


عدد المقالات 103
ظلت لجنة التحكيم سرا غامضا حتى أعلن عنها الأسبوع الماضي من قلب القاهرة. إنها عادة وقرار لدى مجلس أمناء جائزة البوكر العالمية التي تأسست عام 1968 والتي تعد من أهم الجوائز الأدبية المخصصة للأعمال الروائية باللغة الإنجليزية، والتي تُمنح لأفضل رواية كتبها مواطن من المملكة المتحدة أو من دول الكومنولث أو من أيرلندا. وأعضاء لجنة التحكيم في جائزة «البوكر» هم من نخبة النقاد والكتاب والأكاديميين، ويتغيرون كل سنة بغية الحفاظ على مصداقية الجائزة ومستواها الراقى. تفرعت من «البوكر» جوائز عالمية للرواية هي: جائزة بوكر الروسية التي تأسست عام 1992، وجائزة كاين للأدب الإفريقي عام 2000 وأخيرا جائزة البوكر العربية التي انطلقت عام 2007. ضمت لجنة تحكيم الجائزة هذا العام أدباء ونقادا من كل من مصر ولبنان وقطر وسوريا فضلا عن مستشرق ومترجم إسباني. وقد ترأس لجنة التحكيم الكاتب والمفكر جورج طرابيشي. وفي داخل مبنى عريق يعود إلى عهد دولة المماليك قبل 750 عاما بالقاهرة. التقى الحكام الخمسة مع الجماهير مساء ليصرحوا بتفاصيل عملية الاختيار التي استغرقت شهورا قبل أن ينتهوا من قراءة مئة وست روايات عربية قدمت من دور نشر بخمس عشرة دولة عربية. اختارت اللجنة قائمة من ثلاث عشرة رواية عربية في المرحلة الأولى. ثم جاء لقاء القاهرة للإعلان عن اختيار القائمة القصيرة التي ضمت ست روايات عربية. جاءت اثنتان منها من مصر واثنتان من لبنان ثم رواية لأديب تونسي وأخرى لأديب جزائري. وبرغم اختيار القاهرة موقعا للإعلان عن القائمة القصيرة فإن أيا من الروايات لم تتعرض للثورات العربية. وقد فسرت اللجنة ذلك بأن الروايات رشحت قبل اندلاع الثورات العربية لكنها ورغم ذلك قدمت للثورات وحملت إرهاصات التمرد على الأوضاع القائمة. كل من الروايتين اللبنانيتين تعرضتا للحرب الأهلية اللبنانية فرواية «دروز بلغراد» لربيع جابر اقتربت من الحرب الأهلية إبان الإمبراطورية العثمانية قبل مئة وخمسين عاما. بينما رواية «جبور الدويهي» «شريد المنزل» تعرضت إلى البعد الطائفي في الحرب الأهلية اللبنانية الحديثة. التقط الجمهور تلك الحميمية بين الكتاب وبين واقعهم خاصة السياسي وهو ما لم تنفه لجنة الحكام واستشهدت كذلك بالرواية الفلسطينية التي تعكس في كافة أشكالها الواقع الفلسطيني السياسي وعبء الاحتلال الذي امتد إلى كافة الفنون وصار محورها وملهمها في الوقت ذاته. وجاءت رواية «العاطل» للأديب المصري «ناصر عراق» منحازة للقطاع الأكبر من الشباب الباحث عن السفر والطامح في أغلبه لأضواء دبي المتلألئة التي تبهر الأعين بقدر ما تربك القيم لتكشف لون الأعماق لدى البشر. في طريق شبيه تسير رواية التونسي «الحبيب السالمي» «نساء البساتين» التي تقترب من عالم أسرة متواضعة في أحد أحياء مدينة تونس تجاهد للتواجد في مجتمع متناقض يتأرجح بين تقاليد دينية ثقيلة وحداثة مربكة. الرواية قدمت الرد على تساؤلات شغلت الرأى العام حول مبررات فوز التيار الإسلامي في دولة علمانية مثل تونس. فتونس التي كانت علمانية النظام لم تكن يوما علمانية الهوى وداخل شوارعها الضيقة الملتوية تحتضن المنازل المزينة باللون الأزرق والأبيض قيما دينية ظلت حائرة بين البوح وبين الكتمان. ومع أسرة السالمي نقترب لحد بعيد من اكتشاف الرد على الأسئلة. وبينما تلمس رواية المصري «عز الدين شكري» «عناق عند جسر بروكلين» مغزى الغربة في كافة أبعاده، غربة المكان وغربة النفس وغربة القلب، يغزل الكاتب الجزائرى «بشير مفتى» في روايته «دمية النار» أسئلة عميقة تبحث عن القدَر، فبطل الرواية الساعي للهروب من درب والده مدير الزنزانة، يعيده القدر بسخريته المعهودة إلى نفس الطريق ليذكرنا بالأسئلة الأولية حول مغزى الاختيار في حياة يديرها القدر. وكما عاد قصر «طاز» القصر الأميري الأنيق بعدما اقترب من الموت قبل عشرين عاما، فرمم وعاد منارة فنية وثقافية تليق بقدره التاريخي والرمزي والمعماري، فإن جائزة البوكر العربية تأتي لتخرج من ثقل الواقع أقلاما مبدعة وترمم مكاننا في ساحة الإنتاج الأدبي العالمي الذي كنا نملك موقعا رائدا فيه ذات يوم. كما هو «قصر طاز» ذو الفناء الواسع والأجنحة العالية فإن جائزة البوكر أيضاً في قائمتها القصيرة تتسع لروايات ست تقدم لهم جائزة مالية وشهادة تقدير ونافذة واسعة للتعريف بأعمالهم. تسعى الجائزة إلى إخراج الرواية العربية من الغبن بعدما تجاهلت الحكومات فنانيها وكتابها ومبدعيها، فصارت الرواية فنا بعيدا عن القارئ وصار القارئ شخصا نادرا فتدنت قوائم التوزيع إلى أقل مستوياتها وحصلت المنطقة العربية على ذيل قائمة المناطق المحفزة على القراءة. لذلك فالجائزة سبيل لإعادة الاهتمام بالرواية العربية وإعادة مواطني المنطقة إلى القراءة. وأيضا هي وسيلة إلى تعريف القارئ الغربي بالأدب العربي وكما يفتخر القائمون على قصر «الأمير طاز» بأن علاجه وإصلاحه جاء على أيد مصرية فإن جائزة بوكر العربية تفخر أيضاً أنها قائمة بفعل دعم ومبادرة «مؤسسة الإمارات للنفع العام» وهي إحدى أبرز المؤسسات الخيرية في الإمارات العربية المتحدة تأسست عام 2005، وتُعنى برعاية مشاريع ثقافية وإنمائية وعلمية واجتماعية متنوعة، على الصعيدين المحلي والعالمي، لذلك تستضيف أبوظبي سنويا حفل الإعلان عن الفائز الأول بالجائزة. فأي رواية من الروايات الست ستحظى بالأضواء وبالجائزة الكبرى وأيضاً بحق الترجمة إلى الإنجليزية؟ ذلك ما سنعرفه في نهاية شهر مارس القادم.
إنه اللقاء بكل شغفه ولهفته وقوته وطاقته القادرة على إحياء الأمل وبعثه من باطن اليأس. إنه اللقاء.. فلم أجد لفظة أخرى تصف العيون المتلألئة ولا الخطوات المندفعة ولا تلك الحياة التي عادت تجري فكست الوجوه...
سمعت تلك الكلمة للمرة الأولى في منزلنا بينما جارتنا تأخذ قسطا من الراحة لدينا. اعتذرت عن كوب الشاي الذي أعدته أمي قائلة «لازم احضر العشا للاجئين اللي عندي». أخبرتني أمي أن «اللاجئ « مصطلح يطلق...
في الطابق التاسع كنت أسكن. ومن أعلى رأيت أطفال الجيران يرسمون في الشارع الإسفلتي خطا أبيض. ثم احتكروا لأنفسهم المساحة الأكبر وتركوا للطفل الأسمر وأقرانه ما تبقى. والأسمر كان في مثل عمرهم. وكذلك فريقه الذي...
«لقرون طويلة حكيت عني يا شهرزاد, غطى صوتك على صوتي» لكنى الآن وبدون ندم أشيعك إلى مثواك وأعلم أني لن أسبح في الفرح, لكني سأعيش بهجة غسل تراثك. وفى حضرة الحكاية علينا أن نبدأ القصة...
المشهد الأول: كان أن تحدث مرشح الرئاسة عن برنامجه الطموح لقيادة مصر في مرحلة مفصلية, واستعرض مجالات عدة ثم قال «وأما عن المياه فسوف نزيد مياه النيل بالدعاء». المشهد الثاني: صوت جهوري لرئيس الجمهورية آنذاك،...
طرقة واحدة مفاجئة، ثم ضاع الضوء وانسحبت الكهرباء إلى أسلاكها وتركتنا في عتمة قاتمة، بنظرة واحدة على الشارع أدركت أننا نصفان، نصف مضيء ونصف معتم، كان جانبنا صامتا وكأن الحياة قد توقفت عنه، حارسة العقار...
أعادته مرة أخرى إلى الطبق الصغير عقب الرشفة الأخيرة، ثم انتظرتْ دقائق وقَلَبَتْه فسال اللون الداكن برائحته النفاذة وتلون الخزف الأبيض. وأكملت هي حوارها تاركة لي الحيرة من أمر تلك القهوة التي تجمع جدتي بجارتنا...
أيمكن أن يصدق عاقل أن «فارس» حمل عتاده وسلاحه وسافر طويلا لكي يحمي «مالك» الذي لا يعرفه ولا يعرف عنه شيئا. البعض قال لي لا بد أن «فارس» ملاك في جسد بشر. لكن آخرين كانوا...
كان يكفي أن أنظر للسماء لأعلم لما لا يرد شقيقي على الهاتف. متحفزا. مكتملا. باهيا. كان قرص القمر في قلب السماء. متألقا وسط النجوم. مدركا حجم ضوئه وعمق أثره. مختالا بنوره الذي يوقظ كل الصحاري...
في مايو ومنذ ما يزيد على ثلاثة وخمسين عاما, وقبل أن تهبط الأحلام على النائمين انفجر غضب ما من باطن الأرض فقسمها وضرب مبانيها وأهال التراب على ما يزيد على ثلاثة آلاف نسمة. يومها لم...
الشاب ذو الصوت الصادق حاصرني, كما كان لأسئلته تفرد مدهش فلم أملك إلا الانتظار, سار بي خطوات قليلة ثم أشار إلى سمكتين لونهما أزرق يتوسطان لوحة القماش المعلقة, وقال: «أتعرفين لماذا وُلدنا؟». صمت من هول...
أتصدقون أن بين وحشين كبار عاشت الغزالة الصغيرة آمنة حالمة, لكن الأهم أنها عن حق سعيدة, ثم عَنَّ لها أن تجرب الجنون, فإذا بها تعلن بصوت عال أنها في طريقها لتصدير السعادة, ولو لم أكن...