alsharq

د. أحمد موفق زيدان

عدد المقالات 272

ورحل حفيد قاتل لجمن

16 مارس 2015 , 02:36ص
من أصعب أنواع الكتابة أن تكتب عن فقد حبيب هو قامة وزعيم وقائد في الوقت نفسه، حينها قد يتعذر عليك إيفاؤه حقه، تماماً كما يتعذر عليك الفرز بين المحبة والمودة من جهة وبين الإعجاب بقامة مثل الفقيد الشيخ حارث الضاري الذي رحل عن عالمنا قبل أيام من جهة أخرى، حينها قد يظن القارئ أنك ربما تحابي المحبة على حساب الواقع، ولكن قامة بمثل الشيخ الضاري لن يفيها حقها أسطرٌ معدودة، كيف لا وهو سليل أسرة عريقة أوجعت الاحتلال البريطاني للعراق في عشرينيات القرن الماضي وجعلت لندن تبكي كما قالت الأهازيج الشعبية العراقية حين فصل جده رأس المندوب السامي البريطاني لجمن عن جسده.
حدث أن كنت في ضيافة الفقيد وهو ما كنت أتشرف به خلال عطلتي الصيفية في عمان، فطلبت منه أن يروي لي الحكاية، نظر إليّ ممازحاً أنت تعرفها، فقلت له شيخنا لكن أريد أن أسمعها منك، فرواها رحمه الله بتواضع وباقتضاب، كانت عينا الفقيد تحكي عن نفسه بقدر ما تحكي عن الجد، فقد أبقى الأخير لاحتلالات العراق اليوم ما يسوؤها من أمثال حارث الضاري الذي لم يساوم ولم يقبل تسويات سياسية شكلية على حساب العراق وهويته، تماماً كما أبقى حارث نجله المثنى بإذن الله.
كانت من أجمل اللحظات التي أمضيها في عمان خلال عطلتي الصيفية السنوية لقائي مع الشيخ ونجله، ومن قبله الشيخ عدنان سعد الدين عليهما رحمة الله، لكنني سأذكر بعض الوقائع التي وقعت لي معه، ربما أصبحت في حل من الحديث عنها بعد رحيله عليه الرحمة والرضوان.
كنت أرى الشيخ حسن المؤيد قبل تسننه في ضيافته مراراً وتكراراً، فكان يشيد به وكأنني فهمت أنه يسعى لإقناعه بالتحول عن مذهبه، لكن هذا فهمي لا أستطيع أن أُحمل مسؤوليته الشيخين وما دام الشيخ المؤيد حياً فربما يستطيع أن يدلي بدلوه.
أما القصة الثانية فهي وقوفه إلى جانب ثورة الشعب السوري وإصرار نظام طاغية الشام على دعوته لسوريا أو أن يصرح بمعارضتها، ورغم حاجة الفقيد ربما لمثل هذه المساومة لما يمر به العراق، لكن ظلت بوصلة الوفاء للمبادئ أكبر من الالتفات إلى عظام يرميها طاغية، كان مقتنعاً أن نصر الشام هو نصر للعراق والعكس صحيح.
فيما يتعلق بالنفوذ الإيراني في العراق كان منذ البداية يرى أن هذا النفوذ متدثر بالاحتلال الأميركي ولولا الأخير لما كان لإيران هذا النفوذ، فعارض منذ البداية دخول المكون السني العملية السياسية التي طالما وصفها بالكارثة على العراق وربما المنطقة، التي لا تزال تدفع ثمنه.
قصتان أود روايتهما هنا أيضاً وهو يوم إعدام الرئيس العراقي صدام حسين قال لي إنه اتصل بـ «رغد صدام» ليعزيها برحيله فردت عليه رحل صدام ولكن أنت يا شيخنا والد وأب لكل العراقيين بمن فيهم رغد، عادت بي الذاكرة إلى الوراء والشيخ طريد شريد ملاحق من قبل نظام صدام يُدرس في جامعات الأردن، لعلها عبرة لأنظمة زائلة أن ليس هناك أوفى من أمثال حارث الضاري لها ولأولادها وبناتها ومن قبل للأوطان.
أما القصة الثانية فما وقع لي مرة حين كنت في بيته فجاءه السكرتير ليبلغه أن مندوب الجامعة العربية قادم لزيارته فاستأذنته رحمه الله لأفسح لهما المجال، فشدني من يدي مصراً على بقائي، وحين دخل المندوب إلى الغرفة هممت ثانية بالمغادرة فأصر الشيخ على بقائي، كان رحمه الله همه أكبر من العراق، همٌّ متصل بالأمة، ربما اتصال تعلّمه من تخصصه بسند الحديث النبوي.
أوذي الفقيد كثيراً من الأحباب كما من الأعداء.. ولكن ظل لسان حاله «كن كالنخيل عن الأحقاد مبتعدا»، لم يرضخ لكل مغريات السياسة فظل يردد «لا تصالح ولو منحوك الذهب». كان يطلب ما هو أغلى من الذهب الثبات على المبادئ، فقد أدرك أن المطلوب منه ليس تحرير الأوطان في زمنه، فذاك ليس بيده، أما الذي بيده فالسعي للتحرير.
كان يجوب الأمصار منذراً من خطر وقوع العراق بالحضن الأميركي والإيراني، يبين موقفه مع عفة لسان ترجمت أناقة فكره وأناقة أصله وأهله.
ربما كان من أكثر ما يؤلم الفقيد رحمه الله وأمثاله أن تملك المعرفة وتفتقر للقوة، لكن يظل أقوى ما في الأشجار جذورها الضاربة حتى لو تعرّت الأغصان، فالموت يقتل كل جسد.. لكن أمثال فقيدنا يقتلون الموت ذاته.. فالموت الحقيقي هو غياب ذكرك في السماء والأرض.
رحلت شيخنا.. لكن لم تخلف المثنى فقط، خلّفت جيلاً ليس عراقياً فقط وإنما أبناء لك على المبدأ ثابتون لن يغيروا ولن يبدلوا، وأظل أردد قول الشاعر إيليا أبي ماضي:
وكل ما في الدنيا من فلسفة
لا يُعزي فاقداً عمن فقد

 @ahmadmuaffaq
موسكو تعود إلى أفغانستان من البوابة السورية (1-3)

كشفت الوثائق الأميركية الأخيرة عن عودة روسية قوية إلى أفغانستان للانتقام من القصف الأميركي الذي قضى على المئات من قوات الفاغنر الروسية في دير الزور بسوريا بشهر فبراير من عام 2018، ابتلعت موسكو يومها الإهانة...

الشمال المحرّر معاناة لا تنتهي (2-3)

قطاعا التعليم والصحة في الشمال المحرر من القطاعات المهمة التي تستأثر باهتمام الشمال وأهله، لا سيما في ظل الحاجة إليهما، يضاعفهما الحالة الاقتصادية الضعيفة لدى ساكني المنطقة، لقد ظل القطاعان مدعومين من المؤسسات الدولية، لكن...

الشمال المحرر معاناة لا تنتهي (1-3)

أوجه معاناة الشمال السوري المحرر لا تنتهي، فبعد أن كان الخوف والقلق من العدوان العسكري يسيطر على تفكير الأهالي، صار اليوم القلق أكثر ما يكون بشأن معاناة الحياة اليومية الممتدة من المعيشة إلى العودة للبيوت...

مدن الشام فارغة وأهلها يرقبونها من خيامهم

لم تكن لتتخيل عائشة وفاطمة وأحمد للحظة أن يحلّ بهم ما حلّ في أول عيد يمضونه خارج البيت الذي ضمهم لسنوات، فجأة وجدوا أنفسهم في خيام رثّة على الطريق الرئيسي الواصل بين اللاذقية وحلب، ليرقبوا...

المشروع الروسي خارج الزمان والمكان

ما جرى أخيراً في ليبيا من انهيار وهزيمة لم يكن لقوات الانقلابيين والثورة المضادة بزعامة خليفة حفتر، ولا للمشغل الروسي والإماراتي، بقدر ما هو انهيار للأسلحة الروسية، وعلى رأسها منظومة سلاح «بانتسير» المفترض أن تكون...

خرْق السفينة الأسدية

الخلاف الذي برز للسطح أخيراً بين رامي مخلوف وبشار الأسد ليس من طبيعة نظام السلالة الأسدية، التي عرفت بالغموض والتستر على بعضهم بعضاً، ولعل ما حصل في عام 1984 بين حافظ الأسد ورفعت دليل يمكن...

السوريون وثورة الجياع اللبنانية

منذ بوادر الثورة اللبنانية قبل أكثر من عام تقريباً، وحتى الآن، والسوريون ينظرون إلى ما يجري في لبنان، على أنه انعكاس وربما امتداد لما جرى ويجري في سوريا، نتيجة العلاقات المتشابكة بين البلدين، فضلاً عن...

الأسد بين موسكو وطهران (2-2)

تتحكم القوى المتنافسة أو المتصارعة بشكل مباشر على سوريا، وهي تركيا وروسيا وإيران بدوائر معينة، ولكن باعتقادي أن الدائرة السورية الأكبر تتحكم بها الولايات المتحدة الأميركية، وقد تدخل إسرائيل على الخط أحياناً مساعداً أو مكملاً...

دروس من وباء عام 1918

يظل التاريخ هو الحكم بين البشرية، ليس في مجالات السياسة والاقتصاد والإدارة فحسب، وإنما حتى في المجال الطبي حديث الساعة اليوم، والذي استُدعي على عجل خلال هذه الأزمة، فبدأ العلماء ينبشون دفاتره القديمة، يستذكرون تاريخ...

أفغانستان ما بعد الاتفاق الطالباني- الأميركي (2-2)

أفغانستان أمام خيارين، تماماً كما كانت قبل سقوط كابل بأيدي المجاهدين في أبريل 1992، إما حل سياسي تفاوضي يؤدي إلى تسوية، أو حرب تعيد مآسي الحرب الأهلية التي خاضها الإخوة الأعداء في تلك السنوات العجاف،...

الثورة السورية في عالم ما بعد «كورونا» (2-2)

الحالة الصحية الموجودة في مناطق نظام الأسد سيئة، سواء كان من حيث الخدمات أم من حيث هروب الأدمغة الطبية المعروفة التي كانت في سوريا قبل الثورة، وقبل هذا كله التخبّط في القيادة والتحكّم على الأرض،...

الثورة السورية في عالم ما بعد «كورونا» (1-2)

لا سرّ وراء بقاء سلالة «آل الأسد» على مدى نصف قرن في السلطة، كسرّ ولغز احتكارها وتغييبها المعلومة، فلا شيء أخطر على ماضي وحاضر ومستقبل الأنظمة الشمولية الديكتاتورية من المعلومة الحقيقية والواقعية. ومن هنا نستطيع...