اعمار هش!!
16 أكتوبر 2014 , 07:54ص
لعل من تبسيط الأمور، قصر النظر على نتائج مؤتمر إعمار غزة، الذي أنهى أعماله، بداية هذا الأسبوع بالقاهرة، على حجم التعهدات المالية، التي قدمها عدد من دول العالم، والتي وصلت إلى 5.4 مليار دولار، ذلك أن الرقم بهذه الصورة يبدو خادعا، ويخفي حجم التعقيد الشديد في القضية، خاصة أن التعهدات المضمونة في معظمها جاءت من دول عربية وتحديدا خليجية، ووصلت إلى مليار دولار من قطر، صاحبة الإسهام الأكبر في عمليات إعادة الأعمار ودعم الشعب الفلسطيني في كل أزماته الأخيرة، ناهيك عن نصف مليار تردد أن السعودية ستقدمها، و200 مليون من الكويت، ومثلها من دولة الإمارات، كما أن الرقم تجاوز ما كانت تطالب به السلطة الوطنية الفلسطينية، والذي حددته بـ4 مليارات دولار.
??وعلينا أن نعترف أننا أمام مأساة إنسانية بكل المقاييس، يعيشها القطاع بصفة خاصة، والشعب الفلسطيني بصفة عامة، يتحمل العالم كله مسؤولية وجودها واستمرارها، مرتين، فقد أصبح العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني عادة منتظمة كل عامين، فقد تعرض القطاع لثلاث حروب خلال ست سنوات، عام 2009 و2012 و2014، رصد الرئيس محمود عباس نتائجها بالأرقام أمام المؤتمر، عندما أشار إلى سقوط 3770 شهيدا، منهم 2145 في العدوان الأخير، والجرحى إلى 18100 منهم 11200 في العدوان الأخير، وتدمير وتضرر 80 ألف منزل ومؤسسة منها 61800 في العدوان الأخير في رمضان الماضي، ناهيك عن تضرر مرافق البنية التحتية، ومحطة الكهرباء الوحيدة في القطاع، وشبكات المياه، والصرف الصحي، والاتصالات، والنقل. وما زال هناك آلاف الأسر التي شردت، منها 100 ألف من دون مأوى إلى الآن، وبعضهم لم يتم إعادة بناء منزله منذ عام 2009. ولعل المجتمع الدولي الذي سارع للمشاركة في مؤتمر إعادة أعمار غزة يعي حقيقة مسؤولياته، التي يجب أن تنصب في الأساس علي قضية وقف العدوان، وإيجاد حل عادل ودائم وشامل للقضية الفلسطينية، دون أن يتوقف على علاج آثار ذلك العدوان، خاصة أنه في هذه الحالة كمن «يحرث في البحر»، إذا سعى كل مرة إلى المشاركة في مؤتمرات كهذه نتيجة عدوان متكرر من إسرائيل.
??وهناك أكثر من اعتبار وسبب لذلك التحفظ والحذر الذي يجب أن نتعامل به مع الأرقام الواردة في تعهدات العديد من الدول والتجمعات، ومنها الخبرات القديمة، فقد سبق لمصر في العام 2009 أن استضافت في مدينة شرم الشيخ مؤتمرا مشابها في ظروفه وكافة تفاصيله، ووصل حجم التعهدات إلى 6.4 مليار دولار، لم تتسلم منها السلطة سوى أقل من 150 مليون دولار، لاحظ الفرق الضخم بين الرقمين، وقد يعود الأمر في تفسير البعض، ومنهم الرئيس عباس نفسه إلى الظروف التي كانت عليها الأمور في تلك الفترة، ومن ذلك سيطرة حماس على القطاع، مما عوق عمليات وصول المعونات، أو البدء في الإعمار من كثير من دول العالم التي تحفظت أصلا على التعامل مع حماس على الصعيد السياسي منذ فوزها بالانتخابات البرلمانية.
??وقد نجح الفلسطينيون بجميع فصائلهم، ومعهم السلطة الوطنية، في سد الذرائع التي يمكن أن يستخدمها أي طرف في التهرب من استحقاقاته، من خلال العديد من الخطوات الهامة خلال الأيام الماضية على صعيد المصالحة الفلسطينية، وأحد أهم المؤشرات على ذلك الاجتماع الأول لحكومة التوافق الفلسطيني منذ تشكيلها في مايو الماضي في قطاع غزة، وكان من الملاحظ الحفاوة الشديدة التي لاقها رئيس الوزراء، وأعضاء الحكومة أثناء وجودهم في القطاع، خاصة عندما حدد مهمة وزارته في إعادة إعمار القطاع، وتوحيد المؤسسات، كما أن شكل المشاركة الفلسطينية التي اقتصرت على الحكومة الفلسطينية دون أي مساهمة من أي حزب أو فصيل، وأسلوب الإعداد لمتطلبات الأعمار كان متميزا، من خلال تحديد متطلبات كل مرحلة، وكافة القطاعات، فهناك حاجة عاجلة لـ414 مليون دولار، للتعاطي مع عدد من الأزمات الإنسانية التي خلفها العدوان 1.2 مليار للنهوض بالاقتصاد، وترميم المستشفيات والمؤسسات والمنازل، والمبلغ المتبقي ويصل إلى 2.2 مليار، لإنعاش الاقتصاد والبنية التحتية في القطاع.
??ولعل التعقيد في قضية إعادة الأعمار أنها متشابكة مع ثلاثة مستويات متناقضة ومختلفة: الفلسطيني، والإسرائيلي، والدولي. فهي متعلقة بطبيعة العلاقة بين السلطة وحماس، خاصة أن بعض جوانبها يظل مبهما، ويكتنفه الغموض، صحيح أن حماس فتحت الباب على مصراعيه للسير خطوات باتجاه المصالحة، ولكن البعض فهم الأمر على أنه إعادة إنتاج للسلطة في غزة، ولم تتضح حتى الآن حدود سلطات حماس على كثير من الأمور في القطاع، ومنها إدارة المعابر مثلا والأمن، خاصة أن المصالحة لا تعني إحلال السلطة الفلسطينية وهو أمر مقبول وطبيعي، ولكن في إطار صفقة كاملة، إذا جاز التعبير، تتعلق بصرف مرتبات 45 ألف موظف، وتثبيت 10 آلاف منهم تم تعينهم منذ 2005، يضاف إلى ذلك تفعيل عمل المجلس التشريعي، وإعادة هيكلة منظمة التحرير الفلسطينية لدخول حماس والجهاد كأطراف فاعلة في معادلة السلطة.
??وفيما يخص البعد الإسرائيلي فهي الطرف الوحيد والمهم في عمليات الدمار والعدوان على غزة، ولكن لا يمكن استبعاد دورها في تسهيل أو عرقلة عمليات الأعمار، خاصة أنها من يتحكم في المعابر، صحيح أن مصر تجاوزت فضيحة رغبة إسرائيل في المشاركة في المؤتمر، وكان الأمر يمكن أن يتحول إلى كوميديا سوداء، ويساهم في مقاطعة كثير من الدول العربية على الأقل في المؤتمر، ولكن هذا لا ينفي ضرورة وجود ضمانات دولية، من واشنطن والاتحاد الأوروبي، بعدم إقدام تل أبيب على عدوان جديد على القطاع، يذهب بكل جهود إعادة تعمير القطاع، بالإضافة إلى عدم عرقلتها لعملية تسهيل دخول مواد البناء على سبيل المثال.
??والغريب أن العلاقات الفلسطينية الأميركية ليست في أحسن أحوالها -وهذا هو البعد الثالث في أزمة الأعمار- نتيجة عدم قدرة واشنطن على الوفاء بتعهداتها بالوصول إلى اتفاق بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، نتيجة التعنت من الأخير، خلال المدة المقررة، وهي تسعة أشهر، مما دفع الطرف الفلسطيني للبحث عن بدائل، وآخرها اللجوء إلى مجلس الأمن للحصول على قرار بتحديد الأراضي الفلسطينية في عام 1967، واعتبار القدس عاصمة للدولة، وتحديد توقيت لإنهاء الاحتلال، ورسم الحدود المشتركة، وبعدها يمكن الذهاب للتفاوض حول قضايا المرحلة النهائية، مع توقعات كشف عنها أبو مازن من إمكانية أن تحصل السلطة على تسعة أصوات من أعضاء مجلس الأمن، حتى يمكن طرح القضية أمامه، وتوقعات باستخدام واشنطن للفيتو، مما يسمح بالسير في القضية، في اتجاه الانضمام إلى بقية الاتفاقيات والمنظمات الدولية، وإمكانية وقف كل أشكال التعاون والتعامل بين السلطة وإسرائيل، وإمكانية أن تدعو السلطة نتنياهو إلى تولي مسؤولية إدارة الأراضي الفلسطينية، باعتبار إسرائيل دولة احتلال، دون مبادرة من عباس نفسه بحل السلطة.
??هذه هي الصورة بكل تفاصيلها وتعقيداتها، بعيدا عن الآمال التي نتمنى أن تصبح حقيقة لنتائج مؤتمر إعادة الأعمار في غزة.