ليس في الأمر أي مصادفة، في خروج عمرو موسى وزير الخارجية الأسبق، والأمين العام السابق للجامعة العربية، ورئيس اللجنة المشكلة لوضع دستور 2014، وأحد المحسوبين على نظام ما بعد 3 يوليو، بهذه التصريحات الخطيرة، التي دعا فيها لإعداد الرأي العام المصري، لخطوة التدخل العسكري في ليبيا، على أساس أن الوضع خطير، ومن حق مصر القيام بهذه الخطوة، في إطار الدفاع عن النفس. ومثل هذه التصريحات من شخص، بمواصفات عمرو موسى السابقة، وفي ذلك التوقيت، وهو بعيد ولو شكليا عن دوائر صناعة القرار السياسي في مصر، يؤكد أن الأمر محل بحث وتداول، وأن التصريحات هي « بالونة اختبار»، لمعرفة ردود الأفعال، على مستوى الرأي العام المصري، ـــ إذا كان هناك من يهتم به ـــ وعلى المستوى العربي والإقليمي والدولي، وكل تلك المستويات وبصورة متفاوتة، مهتمة بالشأن الليبي، وتخشى من تداعياته، كما أن مثل هذه التصريحات،لا يمكن اعتبارها اجتهادا شخصيا للرجل، دون أن يكون هناك تنسيق، أو طلب مباشر من الرجل بذلك، خاصة وأنه من قاد الجامعة العربية أثناء توليه منصبه، إلى اتخاذ موقف مخالف لميثاق الجامعة، التي تعرف نفسها بأنها جامعة حكومات، ولا تمثل شعوبا، عندما قام بتجميد عضوية ليبيا في الجامعة، بعد ثورة 14 فبراير، وسخر الجامعة وقراراتها لتكون مظلة تم فيها اتخاذ قرار من الأمم المتحدة بالتدخل في الصراع الليبي ونتج عنه سقوط نظام العقيد معمر القذافي.
وقد قام بهذا الدور استكمالا لمواقفه من نظام مبارك، وتخليه عنه بعد ثورة 25 يناير في مصر، في إطار طموح شخصي، بإمكانية أن يمثل البديل المقبول، لأي نظام جديد في مصر بعد الثورة، وفي منصب الرئيس، وهو ما لم يتحقق، بعد فشله في الانتخابات الرئاسية في 2012، وقبوله في العمل في اللجنة الاستشارية، لحملة عبدالفتاح السيسي في الانتخابات الماضية، وسعيه ليكون رئيسا للبرلمان القادم، من خلال السعي إلى تشكيل تحالف برلماني واسع، يمثل الظهير السياسي للرئيس عبدالفتاح السيسي.
ولعل كل ما سبق، يدفعنا للتعامل بالجدية الكافية مع تلك التصريحات، خاصة أنها توافقت مع عدد من المؤشرات، منها دعوة الرئيس المصري نفسه أثناء المؤتمر الصحافي المشترك، الذي عقده مع رئيس وزراء إيطاليا، إلي التدخل الأجنبي في ليبيا، منتقدا عدم استكمال حلف الناتو لمهمته السابقة، بعد سقوط نظام معمر القذافي.
كما أن الدعوة توافقت مع الإحباط التام، في مصر بعد السقوط المدوي، والهزيمة النكراء، لخيار مصر الاستراتيجي في ليبيا، اللواء خليفة حفتر زعيم عملية كرامة ليبيا، وهروبه من بنغازي، بعد فشله في كسب أنصار جدد، خارج إطار تلك المدينة. والأخبار تتواتر عن هروبه إلى مصر، بعد تأكيد خبر اعتقال أحد أنجاله في المعارك، والرجل لم يخف انحيازه إلى الخيار المصري، وقبوله بل ودعوته في بداية الحركة، إلى ضرورة التدخل المصري حتى داخل العمق الليبي، حفاظا على أمنها ومصالحها القومية، بل العكس فإن حركة فجر ليبيا المناهضة لحفتر، هي التي تحقق مكاسب على الأرض عسكريا، وتشهد تنسيقا كبيرا بين الفصائل، التي قادت الثورة على القذافي، بالإضافة إلى أن الزيارة الخارجية الأولى للسيسي، كانت للجزائر، واستهدفت بالأساس شقين، أمنيا من خلال التنسيق بين البلدين المجاورين لليبيا، واقتصاديا من خلال الحصول على شحنات من المواد البترولية، تساعد على حل أزمة الطاقة المحتدمة في مصر، وأعقبها بزيارة مفاجئة للسودان، أكدت المخاوف المصرية على أمنها القومي، وسعيها إلى ضبط الحدود مع الجوار، سواء ليبيا أو السودان.
ودعونا نؤكد أن تصريحات السيد عمرو موسي، «كلمة حق أريد بها باطل»، فليس هناك من يختلف عن واقع الأزمة المحتدمة في ليبيا، وتأثيرها على الأمن القومي المصري، بعد أن تحولت ليبيا إلى مصدر تهديد، بعد أن كانت عمقا استراتيجيا واقتصاديا لمصر، نتيجة وجود عمالة مصرية تقدر بحوالي مليون مصري في أسوأ الحالات، رغم أن الفترة السابقة، كشفت عن حقيقة مجموعة من الأكاذيب، التي تم الترويج لها وبعناية شديدة، ومنها استضافة بعض الفصائل الليبية لقيادات من الإخوان، والسماح لهم بالعمل ضد الدولة المصرية من هناك، ومن ذلك الحديث عن وجود الجيش المصري الحر، من بعض القريبين من المؤسسة العسكرية، من الخبراء الاستراتيجيين، وتحديد أماكن معسكرات التدريب، والقيادات، والأعداد المشاركة، وبعد ذلك نفيه على مستوى رسمي، كما أن الأزمة الداخلية الليبية، تأخذ أشكالا مختلفة ومتعددة، منها غياب الدولة، رغم محاولة إقامة مؤسسات من قبيل المجلس الوطني، الذي انتهت ولايته بانتخاب مجلس النواب، والانقسام السياسي الشديد، والانفلات الأمني، وانتشار السلاح بصورة غير مسبوقة، والخوف من دخول ليبيا في أتون حرب أهلية، كل هذا صحيح، ولكن المأساة أن يكون الحل المطروح، هو التدخل المصري العسكري هناك، وهو الاحتمال الأرجح ويحمل في طياته أثارا كارثية بكل المقاييس، ونتوقف عند بعضها:
ــ إنها الوصفة السحرية، لدخول مصر في المستنقع الليبي، دون أمل من الخروج منه، في المستقبل القريب. فالأمر هنا لا يتعلق بدعم سياسي، ولا يقتصر على تدريب قوات، أو نقل خبرات، وتبادل معلومات، ولن يتوقف على إسناد جوي مثلا، بل المشاركة بقوات برية، وتشكيلات عسكرية في حرب ملتبسة، في دولة مترامية الأطراف، تشكل مسرح عمليات واسع، تعجز عن التعامل معها جيوش دول كبرى.
ـــ كما أنها الخطوة الأولى، في مخطط توريط الجيش المصري، في صراع خارج الحدود، سيدفع ثمنه شباب مصر من النخبة، من الضباط والجنود، بعدما تم استخدامه في الصراع السياسي الداخلي، مما يؤثر على قدراته القتالية، ومهامه الأساسية في الحفاظ على الأمن القومي المصري، من داخل الحدود وليس خارجها، والمستفيد من ذلك العدو التاريخي والدائم لمصر، والأمة العربية، إسرائيل.
ـــ علينا ألا نستهين بمعارك، ومواجهات القوات النظامية، مع مجموعات مسلحة، وهي الموجودة في ليبيا، بدليل قدرات تنظيم داعش في العراق وسوريا، والتي تمكن من خلالها من السيطرة على مساحات واسعة من أراضي البلدين، في ظل وجود الجيشين النظامين، وأحدهما كان من أكثر الجيوش عدة وعتاد في المنطقة، وفي المعارك قد تستطيع اختيار موعد الطلقة الأولى، ولكنك تعجز عن تحديد موعد نهاية العمليات.
ـــ كما أن التجارب والسوابق، أكدت أن دولة كبرى مثل الولايات المتحدة الأميركية، ولها مصالح كونية، تقوم بالتخفيف من عمليات تدخلها، ووجودها في إطار صراعات داخلية، ونموذج سحب القوات من العراق وأفغانستان أكبر دليل. إذا فالتدخل المصري، يعني السير في عكس الاتجاه العام، بين كل دول العالم.
ــ على مصر أن تقوم ببذل كل الجهد، لحماية حدودها مع ليبيا، وأن تمارس كل نفوذها، للسعي إلى استقرارها، وإنهاء أزمتها الداخلية، دون أن تكون طرفا في الصراع هناك لمصلحة جهة دون أخرى، دون مجرد التفكير في مغامرة التدخل العسكري الطائش، الذي سيدفع ثمنه إذا حدث ــ لا قدر الله ــ أجيال مصر القادمة.
usama.agag@yahoo.com