


عدد المقالات 18
إن من أكثر أوجه الشمولية بشاعة هو التَحكُّم في رقاب العباد عن طريق ابتكار أساليب رقابة شاملة، كلما كانت مبتكرة وكاسحة كلما ازدادت سطوتها. إن الحقيقة غير المُعْلَنة لهذه الرقابة الشاملة ذات امتداد ميثولوجي ، حيث سعى الإنسان جاهداً إلى تقمّص سلطة الآلهة، من خلال استبدال الحضور الروحاني المتجذّر في كل الثقافات، بعقيدة الإنسان الأرقى . لقد ابتكر الإنسان على مر العصور أشكالاً من العبودية وأنماطاً من الاستلاب والتحكُّم، أقصاها ما ابتكره الإنسان الأرقى ليتسيَّد العالم، حالة عصر الاستهلاك والفردانية المُغْرِضَة التي طبعت هوية المجتمع الصناعي. إن عصر الاستهلاك لا يمكن توصيفه فقط بحركة تشكيل هائلة لذهنية الاستهلاك، أو ما أسماه «جيل ليبوفسكي» «مجتمعات الإفراط في الاستهلاك»، بل أشدها فتكاً هو اقتحام فضاءات اجتماعية حساسة (الأسرة، المدرسة...)، وعلاقات إنسانية حميمية (الزواج، الأكل، اللباس، الاحتفال...). بل إن عصر الاستهلاك أنتج نسقاً ثقافيا مُسْتَلِبا للإرادة الإنسانية إلى درجة نفي الذات (الإدمان الإلكتروني، الإدمان على الماركات والموضة، سلطة الجسد الرشيق...). لقد تميّز عصر الاستهلاك بعبودية طوعية لا واعية، متمثلة في سلطة التأثير والتحكّم عن بعد في وعي واختيارات الأفراد (الجمالية، الأخلاقية، الفكرية). ورغم أن هذه الحالة قد تُقْحِمُ الإنسان في صيرورة استعباد طوعيَّة، إلا أنها تبقى محدودة وغير قادرة على فرض هيمنتها على الجميع (غير شمولية). إن العالم اليوم يشهد منعطفاً وجودياً وأخلاقياً خطيراً، بالانتقال من نمط التحكُّم عن بعد (عصر الاستهلاك)، إلى التحكُّم المباشر والشامل (عصر الرقابة). وهو ما يعني الاتجاه نحو شمولية من نوع جديد، أكثر انتشاراً واستقطاباً، وأقْدَر على التحكم والإذلال؛ فإذا كانت الأولى قائمة على الرفاه وتشجيع الاستهلاك، فإن الثانية قائمة على عقيدة تعميم الخوف والفقر والهشاشة. إن العبودية المستندة إلى سلطة الرقابة عبودية شاملة قَسْرِيَّة، لا تتأسس على شرط القابلية للاستهلاك والتعبئة التضليلية للإعلام؛ بل إنها تنزع نحو فرض هيمنتها كلياً على الإنسان، كي تستوعب حركة الوعي المضاد لهيمنة العبودية الاستهلاكية (الكائنات الأتراكسية)، التي تسعى إلى تحقيق التوازن بين ما نرغب فيه وما يمكن لنا تحقيقه. إن المؤشرات الحالية تؤكد اتجاه العديد من الأنظمة إلى استصدار قوانين داعمة للعبودية الجديدة، هناك مبادرات تشريع في ألمانيا حالياً ودول أخرى على الطريق، تتجه نحو إجبارية التلقيح تحت طائلة فقدان الحقوق المدنية، كما أن الاستغلال المُفرط لحالة الضرورة المُبَطَّنَة بإنسانية زائفة (الأمن الحيوي)، مقدمة لولوج عصر العبودية الجديد. إن هذا التوجّه المُريب قد يدعم فرضية زرع شرائح ذاكرة نانومترية، ضمن حملات التلقيح القَسْرِيَّة المُرْتَقَبَة، كعملية انتقال إلى الرقابة الشاملة، وربما الحرب المُعلنة على الجيل الخامس (5G) تدعم فرضية الرقابة الإلكترونية المعزّزة بسطوة التكنولوجيا الحيوية. إن الانتقال من عبودية الاستهلاك الطوعية إلى عبودية الرقابة الإلكترونية الشاملة، هو في نفس الآن تحول من العبودية الاقتصادية (الإنسان المفرط في الاستهلاك)، التي أدت إلى خلق حركة استلاب غير واعية، تعكس الروح الإنسانية المُنْسَحِقَة أمام سطوة الدعاية وصناعة الخواء الروحي؛ إلى عبودية شاملة (الإنسان المُسْتَبَاح) ستؤدي إلى ما أسميه «انْتِفَاء الخُصُوصِيَّة»، أو على حد تعبير زيجمونت باومان «المراقبة السائلة»، أي منظومة متابعة وتعقّب مُمَنْهج، تعكس سهولة تحكم التكنولوجيا في الوعي بالذات. إن توظيف الرقابة الإلكترونية ليس مجرد انتهاك للحق في الخصوصية، بل إنها إلغاء لحدود الشخصية، من خلال النفاذ إلى أدق خصوصيات الأفراد، وتغيير في مسار تَشَكُّل الهوية المحددة لوعيهم بذواتهم، إنها عملية مُمَنْهَجة لإلغاء كينونة الأفراد واستبدالها بكيان يتحدث بدلاً عن الذات، ويستجيب لحالة استلاب واعية تتحكم في مصير الإنسان واختياراته. إن العبودية الجديدة مبنية على رقابة مرنة ومتغيرة (رقابة إلكترونية دقيقة) تقتحم حياتنا دون أن نشعر بوجودها، أو نستبين هوية من يقف وراءها (سلطة سياسية، شركة احتكارية، قراصنة...)، إنها تتسرب في كل مكان، وتنتشر في نواح كثيرة من اهتماماتنا قَلَّما كانت مُتاحة ومُستباحة، وقَلَّما ننتبه إلى تأثيرها في تفاصيل حياتنا وعلاقاتنا.
هل يستحق قرار تحويل متحف آيا صوفيا إلى مسجد كل هذا اللغط؟ قد يكون الأمر أبسط من ذلك حينما نتناوله في سياقه القانوني والسياسي، لكنه أكثر تعقيدا حينما يمتزج بصيرورة التاريخ ودلالته الرمزية. إن توقيت...
إن أهم ما يسم العالم ما بعد «كورونا» هو وضوح الصراع الحضاري وانكشاف خلفياته، فضلاً عن تجلّي المبرّرات الأيديولوجية التي تحكم دعاة صدام الحضارات. إذا كانت الخلفية الفلسفية للصدام تؤطرها الفلسفة الهيجيلية التي تدّعي الضرورة...
إن أكثر الدول قلقاً ممّا يحدث في أميركا هي الكيان الصهيوني، باعتبار أن أي تغيير في مصير أميركا سيجعل لا محالة مصير هذا الكيان مجهولاً، لا أعتقد أن هناك شيئاً اسمه إسرائيل خارج نطاق النبوءات...
من الأسباب الجوهرية التي تعلن عن بداية نهاية أميركا، هيمنة العقائد الدينية على السياسة الأميركية، إن استقصاء بسيطاً لبعض هذه النبوءات، سيفسّر العديد من الألغاز والأحداث التي تعتمل الآن، وتبدو غير منطقية في السياسات الأميركية...
إن من أسباب سقوط الإمبراطوريات العظمى، ما أسمّيه اختلال العقل الأخلاقي العام، وهي فرضية لا تخرج عن نطاق الحتميات التاريخية التي هيمنت على بعض فلاسفة التاريخ، وتستند إلى منطقين أخلاقيين: الأول هو الحتمية الهيجيلية التي...
إن صناعة الخوف من أكثر مظاهر الشمولية شيوعاً، لأنها تنفذ إلى أعماق الطبيعة الإنسانية المفعمة بغريزة حب البقاء والرغبة في تفادي الموت، لقد تفنّن الفكر الشمولي في سعيه لتبرير الاستبداد في إبداع قواعد ذهبية لصناعة...
إذا كان عصر الحرية المُستلهَم من روح الأنوار وفلسفات الحق الحداثية، التي اختزلها «ستيوارت ميل» في عبارة: «إن للفرد سلطاناً مطلقاً على نفسه وجسمه وفكره»، والتي ظلّت شعاراً لعصر الحرية المفرط في فردانيته؛ كما أن...
لقد استعرنا عبارة «هيجل»: «خبث العقل الكلي» كمفهوم مرتبط بالوعي التاريخي؛ حيث يستعين الروح المطلق في سعيه إلى الاكتمال بشخصيات مؤثّرة في حركة التاريخ؛ حيث تتكامل المصالح الجزئية لهذه الشخصيات مع إرادة الروح الكلية. إن...
إن أطروحة الحتمية الكونية التي بشرّتنا بها العولمة كصيرورة حضارية، تبرير نظري لمشروع هيمنة السيد العقلاني على الإنسان الشرقي الغارق في الضلالات والتعصب؛ ولعلّ كتاب ليفي بريل «العقل البدائي» إنجيل كل التصورات المدافعة عن عولمة...
كل الدول تسارع في البحث عن سياسات صحية مناسبة لاحتواء جائحة «كورونا»، وفي غمرة البحث هذه يُطرَح سؤال حيوي: هل نحن بحاجة فقط إلى مناعة حيوية (بروتوكول علاجي) أم مناعة ضمير (بروتوكول أخلاقي/ وقائي)؟ الأمر...
إذا كان تهديد الحروب النووية جعل من الدولة العالمية أمراً ضرورياً يفرضه المنطق، فإن الحروب البيولوجية -أو ما أسماه زيجموند باومان بـ "الخوف السائل" الناتج عن الانفتاح الفاسد للمجتمعات بفعل العولمة السلبية (أسواق بلا حدود)...
خلف هذا السؤال هناك حقيقة ثاوية ومحرجة نوعاً ما، هل نحن أمام إمبريالية جديدة؟ وهل حضور الصين كقوة عالمية اليوم، يرشحها لأن تلعب هذا الدور بدلاً عن الريادة الغربية بقيادة أميركا؟ لكن قبل ذلك، ما...