alsharq

د. سعيد العلام

عدد المقالات 18

العولمة وضد العولمة.. وجهان لهيمنة واحدة

30 أبريل 2020 , 02:43ص

إن أطروحة الحتمية الكونية التي بشرّتنا بها العولمة كصيرورة حضارية، تبرير نظري لمشروع هيمنة السيد العقلاني على الإنسان الشرقي الغارق في الضلالات والتعصب؛ ولعلّ كتاب ليفي بريل «العقل البدائي» إنجيل كل التصورات المدافعة عن عولمة قَسْرية لا ترى أمامها إلا نظام السوق وقيم الربح. إن خطاب العولمة يجد سنده الكبير في الأنثروبولوجيا الاستعمارية المتمركزة حول العرض وحول ثنائية شعوب بدائية / شعوب عقلانية متحضرة. إن الدعوة إلى هوية ثقافية متعالية مفصولة عن واقعها لن تساهم إلا في تكريس الاغتراب وتبرير جدلية «العبد والسيد» وتكريس إرادة العولمة والهيمنة. وهو ما يدفعنا للقول مع «اسوالد اشبنغلر»، لا يوجد التماثل بين الحضارات، كل حضارة هي تاريخ مستقل بذاته، وإذا ما تأثّر بتاريخ أية حضارة أخرى، فإنما لا يعبّر أبداً عن جوهرها. إن لكل حضارة صيرورة واتجاهاً وزمناً ومصيراً. هذا الأمر ولّد توتّراً حادّاً بين نزعتين متطرفتين في عالمنا العربي/ الإسلامي لا تسمحان بأفق للتقدم: النزعة الأولى تتجه نحو الانفتاح والانخراط اللامشروط في العولمة وتنتصر إلى القيم الكونية (بعض التيارات الحداثية). أما النزعة الثانية فتصرّ على صيانة الهوية من أي اعتداء خارجي وتنهمك في المحافظة على نقاء رموزها الثقافية من أي اختلاط (بعض التيارات المحافظة). الواقع أن القيم الكونية تهلك في العولمة (عولمة القيم الحداثية)، وعولمة التبادلات تضع نهاية لكينونة القيم، وهو ما يعكس السلطة الجهنمية التي عبر عنها «جان بودريار» بأن الكوني قد تعولم والديمقراطية وحقوق الإنسان تعبر الحدود كأي نتاج عالمي كالنفط ورؤوس الأموال. إن الخلط الذي وقع فيه البعض حول معاني الكوني والعالمي والعولمي، قد يكون مبرراً لبروز نمط من ثقافة العولمة وعولمة الثقافة تتمثّل في نزوع نمط ثقافي واحد نحو بلوغ العالمية وإقصاء البقية، وفي بروز مجتمعات تتقاسم روابط ثقافية وتتعاون مع بعضها البعض في المهمش والأطراف؛ حيث تصرّ بعض الثقافات على تأكيد خصوصياتها ومقاومة العولمة. إننا لسنا ضد الكونية (تعميم القيم الحداثية)، ولا مع مناهضة الكونية (الانغلاق والتمركز حول الذات)؛ ولكننا نفترض إنتاج ثقافة عالمية بديلة تسمح بالخصوصية لتجد مكاناً لها في هذه المنظومة الكلية، بشرط أن تكون هذه الخصوصية موجهة نحو المستقبل ومتصالحة مع الماضي. إن الهوية المنشودة هي تقاطع وتلاقح بين الثقافات عبر التواصل الحضاري. إن مطلب التواصل الحضاري هو -أولاً وقبل كل شيء- مطلب حوار متبادل يكون كل طرف فيه فاعلاً و منفعلاً، غيرأن الانفعال هنا لا يجب أن يُفهم على أساس سلبي، يضع سؤال الهوية موضع خطر، بل يجب أن يكون حوار الثقافات مبشراً بإثراء فكري وانفتاح حضاري، قادراً على تحقيق رهان التحضر، وعلى تجذير الهويات وتأكيد خصوبتها وخصوصيتها في معزل عن التعصب والعنف والإقصاء الرمزي. وهذا ما سيؤدي إلى «المثاقفة» باعتبارها شحذاً للرؤية الحضارية وتأكيداً لبينذاتية (Intersubjectivité) معانقة للكوني ومؤسسة لبينثقافية (Inter culturalité) يكون الإنسان هاجسها الأول و الأخير. يُفهم من التواصل الحضاري أيضاً التوجه نحو بناء قيم الانفتاح المبنية على الفعل وليس الانفعال، أي رفض منطق الانغلاق؛ لأن الانغلاق هو بمثابة إعلان عن موت ثقافة ما؛ لأنها تخشى الالتقاء بالآخر والتفاعل، وهو ما يصبح معه التواصل الحضاري تعبيراً عن ما نعيشه كمجتمع له خصوصية ثقافية، وما نشترك فيه مع ثقافات أخرى من قيم إنسانية مرتبطة بالكائن في كليته، قوامها قيم كونية ينبغي احترامها والدفاع عنها (الكرامة الإنسانية) ومشاكل كونية تجمع الإنسانية في مصير واحد (التضامن الإنساني).

آيا صوفيا مسجدا: ملامح صدام حضاري

هل يستحق قرار تحويل متحف آيا صوفيا إلى مسجد كل هذا اللغط؟ قد يكون الأمر أبسط من ذلك حينما نتناوله في سياقه القانوني والسياسي، لكنه أكثر تعقيدا حينما يمتزج بصيرورة التاريخ ودلالته الرمزية. إن توقيت...

مستقبل الإسلام ما بعد جائحة «كورونا»: صدام البرابرة

إن أهم ما يسم العالم ما بعد «كورونا» هو وضوح الصراع الحضاري وانكشاف خلفياته، فضلاً عن تجلّي المبرّرات الأيديولوجية التي تحكم دعاة صدام الحضارات. إذا كانت الخلفية الفلسفية للصدام تؤطرها الفلسفة الهيجيلية التي تدّعي الضرورة...

الربيع الأميركي: مصير إسرائيل

إن أكثر الدول قلقاً ممّا يحدث في أميركا هي الكيان الصهيوني، باعتبار أن أي تغيير في مصير أميركا سيجعل لا محالة مصير هذا الكيان مجهولاً، لا أعتقد أن هناك شيئاً اسمه إسرائيل خارج نطاق النبوءات...

الربيع الأميركي: النبوءة والسياسة

من الأسباب الجوهرية التي تعلن عن بداية نهاية أميركا، هيمنة العقائد الدينية على السياسة الأميركية، إن استقصاء بسيطاً لبعض هذه النبوءات، سيفسّر العديد من الألغاز والأحداث التي تعتمل الآن، وتبدو غير منطقية في السياسات الأميركية...

الربيع الأميركي: اختلال العقل الأخلاقي العام

إن من أسباب سقوط الإمبراطوريات العظمى، ما أسمّيه اختلال العقل الأخلاقي العام، وهي فرضية لا تخرج عن نطاق الحتميات التاريخية التي هيمنت على بعض فلاسفة التاريخ، وتستند إلى منطقين أخلاقيين: الأول هو الحتمية الهيجيلية التي...

تفاهة الشمولية: الأمن الحيوي وعولمة الخوف

إن صناعة الخوف من أكثر مظاهر الشمولية شيوعاً، لأنها تنفذ إلى أعماق الطبيعة الإنسانية المفعمة بغريزة حب البقاء والرغبة في تفادي الموت، لقد تفنّن الفكر الشمولي في سعيه لتبرير الاستبداد في إبداع قواعد ذهبية لصناعة...

تفاهة الشمولية: أفول عصر الحرية

إذا كان عصر الحرية المُستلهَم من روح الأنوار وفلسفات الحق الحداثية، التي اختزلها «ستيوارت ميل» في عبارة: «إن للفرد سلطاناً مطلقاً على نفسه وجسمه وفكره»، والتي ظلّت شعاراً لعصر الحرية المفرط في فردانيته؛ كما أن...

تفاهة الشمولية: من عصر الاستهلاك إلى عصر الرقابة

إن من أكثر أوجه الشمولية بشاعة هو التَحكُّم في رقاب العباد عن طريق ابتكار أساليب رقابة شاملة، كلما كانت مبتكرة وكاسحة كلما ازدادت سطوتها. إن الحقيقة غير المُعْلَنة لهذه الرقابة الشاملة ذات امتداد ميثولوجي ،...

تفاهة الشمولية: خبث العقل الكلي

لقد استعرنا عبارة «هيجل»: «خبث العقل الكلي» كمفهوم مرتبط بالوعي التاريخي؛ حيث يستعين الروح المطلق في سعيه إلى الاكتمال بشخصيات مؤثّرة في حركة التاريخ؛ حيث تتكامل المصالح الجزئية لهذه الشخصيات مع إرادة الروح الكلية. إن...

تداعيات جائحة «كورونا»: مناعة القطيع أم مناعة الضمير؟

كل الدول تسارع في البحث عن سياسات صحية مناسبة لاحتواء جائحة «كورونا»، وفي غمرة البحث هذه يُطرَح سؤال حيوي: هل نحن بحاجة فقط إلى مناعة حيوية (بروتوكول علاجي) أم مناعة ضمير (بروتوكول أخلاقي/ وقائي)؟ الأمر...

تداعيات جائحة كورونا: سلام الشعوب بدلاً من سلام الدول

إذا كان تهديد الحروب النووية جعل من الدولة العالمية أمراً ضرورياً يفرضه المنطق، فإن الحروب البيولوجية -أو ما أسماه زيجموند باومان بـ "الخوف السائل" الناتج عن الانفتاح الفاسد للمجتمعات بفعل العولمة السلبية (أسواق بلا حدود)...

هل الصين إمبريالية جديدة؟

خلف هذا السؤال هناك حقيقة ثاوية ومحرجة نوعاً ما، هل نحن أمام إمبريالية جديدة؟ وهل حضور الصين كقوة عالمية اليوم، يرشحها لأن تلعب هذا الدور بدلاً عن الريادة الغربية بقيادة أميركا؟ لكن قبل ذلك، ما...