6 أبريل.. نموذجاً!!
17 أبريل 2014 , 12:00ص
قلناها ذات مرة: إن هناك ثلاث جهات دفعت ثمن حفاظ الدولة العميقة في مصر على مصالحها المستقرة منذ ثورة 23 يوليو 1952، والتي تجسدت في حكم المؤسسة العسكرية لكل مفاصل الدولة المصرية ولكن برداء مدني، فحكام مصر منذ ذلك التاريخ ينتمون إلى المؤسسة العسكرية بعد أن تخلوا عن أرديتهم العسكرية سواء في ذلك محمد نجيب أو عبدالناصر أو السادات والأخير حسني مبارك، الاستثناء الوحيد كان الرئيس محمد مرسي ولهذا كان من الضروري العمل على إزاحته فهو أول رئيس مدني في التاريخ المصري الحديث والصدفة تدخلت أن ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين، ولعل الجهات الثلاث التي تحدثنا عنهم هم مشروع التوريث فهو يعني ببساطة أن يتولى جمال مبارك السلطة خلفاً لوالده مما يهدد مصالح المؤسسة العسكرية فهو مدني وابن رئيس الجمهورية المنتمي إلى المؤسسة العسكرية وصاحب أفضال على قادة تلك المؤسسة ولهذا فهي لم تجاهر أبداً برفضها للتوريث إلا بعد وضع حد له في أعقاب ثورة 25 يناير 2011، وكان من الصعب أن تقبل به المؤسسة في ظل رفض الجماهير له وصغر سنه وارتباطه بمصالح مجموعة من رجال أعمال قد لا تتوافق مع مصالح المؤسسة، أما الجهة الثانية فهي جماعة الإخوان المسلمين التي ظلت في طليعة المعارضين لكل الأنظمة السابقة والتي دخلت في مواجهات متباينة ومختلفة الأحجام والأشكال وإن كانت قد نجحت في الاحتفاظ بالتنظيم بل وزادت شعبيتها ووجودها في أوساط الجماهير بحجم المساعدات والخدمات التي قدمتها للمواطنين بعد تراجع الدولة سواء في مجال الصحة والتعليم وغيرها، وكان من المهم العمل على كسر شوكتها والتنكيل بها باستخدام كل الأساليب والأدوات -الإعلام والقضاء والأمن وكل أركان الدولة العميقة. أما المجموعة الثالثة فهي الحركات والتيارات السياسية والشبابية التي ظهرت إلى الوجود منذ 2005 ومنها حركة كفاية والجبهة الوطنية للتغيير وبعض النقابات المهنية الصحافيين والمحامين ونادي القضاة وحركة 9 مارس المطالبة باستقلال الجامعات وأخيراً حركة شباب 6 أبريل. ولعل الحركة الأخيرة هي النموذج الأفضل للتأكيد على حقيقة التغييرات التي حدثت في مصر في خلال السنوات السابقة، وعلى وجه التحديد بعد 25 يناير 2011 وحتى الآن فقد كانت الحركة إحدى المحركات المهمة للتغيير في مصر منذ إنشائها في نفس التاريخ عام 2008 وتحتفل بالذكرى الثامنة لمولدها والتي بدأت مترافقة مع دعوة عمال المحلة الكبرى في مصر إلى الإضراب، عندما طالبت وعملت أن يكون الإضراب في كل أنحاء مصر دون قصره على عمال المحلة الكبرى وكان الشعار يومها «خليك بالبيت» والذي نجح بصورة مذهلة وهم مجموعة من الشباب غير المنتمي إلى أي تيارات سياسية أو أحزاب معروفة سواء اليسار أو التيار الديني، كما أنهم استخدموا أدوات غير مألوفة في الحشد والعمل السياسي ومنها الإنترنت والفيس بوك وسط استهانة الدولة وقوى الأمن بهم أو بتحركاتهم رغم تكرارها في مناسبات مختلفة منذ ذلك التاريخ، واستمروا في العمل في أوساط الشباب منذ ذلك التاريخ حيث كانوا أحد الداعين إلى الحشد الجماهيري في 25 يناير مع قوى سياسية أخرى حتى نجحت في مسعاها وتم خلع مبارك في 11 فبراير من نفس العام 2011.
وكانت حركة 6 أبريل من التنظيمات القليلة التي تميزت بالنقاء الثوري ولم تتلوث ورفعت أثناء الفترة الانتقالية للمجلس العسكري شعار «يسقط حكم العسكر»» وطالبت بسرعة تسليم الحكم للمدنيين، وهي بهذا شاركت في كل الاحتجاجات التي أعقبت الثورة بينما البعض كان يفاوض ويتعامل مع القضية بحثاً عن مكاسب أو الحصول على «تورتة ما بعد الثورة»، وكان من الطبيعي أن تتم محاصرتها ومعاقبتها منذ ذلك التاريخ فقد بدأت حملات التخوين وبدأ الجميع في ترديد نفس الاتهامات التي وجهت للحركة في زمن المخلوع حسني مبارك بتلقي أموال من الخارج وتدريبات في صربيا وأماكن أخرى لزعزعة الاستقرار في مصر وقلب نظام الحكم، ووصل الأمر إلى اتهام الحركة في بيان رسمي شهير رقم 69 من المجلس العسكري بتحريض الشعب ضد الجيش وترديد نفس الاتهامات السابقة على لسان أحد قادة الجيش وهو اللواء حسن الرويني قائد المنطقة العسكرية في ذلك الوقت رغم أنه لم يقدم أياً من أعضائها إلى المحاكمة بأي من تلك التهم التي ظلت تتردد فقط في أجهزة الإعلام والأوساط القريبة من السلطات الحاكمة، كما أن لجان تقصي الحقائق التي تم تشكيلها بعد ثورة 25 يناير لم تثبت أي تهم على الحركة وأهمها التقرير الذي صدر في أواخر شهر أكتوبر 2011 الذي برأ ذمة الحركة، كما أن الحكومة قدمت إلى القضاء قضية حول التمويل الأجنبي لم يكن أياً من أعضاء الحركة جزءاً منها. ومع ذلك استمرت الاتهامات ووصل الأمر إلى أن البعض ربط بين الحركة وتيارات وجماعات دينية يهودية رابطاً بين اختيار الحركة لـ6 أبريل وعيد الفصح عند اليهود وهو يوم خروجهم من مصر في زمن سيدنا موسى عليه السلام، كما أن من عادة اليهود في ذلك اليوم البقاء في المنازل والتوقف عن أي نشاط، وقال البعض إن 6 أبريل أحد فروع منظمة ترتبط بالمسيحية اليهودية التي تبشر بقرب نهاية العالم وتسعى إلى إقامة هيكل سليمان ومن أبرز أعضائها بوش الابن وكونداليزا رايس التي بشرت بالشرق الأوسط الكبير.
واستمر مخطط العقاب الذي اتخذ أشكالا مختلفة خاصة مع استمرار وجود الحركة في صفوف المعارضة في كل الأنظمة التي أعقبت مرحلة ما قبل وبعد ثورة 25 يناير وكانت محاولات تقسيم الحركة والعمل على تقزيمها والتي نجحت إلى حد كبير وأصبحنا أمام أكثر من تيار، كل يؤكد أن الأصل الأول حركة 6 أبريل جبهة أحمد ماهر وتضم القوام الرئيس للحركة و6 أبريل الجبهة الديمقراطية وظهرت في أغسطس 2011 بحجة رفض أحمد ماهر التخلي عن موقع المنسق العام للحركة وهناك حزب 6 أبريل ويسعى إلى إعلانه طارق الخولي منذ سبتمبر 2012 فتم فصله من الحركة وأحرار 6 أبريل والتي انشقت عن الحركة الأم بسب الخلاف حول شرعية الرئيس محمد مرسي وقبول عزله، وقد تباينت مواقف الحركة سياسياً فكانت ضد المجلس العسكري وأيدت محمد مرسي في انتخابات الإعادة ووقفت ضد نجاح أحمد شفيق آخر رئيس وزراء مبارك ولكنها سارعت أيضاً إلى انتقاد حكم الدكتور محمد مرسي وأعلنت فشله في تنفيذ وعود المائة يوم واستمرت في الخروج ضده وضد قراراته على أساس أنها مع مدنية الدولة وضد الأخونة، وكانت من المشاركين في مظاهرات 30 يونيو.
وقامت الحركة بمراجعة مواقفها بعد ذلك في ظل الممارسات التي تميزت بها تلك الفترة من إهدار للحريات العامة وعارضت قانون التظاهر ووصفته بأنه مقيد للحريات العامة وخرجت في تظاهرة احتجاجية ضد القانون في 28 نوفمبر الماضي؛ حيث ألقت قوات الأمن القبض على مؤسس الحركة أحمد ماهر المنسق العام للحركة ومحمد عادل المتحدث الإعلامي باسمها وقدما إلى المحاكمة التي أصدرت حكماً بالسجن ثلاث سنوات عليهما ومعهم أحمد دومة أحد النشطاء السياسيين والذي آثار ردود أفعال وانتقادات واسعة في أوساط غربية لمثل هذا الحكم، وما زالت الحركة الأم تعاني من حالة عدم وضوح الرؤية في تحركاتها القادمة وتحالفاتها ومن ذلك موقفها من تحالف دعم الشرعية فهي تعلن رفضها لعسكرة الدولة وأنها ضد الإخوان معاً، كما أن جزءاً منها يؤيد مواقف النظام الانتقالي ومنهم طارق الخولي ولكن كثيراً منهم ضد ترشيح عبدالفتاح السيسي ولكنهم لم يعلنوا صراحة تأييدهم لأي من المرشحين الآخرين، كما كشفت الفترة السابقة عن تراجع قدرتها على الحشد.
والأيام القادمة ستكشف عن مدى قدرتها على الاستمرار في العمل النضالي كأحد فصائل المعارضة أو يمكن أن يطويها النسيان.