الأربعاء 17 ربيع الثاني / 02 ديسمبر 2020
 / 
06:20 م بتوقيت الدوحة

العالم ليس في أمان.. بين أوباما وبوتن

عبدالوهاب بدرخان
أضحت الأزمة السورية خلفيةً لتنافس مفهومين لـ «النظام الدولي» يدّعي كل منهما أنه، بلا شك، الأفضل بل الأكثر احتراماً للقانون الدولي. ولا شيء مؤكداً. فعلى العكس، كثيرون استنتجوا أن «الحرب الباردة» استعيدت بنسخة معدّلة قوامها أن يتبادل طرفاها الابتسامات والتحديات، بحسب الظروف، فيما يخوضان حرباً ساخنة جداً ودامية جداً، لكن بالوكالة. فلا جنود لهما في مرمى النار، ولا في حقول القتل بالغازات السامة، وطالما أن هناك شعوباً يقتتل أبناؤها فإنها تتيح لهما استدراج المكاسب والمصالح في المنازلة الكبرى، بأقل الجهد والأكلاف والخسائر. شكّلت المواجهة حول استخدام السلاح الكيماوي فرصة لاستكشاف مدى التزام المجتمع الدولي ما يقول إنها قِيمه. تبادل قطبا العالم اتهامات بالكذب والتلفيق. تبنّى الأميركي موقفاً لا يخلو من «الأخلاقية الإنسانية»، حتى أنه استحثّ بوارجه الحربية إلى المتوسط لتأكيد جدّية عزمه على معاقبة النظام السوري الذي لم يتردد في تجاوز «الخط الأحمر» وإعمال سلاح الإبادة في من يفترض أنهم أبناء شعبه. في المقابل، التزم الروسي نهج الإنكار للوقائع لإنكار مسؤولية حليفه النظام السوري، رغم علمه بأنه وحده يملك هذا السلاح وتقنيات استعماله، بل أسهم مع آخرين في بناء ترسانته منها. بدا الموقفان متعارضين تماماً، وخيّم مناخ حربي لـ «مهمة إنسانية» على المنطقة، ثم تبيّن أن أياً منهما لم يكن يقصد فعلاً ما يقوله؛ إذ برهنا استعدادهما لإيجاد «صفقة». فعندما أرغم فلاديمير بوتن بشّار الأسد على قبول التخلّي عن مخزونه الكيماوي كان الروسي يؤكد بذلك أنه يتهم حليفه بمجزرة غوطة دمشق في 21 أغسطس، لكنه ليس في معرض تجريمه ومحاكمته أو معاقبته وإنما يريد نزع فتيل عمل عسكري يخالف حساباته في إدارة الأزمة السورية. ومع ذلك لن يسمح بوتن للسوريين ولا للعالم بأن يفهموا المغزى الواقعي للتنازل الذي انتزعه من الأسد، بل يقترح عليهم ما يجب أن يفهموه: ليس في الأمر جريمة هنا، ولا داعي لأن نكون معنيين بالضحايا، فالمهم منع أميركا من ضرب سوريا منعاً لضرب النظام الحليف، والأهم منع أوباما من أن يصبح محارباً وربما بطلاً. رجل سلام بوتن؟ حتى هو لا يحب أن يُنظر إليه كذلك، لكنه يجد إزاءه رئيساً أميركياً تعرّف إلى سياسة الواقع من منظور المثقف وليس من منظور رجل الاستخبارات والعمل السرّي؛ لذلك لم يتردد في إعطاء نظيره الأميركي درساً -عبر مقال في «نيويورك تايمز»- فيما يجب أن تكون عليه سياسة الولايات المتحدة وفي الطريقة الفضلى لتطبيق النظام الدولي. لا شك أن في نقد بوتن للمغامرات الأميركية ينطوي على جوانب حقيقية خصوصاً في ضوء النتائج المعاشة في أفغانستان والعراق وليبيا، وحتى نقده لإدارة ملف الأزمة النووية مع إيران أو لمساعي حل الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي يتسم بالعمق، لكن سلوكيات بوتن والسياسات التي ينسجها، سواء في الجوار الجغرافي الأقرب والأبعد لروسيا أو في تعزيز سعي إيران إلى سلاح نووي، لا تنم عن رؤية طامحة إلى «تصحيح» خطايا النظام الدولي الذي تهيمن عليه أميركا منذ عقود. كل ما يفعله هذا الرئيس الروسي حالياً هو دفع الابتزازات إلى حدّها الأقصى للاستفادة من ضعف الرئيس الأميركي وتردده، وقد بيّنت مقاربته للمسألة السورية أنه وضع سقفاً عالياً للمساومة وثمناً باهظاً للتخلي عن حليفه السوري. في المقابل راح أوباما منذ بداياته في البيت الأبيض يتموضع كرئيس ساعٍ إلى تصفية حروب بلاده. ساعده في ذلك أن ظروف الأزمة المالية والاقتصادية تملي الانكباب على مشاكل الداخل، وهو ما استحق عليه إعادة انتخابه لولاية ثانية. وقد تكون جائزة «نوبل السلام» المبكرة، حتى قبل أن ينجز أي عمل من أجل السلام، رسّخته نمط تفكيره. لا أحد ينقض فكرة تصفية الحروب، لكن التخفف منها شيء ومعالجة أعبائها وتداعياتها شيء آخر، وفي حال الولايات المتحدة هناك الكثير من النزاعات التي صنعتها أو زادت في تعقيدها على سبيل توطيد زعامتها ثم لم تتوافر لديها الإرادة لحلّها، تحديداً بسبب مفهومها للزعامة ولممارستها. ورغم أن أوباما رسم قواعد محددة للتعامل مع الملف السوري، أبرزها عدم التدخل العسكري المباشر، فإن التردد والتلكؤ لم يتوصلا إلى إنتاج سياسة بديلة كما لم يحسنا إدارة الأزمة لا لمصلحة الشعب السوري (وهي الغاية المعلنة)، ولا لمصلحة منطقة الشرق الأوسط واستقرارها، ولا حتى لمصلحة أميركا وحلفائها (إلا إذا كانت هذه المصلحة تقتصر على ما تراه إسرائيل). وأظهرت التطوّرات أن النظام السوري وحليفيه الإيراني والروسي هم الذين استفادوا من الأزمة وإطالتها، ولم يشاركهم سوى الجماعات الموصوفة بالتطرف والإرهاب التي ينبري الجميع اليوم لاعتبارها الخطر القادم ليس في سوريا فحسب وإنما في عموم المنطقة. والواقع أن الولايات المتحدة وروسيا تتفقان على ضرورة مكافحة هذا الخطر، لكنهما تختلفان في تحديد طبيعته ومصادره. والأسوأ أن فشلهما في تحمّل مسؤولياتهما لم يساهم فقط في صنعه بل يواصل في تغذيته بإحباط الحلول السياسية الصحيحة وتأجيلها، وكلما تأخرتا تبدوان كأنهما تشتريان وقتاً لهذه الجماعات التي لا تنفك تتكاثر وتتوسع ولم تعد تشكل تهديداً للنظام السوري فيما باتت عبئاً على معارضيه. من هنا أن بوتن وأوباما يرتكبان أفظع الأخطاء، ولعل العالم لم يعد في أمان من جراء السلبية التي يتّبعانها تجاه طموحات الشعب السوري من جهة، والتهور الذي جعلهما صانعين مباشرين وغير مباشرين للإرهاب.