قفزة إلى المجهول..!!
16 يناير 2014 , 12:00ص
حالة الارتباك التي تعيشها الحكومة المصرية، الناتجة عن الاستجابة، إلى ضغوط «كتيبة الإعدام» المسمى بالإعلام، في الفضائيات الخاصة والعامة والصحف، ودقة المرحلة التي تعيشها مصر، والأزمة السياسية غير المسبوقة، كل ذلك دفع حكومة الدكتور الببلاوي إلى اتخاذ مواقف وإصدار قرارات، تفتقد التأني في الدراسة، وتتسم بالانفعالية. وسرعان ما تكتشف أنها قفزت «قفزة في الهواء». وأن قراراتها تفتقد السند القانوني، وتبدأ رحلة البحث حول مبررات تفسر قراراتها التي لا تنطلي على أحد، ولكنها قد ترضي -ولو إلى حين- بعض أصحاب التيارات الاستئصالية، والتي تسود المجتمع المصري. ولعل القرار الأخير باعتبار الإخوان المسلمين جماعة إرهابية، هو أفضل نموذج لكل ما نقوله، ونتوقف عند بعض المؤشرات التي تؤكد ما ذهبنا إليه:
أولا: التخبط في التصريحات الرسمية، التي كشفت عن آلية اتخاذ القرار، من مجلس الوزراء المصري، حيث أعلن رئيس الوزراء المصري أن جماعة الإخوان إرهابية، وتنظيمها إرهابي، في مفهوم المادة 86 من قانون العقوبات المصري، وقرر توقيع العقوبات المقررة في قانون تجريم الإرهاب على كل من يشترك في نشاط الجماعة، أو يروج لها بالقول، أو الكتابة. مع إخطار الدول العربية المنضمة إلى اتفاقية مكافحة الإرهاب في العام 1998 بهذا القرار. ومثل هذه الأقوال، تندرج تحت «بند المناكفة السياسية»، والصراع السياسي دون أي سند قانوني، بل إن نائب رئيس الوزراء ووزير التعليم العالي الدكتور حسام عيسى حمل الجماعة مسؤولية كل الأعمال الإرهابية منذ الأربعينيات، وحتى محاولة تفجير مبنى مديرية أمن الدقهلية، ومنها جرائم تمت محاكمة تنظيمات أخرى بها، مثل اغتيال الرئيس الأسبق أنور السادات على يد تنظيم الجهاد والجماعة الإسلامية. والشيخ الذهبي وزير الأوقاف الأسبق على يد جماعة التكفير والهجرة، وزعيمها شكري مصطفى. وتحدث عن جرائم التعذيب في الاتحادية وفي رابعة العدوية والاعتداء على الكنائس المصرية. أما وزير التضامن الاجتماعي، فقد اعتذر للشعب المصري عن التأخر في اتخاذ القرار. والعجيب أن وزير العدالة الانتقالية المستشار أمين المهدي، وصف ما صدر عن مجلس الوزراء، بأنه ليس «قرارا» ولكن «بيان» للشعب المصري. وتضمن ثلاثة أقسام، رؤية سياسية مستندة إلى معلومات، أما الجزء القانوني، فهو ترديد لما ورد في أوامر إحالة قادة الجماعة من النيابة، واتهامهم بارتكاب جرائم إرهابية، والبعد الثالث هو رصد للتصريحات التي أدلت بها القيادات، من أنه إذا عاد الدكتور مرسي فستتوقف العمليات الإرهابية في سيناء.
ثانيا: الأمر بهذه الصور، يفتقد أي بعد قانوني، خاصة أن قرارات النيابة لا تمثل أحكاما نهائية. فقد تأخذ بها المحكمة أو ترفضها. وهناك الكثير من القضايا حكم فيها القضاء بالبراءة. ومنها كل التهم التي تم توجيها إلى مبارك، ومعاونيه وكبار المسؤولين، في الفساد وقتل المتظاهرين، بل إن القضاء أصدر أحكاما بالبراءة لكل رجال الشرطة من الاتهامات لهم بقتل المتظاهرين، في أحداث ثورة 25 يناير 2011. وهناك ملاحظة جديرة بالانتباه، أن كثيرا من القضاة قاموا بالتنحي طواعية عن نظر دعاوى ضد قيادات إخوانية، دون أن يطلب ذلك الدفاع، استشعارا للحرج، والذي فهم منه رغبة القاضي في عدم الخوض في القضايا نظرا لأنها غير مستوفاة. كما أن وزير العدالة الانتقالية أكد أن تحريك دعاوى ضد أي إخواني يتطلب دليلا على انتمائه إلى الجماعة، ورغم إشارته في تصريحات صحافية له أن بيان مجلس الوزراء غير قابل للطعن، لأنه ليس قرارا إداريا. ولكنه أشار في نفس التصريحات أن القضاء قد ينقذ الجماعة من تهمة الإرهاب. وقد ذكر رئيس هيئة النيابة الإدارية المستشار عناني عبدالعزيز أن اعتبار الإخوان جماعة إرهابية قرار سياسي لا علاقة له بالقضاء.
ثالثا: القرار يؤشر إلى رغبة الطبقة الحاكمة في مصر في التصعيد، ومنع المنتمين إلى التيار الإسلامي، خاصة المنتمين إلى حزب الحرية والعدالة، أو جماعة الإخوان من العمل السياسي، إذا ما فكروا في مرحلة لاحقة ذلك، وبهذا فإن الانتخابات المحلية ومجلس النواب والرئاسة ستصبح ممنوعة على أي منتمٍ للجماعة. كما أنها فرصة لتصفية الحسابات على المستوى الشخصي، ويكفي أن يتهم جار أحد جيرانه بالانتماء إلى الجماعة حتى يكون مصيره السجن من خمس سنوات إلى الإعدام.
رابعا: أن القرار يتناسى بعدا مهما في القضية، أن الإخوان المسلمين تنظيم دولي، شاءت الأقدار أن يكون المؤسس حسن البنا، والمرشد العام مصريين، وكذلك المقر العام، ولكن الجماعة عبر تلك السنوات تفرعت وانتشرت بصورة ضخمة، وظهر لها أحزاب وجماعات في العديد من دول العالم، وقد خلق القرار حالة من الارتباك في العديد من دول العالم، خاصة العربية والموقعة على اتفاقية مكافحة الإرهاب، وبعضها لديه تنظيمات سياسية معترف بها وجزء مهم من المعادلة السياسية مثل الكويت، والأردن، والسودان، وتونس، وليبيا، وفلسطين، وسوريا، والجزائر التي طلب عدد من أحزابها الإسلامية منع وزير الخارجية المصري نبيل فهمي من زيارتها. وقالت هذه الأحزاب: إن الجزائر عضو في الاتحاد الإفريقي الذي يمنع الاعتراف بالحكومات التي تأتي عبر الانقلابات العسكرية. رغم إصرار الحكومة على إتمامها، ولعل البلد العربي الوحيد الذي يتعامل مع الإخوان كجماعة إرهابية ويحاكم أفرادها هو دولة الإمارات. وتدرك الحكومة المصرية صعوبة الخروج بالقرار من النطاق المحلي إلى الإقليمي أو الدولي. رغم أن الدكتور حازم الببلاوي طلب من وزير الخارجية نبيل فهمي مخاطبة الأمم المتحدة بالقرار. وقال إنه لن يظل «حبرا على ورق»، وكان الرد السريع من دولة مثل الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا اللذين انتقدا قرار الحكومة المصرية، وقالت واشنطن إنها لا تدرس أو تناقش احتمال تصنيف الإخوان كمنظمة إرهابية. وقال مسؤول أميركي: إن الإدارة تعتقد أن الحكومة المصرية تذهب إلى مدى بعيد جداً في حملتها ضد الإخوان. ودولة مثل بريطانيا، تحظى بوجود عدد من قيادات الجماعة التي تلتزم بالقانون البريطاني وتقيم بشكل شرعي، وتمارس عملا سياسيا. وليس من المنطقي توقع بتغيير الموقف البريطاني.
خامسا: يبدو أن القرار جزء من صراع سياسي طويل، بعد أن بدأت تحركات من التنظيم الدولي للإخوان، من ذلك بدء تحريك دعاوى قضائية ضد الحكومة المصرية أمام المحكمة الجنائية الدولية. وتشكيل فريق من كبار المحامين الدوليين للدفاع عن الدكتور محمد مرسي، والإشراف على القضية. يضم المدعي البريطاني السابق كين مادونا لد، وعددا من المحامين البريطانيين، وآخر من جنوب إفريقيا. بالإضافة إلى تشكيل وفود من قيادات محسوبة على التيار الإسلامي، تجوب دول العالم ومنهم يحيى حامد وزير الاستثمار في عهد الدكتور مرسي، والدكتور محمد محسوب وزير الشؤون القانونية.
وبعد، هذه جولة من جولات الصراع بين الحكومة المصرية وجماعة الإخوان، ونتيجتها مفتوحة على كافة الاحتمالات.