


عدد المقالات 103
انقسمت العائلة إلى فريقين، فريق للذكور جلس على مقاعد الجانب الأيمن وفريق للإناث استقر في الجانب الأيسر. خرجت العائلة مثلما خرجت من القاهرة مستقلة الطائرة المتجهة إلى تونس. لكن سفري كان للمشاركة في لقاء هام. بينما الأسرة الليبية التي تنتمي إلى قبيلة «القذاذفة» كانت عائدة إلى تونس. فالقواعد تفرض على الليبيين الذين لجؤوا إلى تونس الخروج من البلاد كل ثلاثة أشهر. تسافر العائلة إلى مصر لتلتقي بقسم آخر منها فضل الاستقرار في الجارة الشرقية مصر. ليبيا التي ربطني بها القدر ولم أزرها قط ظهرت في الصور التي التقطها شباب العائلة باهية خضراء بشوارع رحبة تحتضن سيارات حديثة فارهة. لكن الملف التالي كان مشحونا بشوارع مدمرة وطلقات مسجلة على جدران المباني. لم يقبل الشاب الذي لم يتخرج من الجامعة بعد تعليقي: «إنه ثمن الحرية». الشقيقة الأصغر فسرت المرارة: اعذري أخي. لقد خرجنا من ليبيا فقط لأننا من قبيلة القذافي. اضطرت أغلب أفراد قبيلة القذافي إلى الهروب خوفا من انتقام الثائرين. وفي خروجهم خسروا كثيرا من أملاكهم وأعمالهم وانتقلوا إلى خانة المهاجرين. ورغم الغضب والرغبة في الانتقام الذي تكشفت في حديث الذكور قالت إحدى الأخوات: «كان القذافي يوفر الحد الأدنى للسكان. لكننا كنا بالنسبة إليه «رعايا» ولسنا مواطنين. كانت ليبيا القذافي تعيش في عصر ما قبل الدولة. حيث لا حكومة ولا دستور ولا قانون أو قضاء، لم يكن فيها شيء غير القذافي الذي كانت أسرته هي شعبه وكلمته هي القانون والدستور وسياسته هي مزاجه الخاص. وتكشف نتائج الانتخابات البرلمانية الليبية التي شارك بها مليون وثمانمائة ألف ناخب ليبي في تجربتهم الأولى منذ نصف قرن تقريبا، عن تطلع المواطن الليبي إلى دولة المواطنة لا دولة الرعاية؛ حيث أكد فوز الليبراليين بقيادة محمود جبريل، الأمر الذي اعتبره الكثيرون مفاجئة لأمرين أساسيين: الأول أنها جاءت نزيهة، وفق التقارير الدولية. والثاني لكونها كسرت نمطا سائدا في انتخابات دول الربيع، وهو اكتساح الإسلاميين، لغالبية المقاعد النيابية، بل وسدة الرئاسة، مثلما حدث في مصر. لكن التيار الليبرالي المشكل من 60 حزبا سياسيا نجح «جبريل» في توحيد صفوفهم يواجه تحديات جمة، أهمها استمرار تحالفه ومواجهة الخصوم الذين سيسعون جاهدين إلى تفتيت تلك الكتلة التي تعد هي الأخرى سابقة بين دول الثورات الثلاثة. فكافة التكتلات غير الإسلامية في مصر وتونس لم تنجح إلى الآن في مواجهة زحف التيار الإسلامي إلى مؤسسات الحكم. التحدي الآخر يتمثل في القبيلة الكبيرة التي انفردت بالحكم وبالمزايا لعقود أربع. فقبيلة القذافي المشردة في مصر وفي تونس يستعد بعض أفرادها للانقضاض على ليبيا لإفشال جهود القوى السياسية الجديدة. مدفوعين بالانتقام أو بالإغراء المقدم من الأطراف الخارجية التي تسعى بدأب إلى إعادة ليبيا للوراء وتقويض التطور الديمقراطي بها. يواجه المجلس الجديد أيضاً عقبة ضخمة تسمى «المجالس العسكرية «، إذ إن عدد هذه المجالس يكتنفه الغموض، حيث يقدرها البعض بمائة مجلس عسكري إلى ثلاثة أضعاف هذا الرقم، نتيجة أن لكل مدينة مجلسا عسكريا أو أكثر. ولا يوجد هناك حصر دقيق لمن يحملون السلاح في ليبيا؛ وتقدر بعض التقارير الإعلامية عدد من يحملون السلاح من أعضاء المجالس بنحو 125 ألفا إلى 200 ألف ليبي تقريبا. ولا تعمل هذه المجالس العسكرية تحت سيطرة سلطة مركزية واحدة، أو سلطة المجلس الوطني الانتقالي. على صعيد آخر فإن ليبيا الجديدة تعيش حالة من الانقسام الأفقي والرأسي، فهناك مناطق وقبائل ما زالت تشعر بالتهميش بعضها كان مواليا للنظام السابق ودفعت ثمن موالاتها دما واضطهادا، والبعض الآخر يريد إقامة دولته المستقلة بما يمكّنه من الاستئثار بثروات النفط كما هو الحال في إقليم برقة التي حاولت تعكير أجواء هذه الانتخابات. برغم ذلك تتألق ليبيا اليوم بين جارتيها. ففي تونس التي توغلت فيها العلمانية، نجد انتصارا للإخوان يقوم على إعادة أسلمتها من جديد. ونفس المشهد تكرر بدرجة أعمق في مصر. في المقابل، نجد تقدما ملفتا لليبرالية في ليبيا، تلك الدولة المحافظة في بنيتها الاجتماعية. بلد المليون حافظ للقرآن الكريم، والتي لم تعرف من قبل ما يعرف بالمجتمع المدني. إن انتصار الليبراليين في المجتمع الليبي، لا يضعف من خطورة التحديات التي لا يتسع المجال لرصدها جميعا. لكنه يشير إلى قوة الإرادة التي صنعت مشهدا سياسيا فريدا ونادرا نأمل جميعا أن يتعزز في الأيام المقبلة.
إنه اللقاء بكل شغفه ولهفته وقوته وطاقته القادرة على إحياء الأمل وبعثه من باطن اليأس. إنه اللقاء.. فلم أجد لفظة أخرى تصف العيون المتلألئة ولا الخطوات المندفعة ولا تلك الحياة التي عادت تجري فكست الوجوه...
سمعت تلك الكلمة للمرة الأولى في منزلنا بينما جارتنا تأخذ قسطا من الراحة لدينا. اعتذرت عن كوب الشاي الذي أعدته أمي قائلة «لازم احضر العشا للاجئين اللي عندي». أخبرتني أمي أن «اللاجئ « مصطلح يطلق...
في الطابق التاسع كنت أسكن. ومن أعلى رأيت أطفال الجيران يرسمون في الشارع الإسفلتي خطا أبيض. ثم احتكروا لأنفسهم المساحة الأكبر وتركوا للطفل الأسمر وأقرانه ما تبقى. والأسمر كان في مثل عمرهم. وكذلك فريقه الذي...
«لقرون طويلة حكيت عني يا شهرزاد, غطى صوتك على صوتي» لكنى الآن وبدون ندم أشيعك إلى مثواك وأعلم أني لن أسبح في الفرح, لكني سأعيش بهجة غسل تراثك. وفى حضرة الحكاية علينا أن نبدأ القصة...
المشهد الأول: كان أن تحدث مرشح الرئاسة عن برنامجه الطموح لقيادة مصر في مرحلة مفصلية, واستعرض مجالات عدة ثم قال «وأما عن المياه فسوف نزيد مياه النيل بالدعاء». المشهد الثاني: صوت جهوري لرئيس الجمهورية آنذاك،...
طرقة واحدة مفاجئة، ثم ضاع الضوء وانسحبت الكهرباء إلى أسلاكها وتركتنا في عتمة قاتمة، بنظرة واحدة على الشارع أدركت أننا نصفان، نصف مضيء ونصف معتم، كان جانبنا صامتا وكأن الحياة قد توقفت عنه، حارسة العقار...
أعادته مرة أخرى إلى الطبق الصغير عقب الرشفة الأخيرة، ثم انتظرتْ دقائق وقَلَبَتْه فسال اللون الداكن برائحته النفاذة وتلون الخزف الأبيض. وأكملت هي حوارها تاركة لي الحيرة من أمر تلك القهوة التي تجمع جدتي بجارتنا...
أيمكن أن يصدق عاقل أن «فارس» حمل عتاده وسلاحه وسافر طويلا لكي يحمي «مالك» الذي لا يعرفه ولا يعرف عنه شيئا. البعض قال لي لا بد أن «فارس» ملاك في جسد بشر. لكن آخرين كانوا...
كان يكفي أن أنظر للسماء لأعلم لما لا يرد شقيقي على الهاتف. متحفزا. مكتملا. باهيا. كان قرص القمر في قلب السماء. متألقا وسط النجوم. مدركا حجم ضوئه وعمق أثره. مختالا بنوره الذي يوقظ كل الصحاري...
في مايو ومنذ ما يزيد على ثلاثة وخمسين عاما, وقبل أن تهبط الأحلام على النائمين انفجر غضب ما من باطن الأرض فقسمها وضرب مبانيها وأهال التراب على ما يزيد على ثلاثة آلاف نسمة. يومها لم...
الشاب ذو الصوت الصادق حاصرني, كما كان لأسئلته تفرد مدهش فلم أملك إلا الانتظار, سار بي خطوات قليلة ثم أشار إلى سمكتين لونهما أزرق يتوسطان لوحة القماش المعلقة, وقال: «أتعرفين لماذا وُلدنا؟». صمت من هول...
أتصدقون أن بين وحشين كبار عاشت الغزالة الصغيرة آمنة حالمة, لكن الأهم أنها عن حق سعيدة, ثم عَنَّ لها أن تجرب الجنون, فإذا بها تعلن بصوت عال أنها في طريقها لتصدير السعادة, ولو لم أكن...