


عدد المقالات 18
كل الدول تسارع في البحث عن سياسات صحية مناسبة لاحتواء جائحة «كورونا»، وفي غمرة البحث هذه يُطرَح سؤال حيوي: هل نحن بحاجة فقط إلى مناعة حيوية (بروتوكول علاجي) أم مناعة ضمير (بروتوكول أخلاقي/ وقائي)؟ الأمر ليس اختياراً بين سياسات علاجية أو سياسات وقائية كما قد يبدو للبعض. أعتقد أن الحاجة إلى أشكال من الوعي الجمعي وعقل أخلاقي عام (ضمير جمعي) باتت ضرورة مُلحّة لمستقبل السياسات الحيوية ، بالتوجه نحو اختيار مناعة الضمير بدلاً من مناعة القطيع، فجائحة «كورونا» علّمتنا ثلاثة دروس مرتبطة بالسياسات الحيوية، هي: أولاً: إن الخطر الذي يتهدّد المجتمعات والدول ليس مرتبطاً بقوة الفيروس أو القدرة على الانتشار، كما تُطلعنا تقارير الخبراء، بل إن قوة وعي الشعوب وقدرة حكوماتها على الإقناع والثقة التي تجمع علاقات الترابط السياسية والأخلاقية (الثقة في المؤسسات)، هي من يصنع الفرق في السياسات الحيوية؛ لذا فالمستقبل رهين بتجاوز كل أشكال واستراتيجيات التضليل الممارسة على الشعوب من سياسات التجهيل ، إلى سياسات انحطاط الذوق العام فنياً وثقافياً، فضلاً عن سياسات الخواء الروحي وفقدان المعنى التي تمارسها الأنظمة السلطوية لصناعة القطيع وتكريس الرداءة السياسية. لم تعد هناك تفاوتات بين الشعوب قائمة على أساس اقتصادي أو عسكري، إن التفاوتات التي ستُحدث الفرق في المستقبل هي تفاوتات في الوعي الجمعي، في القيم المؤسسة لضمير أفراده والقدرة على الانخراط في القضايا الحيوية للمجتمع، إنها بالتأكيد تفاوتات معنوية مرتبطة بمحددات شخصانية، تعكس كينونة الإنسان المنفتح على المجهول. ثانياً: إن فقدان المناعة الجسدية ممكن تداركه بيولوجياً، بالحدّ من قوة انتشار الفيروس أو تحييد فاعليته بمجهودات فردية من علماء ومختبرات مختصة في زمن محدود ومعلوم؛ لكن مناعة الضمير ليست بالسهولة المعتادة، وتحتاج إلى مجهودات جبّارة، ونَفَس طويل يحتاج إلى مشروع مجتمع. إن الشعوب في كل أركان المعمورة -متقدمة أو متخلفة- تعرّضت لأشكال من الاستلاب والتضليل بكل أنواعه ، حوّلتها إلى مجرد كائنات مستهلكة، فاقدة للوجود والكينونة، مجردة من ذاتيتها ووعيها؛ غير قادرة على إدراك مسؤولياتها الأخلاقية تجاه العالم الذي تعيش فيه. فقد خلقت هذه الأشكال من اللاوعي والتزييف للهوية الإنسانية كائنات فصامية ذات وعي شقي. إن غياب مناعة الضمير المتجسدة عينياً في روح المسؤولية الأخلاقية تجاه العالم، ليس مسألة رهينة بسياسات حيوية للعلاج أو الوقاية من الكوارث البيولوجية، بل هي حركة إنسانية تجاه إدراك وتحسّس المخاطر الناتجة عن انحراف معنى الحرية والاختيارات اللاعقلانية للخطابات السياسية المتطرفة بمبررات واهية (الشرعية الانتخابية). ثالثاً: إن مناعة الضمير صحوة إنسانية ضد كل أشكال العبودية الجديدة، الاستلاب الجسدي والروحي وارتهانهما بجشع الشركات متعددة الجنسية التي تصنع هوية جديدة لإنسان «الفاست فود» والعلامات التجارية، التي ساهمت في اندثار ثقافات فرعية كثيرة مرتبطة بهوية مجتمعات وحضارات عديدة. لقد عرّت جائحة «كورونا» حقيقة التجارة في البشر التي تمثّلها الصناعات الغذائية، والجرائم ضد الإنسانية في حق أجيال المستقبل التي باتت رهينة استعباد صناعات غذائية وثقافة العلامات التجارية المدمرة للمناعة الجسدية والروحية على حد سواء. إن رهان الشعوب من أجل مناعة الضمير هو بناء إنسان جديد بمناعة ثقافية حيوية، ضد كل أشكال الاستلاب الصناعي والثقافي، بسياسات تعبئة وتوعية ضمن مختلف قنوات التنشئة المجتمعية . إن المستقبل مرهون بالشعوب القادرة على إحياء مخزونها الحضاري والثقافي، ببناء مشروع مجتمعي متوافق مع خصوصيات كل ثقافة، من أجل مناعة أفضل لعالم ما بعد العولمة.
هل يستحق قرار تحويل متحف آيا صوفيا إلى مسجد كل هذا اللغط؟ قد يكون الأمر أبسط من ذلك حينما نتناوله في سياقه القانوني والسياسي، لكنه أكثر تعقيدا حينما يمتزج بصيرورة التاريخ ودلالته الرمزية. إن توقيت...
إن أهم ما يسم العالم ما بعد «كورونا» هو وضوح الصراع الحضاري وانكشاف خلفياته، فضلاً عن تجلّي المبرّرات الأيديولوجية التي تحكم دعاة صدام الحضارات. إذا كانت الخلفية الفلسفية للصدام تؤطرها الفلسفة الهيجيلية التي تدّعي الضرورة...
إن أكثر الدول قلقاً ممّا يحدث في أميركا هي الكيان الصهيوني، باعتبار أن أي تغيير في مصير أميركا سيجعل لا محالة مصير هذا الكيان مجهولاً، لا أعتقد أن هناك شيئاً اسمه إسرائيل خارج نطاق النبوءات...
من الأسباب الجوهرية التي تعلن عن بداية نهاية أميركا، هيمنة العقائد الدينية على السياسة الأميركية، إن استقصاء بسيطاً لبعض هذه النبوءات، سيفسّر العديد من الألغاز والأحداث التي تعتمل الآن، وتبدو غير منطقية في السياسات الأميركية...
إن من أسباب سقوط الإمبراطوريات العظمى، ما أسمّيه اختلال العقل الأخلاقي العام، وهي فرضية لا تخرج عن نطاق الحتميات التاريخية التي هيمنت على بعض فلاسفة التاريخ، وتستند إلى منطقين أخلاقيين: الأول هو الحتمية الهيجيلية التي...
إن صناعة الخوف من أكثر مظاهر الشمولية شيوعاً، لأنها تنفذ إلى أعماق الطبيعة الإنسانية المفعمة بغريزة حب البقاء والرغبة في تفادي الموت، لقد تفنّن الفكر الشمولي في سعيه لتبرير الاستبداد في إبداع قواعد ذهبية لصناعة...
إذا كان عصر الحرية المُستلهَم من روح الأنوار وفلسفات الحق الحداثية، التي اختزلها «ستيوارت ميل» في عبارة: «إن للفرد سلطاناً مطلقاً على نفسه وجسمه وفكره»، والتي ظلّت شعاراً لعصر الحرية المفرط في فردانيته؛ كما أن...
إن من أكثر أوجه الشمولية بشاعة هو التَحكُّم في رقاب العباد عن طريق ابتكار أساليب رقابة شاملة، كلما كانت مبتكرة وكاسحة كلما ازدادت سطوتها. إن الحقيقة غير المُعْلَنة لهذه الرقابة الشاملة ذات امتداد ميثولوجي ،...
لقد استعرنا عبارة «هيجل»: «خبث العقل الكلي» كمفهوم مرتبط بالوعي التاريخي؛ حيث يستعين الروح المطلق في سعيه إلى الاكتمال بشخصيات مؤثّرة في حركة التاريخ؛ حيث تتكامل المصالح الجزئية لهذه الشخصيات مع إرادة الروح الكلية. إن...
إن أطروحة الحتمية الكونية التي بشرّتنا بها العولمة كصيرورة حضارية، تبرير نظري لمشروع هيمنة السيد العقلاني على الإنسان الشرقي الغارق في الضلالات والتعصب؛ ولعلّ كتاب ليفي بريل «العقل البدائي» إنجيل كل التصورات المدافعة عن عولمة...
إذا كان تهديد الحروب النووية جعل من الدولة العالمية أمراً ضرورياً يفرضه المنطق، فإن الحروب البيولوجية -أو ما أسماه زيجموند باومان بـ "الخوف السائل" الناتج عن الانفتاح الفاسد للمجتمعات بفعل العولمة السلبية (أسواق بلا حدود)...
خلف هذا السؤال هناك حقيقة ثاوية ومحرجة نوعاً ما، هل نحن أمام إمبريالية جديدة؟ وهل حضور الصين كقوة عالمية اليوم، يرشحها لأن تلعب هذا الدور بدلاً عن الريادة الغربية بقيادة أميركا؟ لكن قبل ذلك، ما...