غزة هي غزة، والعدوان الإسرائيلي كما هو، حدث في 2012، وتكرر منذ أيام، والحكومة في تل أبيب لم تتغير، نفس الصلف والغرور، وممارسة الإرهاب بكل أنواعه، والدمار لا يختلف، والضحايا في المرتين بالآلاف، شهداء، وجرحى، ونازحين. ولكن «الليلة لا تشبه البارحة»، شيء ما تغير، وفي المقدمة الموقف العربي المخزي. في 2012 أرسل رئيس أكبر دولة عربية مصر، الدكتور محمد مرسي رئيس وزرائه هشام قنديل، إلي غزة، وسط الغارات الإسرائيلية، في رسالة دعم قوية، تقول: إن غزة ليست وحدها، تحرك على كل صعيد، ومع كل الإطراف، توافرت الإرادة العربية باتجاه وقف العدوان الإسرائيلي، وذهب وفد يضم 11 من وزراء الخارجية العرب، يرافقهم الأمين العام للجامعة العربية الدكتور نبيل العربي، حيث تفقدوا حجم الدمار وشكل المأساة، وشاهدوا خلال تلك الزيارة، بؤس الفلسطينيين الذي لم يتعرض لها شعب آخر في التاريخ، انعقد مجلس الجامعة العربية على الفور، اتخذ قرارات تحركت مصر الدكتور محمد مرسي، فكان وقف إطلاق النار، واتفاق ما زال الفلسطينيون يعتبرونه الأساس، لأي تحرك في الأزمة الأخيرة.
وفي عدوان 2014، انقسمت المواقف العربية، واتخذت ثلاثة مستويات، الأول اتسم بالتواطؤ والمشاركة في العدوان، بشكل أو بآخر. والثاني ساده الإحساس «بقلة الحيلة»، وبعدم القدرة على فعل شيء، فاكتفى بالجهاد باللسان، بالتنديد والإدانة، أو حتى الرغبة في تسيير قوافل إغاثة، اصطدمت بالمنافذ المغلقة بين غزة والعالم. أما الثالث، فهو قاصر فقط، ومن خلال رصد موضوعي للأحداث، وبعيدا عن أي شبه مجاملة، أو ممارسة نفاق، على دولة قطر، التي قرأت الأحداث منذ البداية بصورة صحيحة، والتزمت بالدفاع عن الحقوق الفلسطينية، الثابتة والعادلة، وراهنت على نجاح المقاومة الفلسطينية، التي تواجه عدوانا بربريا، مدعومة في ذلك بكل المواثيق والاتفاقيات الدولية.
انتفض شعوب العالم في كل مكان، متأثرة بمشاهد الضحايا من الأطفال والنساء، بحجم الدمار الذي جسد صورة، كما لو كانت القرى والمدن والمخيمات الفلسطينية، تعرضت إلى زلزال، شاهدنا مظاهرات الاحتجاج في كل عواصم الدنيا، في واشنطن أمام البيت الأبيض، وأمام السفارة الإسرائيلية في محاولة للاعتصام أمامها، في باريس ولندن وعواصم أخرى، احتجاجا على مواقف تلك الحكومات، ودعوة إلى وقف الاعتداءات، على الأطفال والنساء والمدنيين العزل. وكان الموقف مختلفا بين الشعوب العربية، ومن بعدها الحكومات، فالكل في غيبوبة، وكأنهم «على رؤوسهم الطير»، أو أن المأساة في كوكب آخر، ولا تتعلق بشعب شقيق عربي، مسلم، لم تتأثر بالضحايا في شهر رمضان الكريم، لم تتحرك بفعل استمرار نزيف الدم، كل تلك المدة، وكأنها شعوب وحكومات ماتت ضمائرها، لدرجة أن الجامعة العربية لم تجد فيما يحدث، دافعا لمجرد «إبراء الذمة»، «وستر عورة النظام الرسمي العربي»، من خلال اجتماع لمجلس الجامعة على مستوى الوزراء، وسمعتها من الرئيس الفلسطيني محمود عباس، عندما زار القاهرة مفسرا تأخر الاجتماع، والدعوة له، بالاكتفاء بانعقاد المكتب التنفيذي لمنظمة المؤتمر الإسلامي في جدة، على أساس أن الأمر يتعلق في النهاية، بتحويل القضية إلى مجلس الأمن، سواء من الجامعة العربية، أو منظمة المؤتمر الإسلامي.
وجاء الدرس القاسي من أقصى بقاع الأرض، من دول أميركا اللاتينية، مثل السلفادور وتسيلي والبيرو، التي قامت باستدعاء سفرائها للتشاور، في إجراء احتجاجي، يمهد لإمكانية قطع العلاقات، واعتبار إسرائيل دولة إرهابية، وأسقط المتحدث باسم الخارجية الإسرائيلية، «ورقة التوت» عن بعض الدول العربية، عندما أبدى استغرابه من دول أميركا اللاتينية ووصفه بالتهور، وقارن بينها وبين ما أسماهم الدول العربية الصديقة، الحريصة على استمرار علاقتها مع إسرائيل، رغم كل شيء، ولم تسحب سفراءها، بل تريد وفقا لما قاله بيان الخارجية الإسرائيلية، تدعيم علاقاتها مع تل أبيب، بل والمحزن في الأمر، ذلك الاجتماع الذي عقده الأمين العام للجامعة العربية الدكتور نبيل العربي، مع سفراء مجموعة دول أميركا اللاتينية في القاهرة، ليشكرهم على تلك المواقف، والتعامل مع الأمر على أنه نجاح منقطع النظير، للحوار العربي مع مجموعة دول أميركا اللاتينية، عبر الأمانة العامة للجامعة، في محاولة لتفريغ تلك المواقف من مضمونها، خاصة أن المقارنة بينها وبين المواقف العربية مخزية، تكشف عن التدهور الخطير في الوضع العربي، فالدكتور نبيل العربي لم يفسر لنا، سر «الغيبوبة» التي عانت منها الجامعة العربية، وغيابها عن كل الاتصالات والمشاورات، التي جرت لوقف العدوان الإسرائيلي على غزة. صحيح أننا ندرك الإشكالية التي تواجه عمل، كل المنظمات الدولية والإقليمية، وقدرتها على الحركة والفعل والتأثير، ومنها الجامعة العربية، التي تمثل انعكاسا للدول الأعضاء، محصلة لمواقفها، ولكن الأمين العام ينسى أن هناك هامشا متاحا للأمانة العامة، وهو شخصيا، كان من الممكن أن يتحرك فيه، لدفع الدول العربية لاتخاذ مواقف أكثر جدية، ومنها دعوة تلك التي لها علاقات مع إسرائيل، باستدعاء السفراء، لمزيد من ممارسة الضغوط من الدول العربية الفاعلة، لدعم المطالب الفلسطينية العادلة، لوقف العدوان،لإنهاء الحصار، لتبني مطالب فصائل المقاومة، للدفاع عنها ضد تلك الهجمة الشرسة، من بعض الحكومات، التي اتهمتها بممارسة الإرهاب، رغم أن حق المقامة ضد الاحتلال ثابت، ومشروع وفق كل القوانين والأعراف الدولية، أو التي جمعت بينها وبين المعتدي في سلة واحدة، وتسعى من خلال المفاوضات، لتنفيذ مخطط غاية في الخطورة، ليس على القضية الفلسطينية وحدها، ولكن على المنطقة، وهي الدخول في صفقة نزع سلاح المقاومة، مقابل رفع الحصار، أو توفير مليارات الدولارات لإعادة أعمار غزة.
والعجيب أن الأمين العام للجامعة العربية نبيل العربي، ما زال يتحدث عن ثلاث مهام للجامعة في المرحلة القادمة، ما بعد وقف إطلاق النار، الأولى حددها في السعي إلى عقد مؤتمر دولي لإعادة قطاع غزة، بحضور موسع من أكبر عدد من الدول المانحة، والثانية تفعيل الطلب الفلسطيني، الذي تم تقديمه إلى الأمم المتحدة، بوضع الشعب الفلسطيني تحت الحماية الدولية، والثالثة إنهاء الصراع، بعد أن نجحت إسرائيل خلال 20 عاما الماضية، في تحويل الأمر، كما لو كان إدارة للصراع، دون حله، من خلال عقد اجتماعات دولية وثنائية بين الطرفين، وإنشاء لجان مختلفة، ومنها اللجنة الرباعية التي لم تمارس أي دور، وكأنها مكافأة نهاية الخدمة لتوني بلير رئيس اللجنة، كل تلك المهام، تعبر عن نوايا طيبة، ولكنها لا تتعلق بجوهر القضية، وهي أن يتم العمل على إقامة دولتين، إحداها فلسطينية متواصلة، كما أن عملية إعادة الأعمار، غير مضمونة، حتى ولو تم توفير الاعتمادات اللازمة لذلك، طالما إسرائيل قادرة على هدم كل الأعمار، في أي عدوان قادم، طالما استمر الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة. طالما لم يتم التعامل مع الواقع على الأرض، الذي خلقته المقاومة الفلسطينية البطلة، التي غيرت من المعادلة، وفرضت توازن الرعب على إسرائيل، وخلقت حصارا على التواصل بين إسرائيل والعالم، من خلال عمليات إطلاق الصواريخ على العاصمة تل أبيب، ومدن إسرائيلية أخرى.
ولعل السؤال الأهم هل هناك إرادة عربية، أو موقف موحد للقيام بتلك المهمة، أخشى أن أقول.
usama.agag@yahoo.com