alsharq

د. سعيد العلام

عدد المقالات 18

تفاهة الشمولية: خبث العقل الكلي

16 مايو 2020 , 02:30ص

لقد استعرنا عبارة «هيجل»: «خبث العقل الكلي» كمفهوم مرتبط بالوعي التاريخي؛ حيث يستعين الروح المطلق في سعيه إلى الاكتمال بشخصيات مؤثّرة في حركة التاريخ؛ حيث تتكامل المصالح الجزئية لهذه الشخصيات مع إرادة الروح الكلية. إن هذه المقدمة -ودون توسّع في فهم الفكر الهيجيلي- تقودنا إلى طرح سؤال جوهري: لماذا يرتهن العالم اليوم بقيادات شعبوية تحرص على أن تعيدنا إلى تفاهة الشمولية والانفتاح على المجهول (حروب نووية/ بيولوجية)؟ ومن المسؤول عن تدعيم مشروعية الشعبوية والتفاهة السياسية؟ إن صيرورة التاريخ محكومة بحركة تجاذب وتقاطب إرادتين: حركة السلب (النكوص التاريخي والعودة إلى الشمولية) وحركة الإيجاب (التقدم نحو الحرية والتخلص من العبودية). إن هيمنة حركة السلب على صيرورة تشكّل العالم اليوم، في اتجاه تكريس العبثية السياسية والعودة إلى الفوضى الخلّاقة، لن تتحقق إلا عبر تصدُّر واجهة الدول العظمى قيادات تافهة بيدها سلطة إنهاء التاريخ، غايتها التحقق العَيْني لفكرة تَحَكُّم سادة العالم الجدد في مصير الشعوب. كل الوسائل مُباحة ومُتاحة أمام هؤلاء من أجل هذه الغاية: ديمقراطية مُشوّهة تتلاعب بالعقول وتُزيِّف إرادة الشعوب، وآلة إعلامية تصنع الوهم والخوف وترهب البشرية، وسطوة المال التي تُسيِّد قيادات شعبوية، وتصنع رجالاً من قشّ لإرهاب الشعوب وإذلالها. إن السمة الأساسية المطلوبة في الشخصيات المتواطئة مع خبث العقل الكلي، بالإضافة إلى الضعف المعرفي، أنها قيادات ذات نزعة شمولية، وروح مزاجية اندفاعية، ميّالة إلى المغامرة والتهوُّر، تقتات من الخطابات الشعبوية (معاداة الأجانب/ Xénophobie). إذا كان التاريخ يصنعه العظماء، فإن نهاية التاريخ سيصنعها السفهاء؛ فكلما أشرف عصر الحرية على الاكتمال، تنتعش تفاهة الشمولية من جديد، ضمن مرحلة انتقالية حاسمة تسود فيها لحظات فراغ فكري وروحي، وعبثية سياسية، وأوهام في الاعتقاد، وميل نحو تعميم التجهيل، واقتصاد يصنع الجياع ويوسّع دائرة المهمّشين والفقراء. إننا أمام مشهد تاريخي تراجيدي، يقود إلى طفرة حضارية ترجع القهقرى إلى عصر العبودية؛ حيث العالم منقسم إلى كيانين اجتماعيين (سادة وعبيد)، بدل التشظي الوجودي الذي جعل الفضاء العمومي منفتح على تعدّد الكيانات الاجتماعية. إن حنين أرستقراطية سلالات الدم إلى التوحُّد مع سلطة الآلهة، لن يسمح بهذه الفوضى التي خلقتها حركة التاريخ الإيجابية (قيم التحرر الإنسانية)؛ ستسعى جاهدة وبكل السُّبل التحكُّمية (سلطة المال، الإعلام، صناعة التفاهة، التكنولوجيا... إلخ) لاستعادة قداستها الغابرة، وتجسيد رغبتها الخالدة في تسيُّد العالم. لكن السؤال الملحّ الذي يثور: إن كانت هناك من سلطة أو نخبة عالمية تحكُّمية، لماذا تستعين بقيادات تافهة؟ إن الفهم الممكن لحركة التاريخ -بعيداً عن دغمائية «هيجل» التبريرية للشمولية- كمحاولة لتفسير عودة حركة السلب، أي وجود نخبة عالمية تحكمية أيّاً كانت هويتها (أوليغارشا مال، أو سُلالات الدم، أو حركات باطنية...)؛ فإن الدفع بشخصيات تافهة لقيادة دول عظمى بيدها سلطة إفناء العالم، يقودنا إلى ترجيح فرضيتين.. الأولى: إن بروز مثل هؤلاء في المشهد السياسي بمثابة إعلان عن تغيير مسار حركة التاريخ، الذي يحتاج إلى جرعة كبيرة من الغباء والسطحية كي يمهِّد عملية الانتقال. وجود شخصيات تافهة سيمكّن من التحقق العيني لمفهوم الفوضى الخلّاقة، ويُعَوْلِم حالة الفراغ الفكري والوجودي التي تعرفها الإنسانية بغاية تيسير حالة «القابلية للشمولية». إن التحولات العميقة في حركة التاريخ، غالباً ما تتزامن أو تتماهى مع لحظات عدمية منفتحة على المجهول، واستراتيجيات إلهاء تحجب لحظة التحوُّل، وتضلّل الوعي بجوهرها وغاياتها؛ إنها أشبه بعملية تمويه وتعتيم قصدي لإخفاء حقيقة الانتقال وعُمقها. الثانية: قد يكون فِعْلُ تَصدُّر التفاهة للمشهد السياسي محاولةً للإعلان عن هوية جديدة أو الخروج من حالة التحكُّم المستتر إلى حالة التحكُّم المُعلَن، والخروج إلى دائرة الضوء واللعب على المكشوف. فهذه الكيانات التحكُّمية كانت تمارس التحكم بالوكالة والتفويض المشروط؛ مُعلنة عن حقيقة وجودها بتبخيس قيم التحرُّر ومفهوم إرادة الشعوب (التعاقد، الديمقراطية...) وإظهار زيفها ومحدوديتها. إن التفاهة السياسية هي حركة إعلان عن نهاية عصر الحرية وبداية عصر العبودية الجديد، بقيمه التحكُّمية المُستلِبة إرادة الكائنات المُستباحة بسطوة التكنولوجيا الحيوية.

آيا صوفيا مسجدا: ملامح صدام حضاري

هل يستحق قرار تحويل متحف آيا صوفيا إلى مسجد كل هذا اللغط؟ قد يكون الأمر أبسط من ذلك حينما نتناوله في سياقه القانوني والسياسي، لكنه أكثر تعقيدا حينما يمتزج بصيرورة التاريخ ودلالته الرمزية. إن توقيت...

مستقبل الإسلام ما بعد جائحة «كورونا»: صدام البرابرة

إن أهم ما يسم العالم ما بعد «كورونا» هو وضوح الصراع الحضاري وانكشاف خلفياته، فضلاً عن تجلّي المبرّرات الأيديولوجية التي تحكم دعاة صدام الحضارات. إذا كانت الخلفية الفلسفية للصدام تؤطرها الفلسفة الهيجيلية التي تدّعي الضرورة...

الربيع الأميركي: مصير إسرائيل

إن أكثر الدول قلقاً ممّا يحدث في أميركا هي الكيان الصهيوني، باعتبار أن أي تغيير في مصير أميركا سيجعل لا محالة مصير هذا الكيان مجهولاً، لا أعتقد أن هناك شيئاً اسمه إسرائيل خارج نطاق النبوءات...

الربيع الأميركي: النبوءة والسياسة

من الأسباب الجوهرية التي تعلن عن بداية نهاية أميركا، هيمنة العقائد الدينية على السياسة الأميركية، إن استقصاء بسيطاً لبعض هذه النبوءات، سيفسّر العديد من الألغاز والأحداث التي تعتمل الآن، وتبدو غير منطقية في السياسات الأميركية...

الربيع الأميركي: اختلال العقل الأخلاقي العام

إن من أسباب سقوط الإمبراطوريات العظمى، ما أسمّيه اختلال العقل الأخلاقي العام، وهي فرضية لا تخرج عن نطاق الحتميات التاريخية التي هيمنت على بعض فلاسفة التاريخ، وتستند إلى منطقين أخلاقيين: الأول هو الحتمية الهيجيلية التي...

تفاهة الشمولية: الأمن الحيوي وعولمة الخوف

إن صناعة الخوف من أكثر مظاهر الشمولية شيوعاً، لأنها تنفذ إلى أعماق الطبيعة الإنسانية المفعمة بغريزة حب البقاء والرغبة في تفادي الموت، لقد تفنّن الفكر الشمولي في سعيه لتبرير الاستبداد في إبداع قواعد ذهبية لصناعة...

تفاهة الشمولية: أفول عصر الحرية

إذا كان عصر الحرية المُستلهَم من روح الأنوار وفلسفات الحق الحداثية، التي اختزلها «ستيوارت ميل» في عبارة: «إن للفرد سلطاناً مطلقاً على نفسه وجسمه وفكره»، والتي ظلّت شعاراً لعصر الحرية المفرط في فردانيته؛ كما أن...

تفاهة الشمولية: من عصر الاستهلاك إلى عصر الرقابة

إن من أكثر أوجه الشمولية بشاعة هو التَحكُّم في رقاب العباد عن طريق ابتكار أساليب رقابة شاملة، كلما كانت مبتكرة وكاسحة كلما ازدادت سطوتها. إن الحقيقة غير المُعْلَنة لهذه الرقابة الشاملة ذات امتداد ميثولوجي ،...

العولمة وضد العولمة.. وجهان لهيمنة واحدة

إن أطروحة الحتمية الكونية التي بشرّتنا بها العولمة كصيرورة حضارية، تبرير نظري لمشروع هيمنة السيد العقلاني على الإنسان الشرقي الغارق في الضلالات والتعصب؛ ولعلّ كتاب ليفي بريل «العقل البدائي» إنجيل كل التصورات المدافعة عن عولمة...

تداعيات جائحة «كورونا»: مناعة القطيع أم مناعة الضمير؟

كل الدول تسارع في البحث عن سياسات صحية مناسبة لاحتواء جائحة «كورونا»، وفي غمرة البحث هذه يُطرَح سؤال حيوي: هل نحن بحاجة فقط إلى مناعة حيوية (بروتوكول علاجي) أم مناعة ضمير (بروتوكول أخلاقي/ وقائي)؟ الأمر...

تداعيات جائحة كورونا: سلام الشعوب بدلاً من سلام الدول

إذا كان تهديد الحروب النووية جعل من الدولة العالمية أمراً ضرورياً يفرضه المنطق، فإن الحروب البيولوجية -أو ما أسماه زيجموند باومان بـ "الخوف السائل" الناتج عن الانفتاح الفاسد للمجتمعات بفعل العولمة السلبية (أسواق بلا حدود)...

هل الصين إمبريالية جديدة؟

خلف هذا السؤال هناك حقيقة ثاوية ومحرجة نوعاً ما، هل نحن أمام إمبريالية جديدة؟ وهل حضور الصين كقوة عالمية اليوم، يرشحها لأن تلعب هذا الدور بدلاً عن الريادة الغربية بقيادة أميركا؟ لكن قبل ذلك، ما...