


عدد المقالات 604
في أسبوع واحد كان المشهد غريبا، وغير مسبوق على التقاليد المتعارف عليها. أتحدث عن تلك الضجة الإعلامية، والاحتفالات الرسمية، والسعي إلى إشراك رجل الشارع في الأمر، عندما حصلت مصر على الجزء الأول من صفقة الطائرات الفرنسية رافال، وعدد من طائرات أف 16 الأميركية، وقطع بحرية. حرصت القوات الجوية على القيام بطلعات جوية فوق سماء القاهرة والمحافظات، وسط تغطية إعلامية موسعة. كانت الرسالة التي يسعى إليها القائمون على الأمر في مصر، أن ثمة إنجازا قد تحقق، وهو أمر به جزء من الصحة، فهناك تنويع لمصادر السلاح، والاعتماد على دولة مثل فرنسا كجزء مهم في تطوير القوات الجوية المصرية، بعد سنوات من اعتبار أميركا تمثل العمود الفقري والمزود الرئيسي لتلك القوات، وهي سياسة قديمة بدأت بعد حرب أكتوبر 1973، في عهد الرئيس الأسبق أنور السادات، بعد أن استمر الاعتماد على التسليح الشرقي سنوات طويلة، ولكن الأهم هو أن هناك ترويجا لمفاهيم جد خطيرة، أن مصر تولد من جديد، وأن هناك قوات مسلحة مختلفة عما قبل 3 يوليو، رغم أن الجيش المصري هو أقدم وأعرق وأهم جيوش المنطقة، كما أنه المورد الرئيسي لحكام مصر على الأقل منذ عام 1952، سواء ناصر أو السادات أو حسني مبارك. كان الأمر مختلفا بالنسبة لي كمراقب، شاءت الأقدار أن أرتبط مبكرا جدا بالمؤسسة العسكرية في منتصف سبعينيات القرن الماضي، من خلال بداية عملي الصحافي، حيث شاءت الظروف أن أتحمل مسؤولية تحرير الشؤون العسكرية في مجلة آخر ساعة، أحد إصدارات دار أخبار اليوم المصرية، وأصبحت محررا عسكريا مكلفا بتغطية كل ما يتعلق بالجيش المصري، واستمر الأمر إلى عام 2005، عندما حصلت على زمالة كلية الدفاع الوطني من أكاديمية ناصر العسكرية، وهي متاحة للمدنيين والعسكريين معا في الدورة 24، ومن خلال عملي كان لي شرف المشاركة في أحداث مهمة، ومنها التواجد ضمن القوات المصرية المشاركة في عاصفة الصحراء وتحرير الكويت في العام 1991، وكذلك حضور مراسم تسلم أسلحة جديدة دخلت الخدمة، وأتذكر أن البداية كانت في تسليم طائرات النقل العملاقة البافلو الكندية، التي تماثل نظيرتها الأميركية سي 130. كانت الأمور تتم في احتفال بسيط بحضور قادة القوات المسلحة، والهدف كان إخبار الشعب المصري بحرص قواته المسلحة على التطوير والتزود بأحدث إنتاج الترسانات العسكرية في العالم. تكرر الأمر مع طائرات أف 16 ومعدات أخرى أميركية. نحن إذن أمام حالة مقصودة، ومخطط مرسوم لعسكرة دولة مدنية، والإشارات بالعشرات، لا تعد ولا تحصى، رغم قناعاتي المبنية على دراسة متأنية لتاريخ المنطقة، أن المؤسسة العسكرية في الدول العربية هي «عمود الخيمة»، التي جعلت منها ظروف عديدة أداة التغيير في المنطقة، على الأقل بعد ثورة 23 يوليو 1952 في مصر، وفي ظل تراجع إمكانات نمو كيانات سياسية، وأحزاب ومجتمع مدني، وإجهاض التجربة الحزبية في العديد من الدول العربية، بعد تولي القوات المسلحة مهام السلطة. وقد احتفظت الجيوش بدورها الذي لم يقتصر على الشق العسكري، ولكن أضيف إليه مهام مدنية، ففي دولة مثل مصر كان هناك دائما «كوتة» للقوات المسلحة في تعيينات المحافظين ورؤساء الإدارات والمؤسسات الحيوية والمهمة، وحتى سفراء مصر في دول صناعة القرار الدولي، كما أنها كانت حافظة الاستقرار وتماسك الدول في العديد من الأقطار العربية، والعراق هو النموذج الأكبر لذلك، فلم يعد كما كان بعد القرار الكارثي الذي اتخذه بول بريمر بحل الجيش العراقي بعد احتلال بغداد 2003، وسوريا لم تعد كما كانت بعد أن تورط الجيش في المواجهات ضد جزء من الشعب خرج معارضا لنظام الأسد الابن، وليبيا لم يكن بها جيش نظامي، بعد أن تم الاعتماد على اللجان الثورية كبديل له. ومع ذلك كله، فالمنطق والعقل والتطور الطبيعي في المنطقة يسير بالضرورة إلى إقامة الدولة المدنية، الجيش فيها له مهام، تتعلق بالحفاظ على الأمن القومي، ومواجهة أي تحديات تواجه حدودها، وأن الاختيار ليس بين عسكرة الدول أو انهيارها، أما ما يحدث في مصر، فهو مخطط لتعزيز دور المؤسسة العسكرية بصورة ملحوظة، وكانت البداية في 3 يوليو 2013، ويبدو أنها حاولت معالجة آثار الفضيحة المدوية لجهاز علاج الإيدز وفيروس سي الذي تم الترويج له كأحد إنجازات هيئة الخدمات الطبية للقوات المسلحة، دون إجراء تجارب وفقا للمتعارف عليه دوليا، ومن يومها بدأت خطة ممنهجة، وصلت إلى استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، من خلال نشر صور لمشاريع كبار، قيل إنه تم تنفيذها من خلال الهيئة الهندسية للقوات المسلحة في مدن مصرية مثل المنصورة وكفر الشيخ، ويتم الكشف عن أن أحدها في طوكيو باليابان، والآخر في هولندا. والغريب هو ترسيخ مفهوم أننا أمام جزأين من الشعب المصري، عسكري يتسم بالانضباط، والقدرة على الإنجاز، وتنفيذ المهام المكلف بها في المواعيد المحددة، وجزء مدني مغاير تماما. وتوقف الكثير من المراقبين عند التصريح الصادم الذي جاء على لسان الفريق مهاب مميش رئيس هيئة قناة السويس، من أن تعامله مع المدنيين في مشروع حفر القناة، كشف له عن نماذج منضبطة من المدنيين، أو التصريح الآخر لمدير الكلية الحربية، بأن الطلبة يدركون تماما أنهم هم قيادات مصر المستقبل، منهم الرؤساء، والوزراء، والسفراء، والمحافظون، على حد تعبيره، صحيح أنه قد يقر واقعا، ولكنه لا يصرح به. ومن ذلك الاستفراد بالمشروعات الاستراتيجية، ومنها الطرق، وآخرها قناة السويس التي تم تكليف الهيئة الهندسية بها، في تغافل تام لإمكانات شركات ومؤسسات عملاقة مصرية، كان لها دور تاريخي ليس في مصر فقط، بل في المنطقة العربية والإفريقية، ومنها المقاولون العرب، وكانت الشركة الأشهر في بناء السد العالي، أحد أهم مشروعات القرن، بل هي صاحبة الفضل الأكبر في بناء حائط الصواريخ للجيش المصري أثناء حرب الاستنزاف، الذي أوقف غارات القوات الجوية الإسرائيلية داخل العمق المصري، ولها إسهامات في العديد من المشروعات خارج مصر. وهناك شركة النصر للاستيراد والتصدير، ودورها لا ينكر في العديد من الدول الإفريقية، وأصبح الحديث عن رأسمالية المؤسسة العسكرية في مواجهة جشع وطمع وفساد رجال الأعمال أمرا عاديا، كما يشير إلى ذلك القيادي الناصري عبدالحليم قنديل، أو عبدالمنعم سعيد المفكر السياسي، الذي يحاول أن يقلل من دور القوات المسلحة الاقتصادية، بالإشارة إلى أن نصيبها من الاقتصاد القومي لمصر لا يتجاوز الـ2 بالمائة فقط، رغم أن دراسات أخرى ترتفع بالنسبة عن ذلك، دون أن يتوقف أحد ليسأل هل من الطبيعي أن يكون للقوات المسلحة مثل هذا الدور أصلا، مع الوضع في الاعتبار، المزايا التي تتمتع بها القوات المسلحة العاملة في المجال الاقتصادي، ومنها استخدام المجندين وعدم دفع الضرائب. عموما دعونا نعترف بأننا نقدر ونعتز بدور القوات المسلحة المصرية، ونقر بتضحياتها، ولكننا مع عودتها إلى دورها الصحيح كجزء من دولة مدنية،لها مهام محددة وفقا للقوانين والدستور. usama.agag@yahoo.com •
لا أدري إذا كانت تصريحات المبعوث الأممي السابق إلى ليبيا غسان سلامة، حول حقيقة ما جرى منذ هجوم اللواء المتقاعد خليفة حفتر الغادر على العاصمة الليبية طرابلس في أبريل من العام الماضي، نوعاً من إبراء...
عندما يتعلق الأمر بحاضر ومستقبل أكثر من مائة وخمسين عربي في مصر والسودان، فنحن في حاجة إلى الاصطفاف والحذر، والحرص في التناول والتعامل أثناء التعامل مع ملف سد النهضة، وعندما تكون القضية تخصّ شريان الحياة،...
هاهي أميركا تجني ثمار ما زرعته في العراق، فبعد أكثر من 17 عاماً من غزوها العاصمة بغداد، تجد نفسها مجبرة على الدخول في حوار استراتيجي مع حكومة الكاظمي؛ للاتفاق حول شكل وحجم قواتها هناك، بعد...
إن أي مراقب محايد وحريص على التجربة الديمقراطية الوليدة في أعقاب أنجح نماذج الربيع العربي، لا بدّ أن يقرّ ويعترف بأن هناك أزمة حقيقية تعاني منها تونس، وبداية الحل في الاعتراف بوجودها، والاتفاق على آليات...
عندما يجتمع «الهوان» العربي، و»التخبّط» الفلسطيني، مع «الدعم» الأميركي، وموقف «إبراء الذمة» الأممي والأوروبي، فالنتيجة أن المشروع الإسرائيلي لضمّ 30% من الضفة الغربية -وهو قيد التنفيذ- في يوليو المقبل سيمرّ، وعلى الجميع أن يتنظر خطوة...
بكل المقاييس، فإن شهري يونيو ويوليو المقبلين هما الأخطر في مسار أزمة سد النهضة، وسيحددان طبيعة العلاقات المصرية السودانية من جهة، مع إثيوبيا من جهة أخرى، وكذلك مسار الأحداث في المنطقة، وفقاً للخيارات المحدودة والمتاحة...
أسباب عديدة يمكن من خلالها فهم الاهتمام الاستثنائي من جانب الكثيرين من المعلّقين والكتّاب -وأنا منهم- بقضية سدّ النهضة، والأزمة المحتدمة على هذا الصعيد بين مصر وإثيوبيا والسودان، ومنها أنها تتعلّق بحاضر ومستقبل شعبين عربيين،...
بعد عدة أشهر من استقالة رئيس الوزراء العراقي السابق عادل عبدالمهدي، كان الخيار الأول لمن يخلفه هو مصطفى الكاظمي رئيس الاستخبارات العراقية، ولكنه تحفّظ على قبول التكليف، ووسط عدم قبول كتل شيعية له؛ ولكنه أصبح...
المتابعة الدقيقة لمسيرة اللواء المتقاعد خليفة حفتر تؤكد أن الرجل لم ولن يتغير؛ فقد ظهر بشكل كوميدي لأول مرة في فبراير 2014، داعياً الليبيين إلى التمرّد على المؤتمر الوطني العام المنتخب من قِبل الشعب الليبي،...
أزمات لبنان الحقيقية تبدأ وتنتهي عند المحاصصة السياسية والطائفية، يضاف إليها الرغبة في التسييس والتأزيم، مع تمترس كل طائفة وتيار وحزب سياسي وراء مواقفه، دون الرغبة في اللجوء إلى التسويات السياسية، أو لقاء الآخر عند...
لن تخرج الاحتمالات الخاصة بتمرير الحكومة العراقية الجديدة برئاسة مصطفى الكاظمي، عن هذه الاحتمالات؛ إما أن ينجح الرجل فيما فشل فيه سابقاه محمد توفيق علاوي وعدنان الزرفي، ويصل إلى التشكيلة المناسبة ليتم تمريرها عبر مجلس...
لا أسامح نفسي على إطراء شخصية مثل بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي، ولكنه يقع في إطار إقرار واقع وقراءة في مسيرة الرجل، الذي استطاع عبر سنوات طويلة، أن يستخدم أدواته بصورة جديدة، ليحتفظ بالموقع طوال...