد تتحول مع صعود النزعة المعادية للصين، أو مدرسة «الصين خطر» بالولايات المتحدة الأميركية، إلى سيناريو حرب باردة بين الصين وأميركا «مفهوم الاشتباك الدينامي» لتنتقل إلى حرب ساخنة «الاحتواء والمواجهة»، إن سيناريو «الانتعاش الكوكبي الممتد»، الصراع المحموم حول الأسواق والريادة الاقتصادية، سيؤول إلى دمار شامل للبشر والطبيعة على حد سواء. إذا كان طريق الحرير تاريخياً ساهم في النهضة الأوروبية من خلال التبادل المتكافئ التجاري /الحضاري بين الشرق والغرب عموماً، فإن إعادة إحيائه بداية لسقوط هذه النهضة، ليس اقتصادياً وحسب، بل حضارياً وإنسانياً، لأنه بكل بساطة تمدد اقتصادي وليس تواصلا حضاريا، فقد اضطرت الهيمنة المائعة العديد من الدول الغربية إلى نهج حمائية اقتصادية، كي توقف زحف الجراد الذي لا يبقي على شيء، مما سيدفع بالتوجه نحو «رأسمالية الدولة الجديدة» خصوصاً في أوروبا حماية لمنشآتها الاقتصادية من الغزو الصيني، إن التبادل الممكن عبر الشراكة التي تقترحها مبادرة «الحزام والطريق»، ليس شراكة متكافئة، مبنية على منطق «رابح/رابح»، بل شراكة استيعابية مبنية على منطق «إنقاذ الغريق بغاية قتله»، فهي هيمنة قاتلة توزع قبل الموت الرحيم على الاقتصاديات الغريقة، مُجَمَّلَة بحميمية غاية في الإنسانية، إنه الموت الآتي من الشرق بنكهة تدميرية هادئة ستأتي على اليابس والأخضر.
هل يستحق قرار تحويل متحف آيا صوفيا إلى مسجد كل هذا اللغط؟ قد يكون الأمر أبسط من ذلك حينما نتناوله في سياقه القانوني والسياسي، لكنه أكثر تعقيدا حينما يمتزج بصيرورة التاريخ ودلالته الرمزية. إن توقيت...
إن أهم ما يسم العالم ما بعد «كورونا» هو وضوح الصراع الحضاري وانكشاف خلفياته، فضلاً عن تجلّي المبرّرات الأيديولوجية التي تحكم دعاة صدام الحضارات. إذا كانت الخلفية الفلسفية للصدام تؤطرها الفلسفة الهيجيلية التي تدّعي الضرورة...
إن أكثر الدول قلقاً ممّا يحدث في أميركا هي الكيان الصهيوني، باعتبار أن أي تغيير في مصير أميركا سيجعل لا محالة مصير هذا الكيان مجهولاً، لا أعتقد أن هناك شيئاً اسمه إسرائيل خارج نطاق النبوءات...
من الأسباب الجوهرية التي تعلن عن بداية نهاية أميركا، هيمنة العقائد الدينية على السياسة الأميركية، إن استقصاء بسيطاً لبعض هذه النبوءات، سيفسّر العديد من الألغاز والأحداث التي تعتمل الآن، وتبدو غير منطقية في السياسات الأميركية...
إن من أسباب سقوط الإمبراطوريات العظمى، ما أسمّيه اختلال العقل الأخلاقي العام، وهي فرضية لا تخرج عن نطاق الحتميات التاريخية التي هيمنت على بعض فلاسفة التاريخ، وتستند إلى منطقين أخلاقيين: الأول هو الحتمية الهيجيلية التي...
إن صناعة الخوف من أكثر مظاهر الشمولية شيوعاً، لأنها تنفذ إلى أعماق الطبيعة الإنسانية المفعمة بغريزة حب البقاء والرغبة في تفادي الموت، لقد تفنّن الفكر الشمولي في سعيه لتبرير الاستبداد في إبداع قواعد ذهبية لصناعة...
إذا كان عصر الحرية المُستلهَم من روح الأنوار وفلسفات الحق الحداثية، التي اختزلها «ستيوارت ميل» في عبارة: «إن للفرد سلطاناً مطلقاً على نفسه وجسمه وفكره»، والتي ظلّت شعاراً لعصر الحرية المفرط في فردانيته؛ كما أن...
إن من أكثر أوجه الشمولية بشاعة هو التَحكُّم في رقاب العباد عن طريق ابتكار أساليب رقابة شاملة، كلما كانت مبتكرة وكاسحة كلما ازدادت سطوتها. إن الحقيقة غير المُعْلَنة لهذه الرقابة الشاملة ذات امتداد ميثولوجي ،...
لقد استعرنا عبارة «هيجل»: «خبث العقل الكلي» كمفهوم مرتبط بالوعي التاريخي؛ حيث يستعين الروح المطلق في سعيه إلى الاكتمال بشخصيات مؤثّرة في حركة التاريخ؛ حيث تتكامل المصالح الجزئية لهذه الشخصيات مع إرادة الروح الكلية. إن...
إن أطروحة الحتمية الكونية التي بشرّتنا بها العولمة كصيرورة حضارية، تبرير نظري لمشروع هيمنة السيد العقلاني على الإنسان الشرقي الغارق في الضلالات والتعصب؛ ولعلّ كتاب ليفي بريل «العقل البدائي» إنجيل كل التصورات المدافعة عن عولمة...
كل الدول تسارع في البحث عن سياسات صحية مناسبة لاحتواء جائحة «كورونا»، وفي غمرة البحث هذه يُطرَح سؤال حيوي: هل نحن بحاجة فقط إلى مناعة حيوية (بروتوكول علاجي) أم مناعة ضمير (بروتوكول أخلاقي/ وقائي)؟ الأمر...
إذا كان تهديد الحروب النووية جعل من الدولة العالمية أمراً ضرورياً يفرضه المنطق، فإن الحروب البيولوجية -أو ما أسماه زيجموند باومان بـ "الخوف السائل" الناتج عن الانفتاح الفاسد للمجتمعات بفعل العولمة السلبية (أسواق بلا حدود)...