تونس على رحى 23 أكتوبر الحارق!
15 سبتمبر 2012 , 12:00ص
يضغط موعد 23 أكتوبر على تونس مثل المعصار. ولا يستثني في ضغطه المخيف أحدا في السلطة أو في المعارضة أو حتى في الشارع الذي يملؤه الخوف من المجهول.
فقد ذهب الناس في مثل ذلك التاريخ من السنة الماضية إلى صناديق الاقتراع لاختيار فريق سياسي لفترة سنة واحدة. مهمته فقط إعداد دستور جديد للبلاد. ولم يكونوا يعلمون يومها أن الفريق الفائز سيسقط في هوى السلطة ويشكل حكومة متجاهلا المراسيم الانتقالية. ومستغلا إلى الحد الأقصى شرعيته الانتخابية في نهم سلطوي!
كان أن انصاع التونسيون للأمر الواقع على رؤوسهم. وكلهم أمل في أيام أجمل. مع الإصرار لغويا على نعت الحكومة والرئيس بـ «المؤقتين». إلى درجة أن ثارت ثائرة الحكومة والرئيس. ووصل الأمر إلى القضاء الذي بت بصحة نعت «المؤقت». ومن ثمة باعتلال من رفع الدعوى إلى القضاء!
وخلال زهاء السنة كان واضحا جدا لمن يريد أن يرى أن الحكومة المؤقتة، كما الرئيس المؤقت في تونس، قد سقطا ثانية في جب «الغواية والهواية».. أما عناوين ذلك فلا تكاد تحصى أو تعد. لكنها انتهت إلى قناعة سادت الجميع وبلا استثناء اليوم، مؤداها أن موعد 23 أكتوبر لا يمكن أن يمر مرور الكرام، حتى وإن هدد رئيس حزب المؤتمر (الشريك في الحكم) المحامي محمد عبو بإعدام كل من يتواجد في الشارع بعد 23 أكتوبر لإعلان انتهاء الشرعية الانتخابية لفريق الحكم!!
لم يكن الأستاذ عبو الوحيد الذي بدأ في فقدان أعصابه أمام فشل صارخ في إدارة شؤون الحكم والسياسة في بلد اعتاد على الرصانة المفرطة. فقد سبقه إلى ذلك بيومين فقط مؤسس حزبه ورئيس الدولة المؤقت حاليا، الذي تناقلت وسائل الإعلام له بالصوت وبالصورة سورة غضب هستيري مذهلة تجاه صحافي داهمته مكالمة هاتفية طارئة من محل عمله، فلم تكن إلا تأكيدا على عنف المعصار!
على الضفة الأخرى من مشهد «الترويكا» الحاكمة في تونس نلمح بلا مواربة تحولا بمئة وثمانين درجة لدى شريك الحكم الرئيس (حركة النهضة الإسلامية).. وفي الوقت نفسه الذي كان مرجل عبو والمرزوقي يغلي ويكاد ينفجر حنقا، كانت المياه تنساب باردة في حديث صحافي مشهود للقيادي في حزب النهضة، والوزير المستشار لدى رئيس الحكومة لطفي زيتون!..
وببرودة دم غير معتادة فاجأ زيتون الجميع باعتراف ضمني بالفشل، بل حذر بلا مواربة من «محرقة» ستعم البلاد إذا لم يتم توافق وطني شامل على طبيعة الحكم لما بعد يوم 23 أكتوبر، برغم أن البعض اجتزأ مفردة «المحرقة» من سياقها، وساقها في نفس سياق التهديد المبطن بالإعدام الذي جرى على لسان محمد عبو.
لم يكن زيتون يهذي. فالدم البارد النهضاوي تدفق بعد ذلك في قرار مجلس شورى حركة النهضة بالمضي في «حكومة وحدة وطنية» لإنقاذ الشرعية بعد 23 أكتوبر.
أن تصل متأخرا خير من ألا تصل أبدا.
ذلك ما يخيل لي أن «النهضة» قد تزوجته كشعار للمرحلة المقبلة وهي تعلن في السر وفي العلن أن 23 أكتوبر يوم حرج، وأن ما بعده يحتاج إلى سد ثغرات ما قبله. واعترف أنها مناورة سياسية بارعة -إن صحت- ترتقي بالحركة إلى مرتبة اللاعب السياسي الماهر، الذي يفهم جيدا أن السياسة هي فن الممكن!.. وشرعيا تجد النهضة لها متكأ في قوله تعالى «أتموا إليهم عهدهم إلى مدته».
ولست أذيع سرا بالقول إنني التقيت قياديين بارزين في الحركة. واندهشت لمنسوب التعقل والبراجماتية اللذين سيطرا على طروحاتهم الجديدة في مواجهة فراغ ما بعد 23 أكتوبر، وأولها الإقرار بـ «الفشل»!
أضع مفردة «الفشل» بين معقوفين، لأن قياديي النهضة ينفون فعل «غواية» الحكم الواقع عليهم، ويعتقدون أنه تم دفعهم دفعا «للاستفراد» بالحكم يومها عندما قرر فريق سياسي الاصطفاف في المعارضة رغم عرض التشارك على الجميع بما في ذلك أقصى اليسار.
لذلك يعترف محدثي فقط بالمسؤولية عن عدم الإلحاح في طرح التشارك على الجميع. وأمام هذا الصد، وأمام وجود حزبي «التكتل» و «المؤتمر» اللذين زينا لهم طريق «الترويكا» كمخرج سليم لحكم ديمقراطي وشرعي. في الظاهر على الأقل، رغم ملاحظة الكثيرين بأنه تحالف ضد الطبيعة، انساقت النهضة إلى مصير محتوم!
فالطريق إلى جهنم مفروش بالنوايا الطيبة. وفي السياسة تحديدا يجب توافر عناصر أخرى أشد باسا وقدرة على الصمود من النية الطيبة. لذلك، وأمام عجز حكومي بين في الإيفاء بتعهدات انتحابية طائشة. وجد الجميع ظهورهم إلى الحائط. ففيهم من استشاط حنقا، وفيهم من استنجد بدربته السياسية ليقول من دون خشية «نعم.. لنعد الكرة من جديد!».
فقد فعلها بورقيبة –وما أدراك ما بورقيبة- عندما كانت البلاد تشتعل نتيجة الزيادة التي قررتها حكومة المرحوم محمد مزالي في سعر الخبز «نرجعوا وين كنا».. ثلاث كلمات أخمدت لهيب الشارع وعاد سعر الخبز إلى ما كان عليه وعاد الشارع إلى هدوئه. فيما ظلت الكلمات الثلاث درسا سياسيا لا ينسى لأحباء البراجماتية.
فهل تريد «النهضة» اليوم أن تقول «نرجعوا وين كنا»...؟!!
إذا كان الأمر كذلك فهو نضج سياسي ملحوظ، من المفترض أن يتلقفه الجميع بكثير من التواضع السياسي، وأولهم حزب «نداء تونس» الذي بات – نظريا- أكثر القوى السياسية اجتلابا للطبقة المتوسطة والوسطية في تونس والتي تناهز الـ80%... شريطة ألا تستبد «الغواية والهواية» بأحد بعد الآن.. فحكم تونس الجديدة بالمفرد أضغاث أحلام ورومانسية سياسية في غير موضعها.. كما أن العقلية الانتقامية والإقصائية هي سادية، وضرب من عبث أقلية مخمورة بالسلطة الطارئة على حين غرة.. ومن ثمة فإن أجندة مصالحة وطنية حقيقية وشاملة هي الشرط الوحيد لاستمرار الدولة التونسية.. أما عدا ذلك فهو الطوفان الذي لن يدخر أحدا. وحينها سوف ينتفض كل شهداء الوطن في قبورهم!
لقد أخطأت النهضة «الشاعرة» عندما اتبعت خطى الغاوين في السياسة. بأن اعتقدت فجأة أن نتيجة أول انتخابات نزيهة تؤهلها للتصرف مثل السويسريين مثلا، حيث الاستقرار الانتخابي متأصل.. لكنها اليوم بموقفها الجديد تتلافى سذاجتها السياسية وتتعالى على جراحها وآثامها لتنخرط في مشروع وطني ذي سقف عال. ستقابله بلا شك غابة من التساؤلات ليس أقلها: هل كبروا ونضجوا سريعا؟؟ أم أنها مجرد مناورة سياسية انتهازية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه؟
كثيرون اليوم من يتذكرون خطاب الرئيس السابق بن علي الأخير وهو يقول «فهمتكم».. ومع ذلك فقد كان خطاب الرحيل.. وكثيرون يتمنون اليوم أن يكون تمشي النهضة في حكومة وحدة وطنية خطابها الأخير، وأن تقول «باي باي» وهم يرددون «ما أحلى فراقك».. لكن الإسلاميين في واقع تونس قوة سياسية حاضرة ومشاركة غير قابلة لمثل هذا التغييب المخل بالخارطة الديمقراطية الحقيقية –مع مراعاة التوقيت والمزاج في تونس-!..
وتلك حقيقة. من يحجبها كمن لم يلقط شيئا من خطاب الوداع لبن علي.. وكمن يعود إلى نفس سياسة بن علي ليقتل بن علي فإذا به ينتحر متعاميا عن قصة الهر الذي أفنى دمه على المبرد.. استلذاذا بالموت.. فمات!