alsharq

جيهان أبوزيد

عدد المقالات 103

وإني أحبك أكثر

14 أغسطس 2012 , 12:00ص

برغم أنهم أغلقوا الطريق وقلبوا سكينة الشارع إلى ضجيج مطلق. لكن المارة أخذوا يلوحون لهم. نثر الشباب بهجة وهم قادمون كإعصار مفاجئ يقودون دراجات من كافة الأنواع. ومن جهاز كبير معلق بإحداها كانت تخرج موسيقى بُعثت للتو من الغابات ومن ضحكات الرمال في الصحراء ومن أبعد عام تحفظه كتب الحضارات. على رصيف يجاوره منازل عمرتها الأزهار والأشجار ولوحات الأطفال كنت أسير عائدة من مكتبة جامعة بيركلي بكاليفورنيا أفكر في مقال اليوم وفجأة ربت «محمود درويش» على ذاكرتي معاتباً. فقبل عدة أيام وتحديداً في التاسع من أغسطس كانت ذكرى وفاته. سامَحني فقط حين صدق إنني لم أنسه. وأنه هو ذاته كان يقود الدراجة الصاخبة ويقطع سكون الكون. يمزق المعتاد. ويلعن العتمة في وجه العتمة، وينزع من الحياة غبائها، ويوقظ طفلاً من مهده ليكبر فجأة ويعيد لمنزل أمه ضوء النهار. من قلب الظلمة التي سكنت طريق القضية الفلسطينية خرجت أشعار محمود درويش. درويش الذي ولد ليرحل. عاش الرجل كل الرحيل. اختبره حين أتم السابعة ورحل مع أسرته إلى لبنان بعد ما طردوا من أرضهم. وهُدم منزلهم وأُسقطت على أرض قريتهم منازل أخرى. من وسط أسرته رحل حين اعتقل في السجون الإسرائيلية وهو في العشرين من عمره مفتتحاً طريقه في المقاومة راسماً ملامح مستقبل سيظل معلقاً بجدران منزله الذي أرداه المحتل ركاماً. ثم رحل محمود درويش وهو في الثلاثين من عمره إلى روسيا ليدرس هناك، ومنها إلى القاهرة التي انتقل إليها لاجئاً. قبل أن يرحل درويش عن الحياة كان قد عاش في كل البلاد. في بيروت وسوريا وقبرص وفرنسا ومات في الولايات المتحدة الأميركية عندما فُتح قلبه وتبعثر ما به من ألم فلم يلتئم. توقف فقط عن الرحيل حين استقر درويش في فلسطين بعدما توفى. وقبل وفاته بحوالي خمسين عام قال: أحن إلى خبز أمي/ وقهوة أمي.. ولمسة أمي/ وتكبر في الطفولة يوماً على صدر يوم/ وأعشق عمري لأني إذا مت/ أخجل من دمع أمي قصيدة «أمي» التي غناها «مارسيل خليفة « تجذب الحنين من أعماق القلب وتفنده في جزيئات بريئة موجعة. وبرغم سلاستها يعتقد أغلب النقاد أنها حققت المعادلة الصعبة المتمثلة في اقتران البساطة بالعمق. ظهرت القصيدة عام 1966 في ديوان «عاشق من فلسطين»، فكانت مفاجئة للشعراء والقراء على السواء. فلم يحدث قبله أن التقط شاعر مفرداته من تفاصيل الحياة اليومية الفلسطينية الحميمة: القهوة والخبز والدمع. وفي قصائد أخرى يتغنى: بذيل الثوب وحبل الغسيل وسطح الدار وصغار العصافير. تعلقت فلسطين بمحمود درويش كما لم يتعلق مكان بشاعر. لقد تبدى إبداع محمود درويش في البلورة الشاعرية للذاكرة الفلسطينية. فأحيى العلاقة بين المهاجرين وما خلفوه وراءهم. ربطهم بالزيتون والمفتاح والبيت المهجور والأرض المنتظرة لماء يرويها. وبرغم غرقه في بئر جدته العميق فقد تخطى بشعره الحدود الجغرافية ليصبح سلاحاً لمقاومة المحتل. في أي بقعة كانت وبأي لغة يتحدث. صارت أشعاره سلاحاً لكل من يتطلع للحرية. وبعد أربعة أعوام على وفاته ما زال «محمود درويش» واحداً من هؤلاء الشباب يقود دراجته ليوقظ الضجيج. ويقطع سكون الليل بموسيقى من صنع الكون ومن صنعه. ويبعث لكم برسالة من قصيدته «ورد أقل» تقول: تكبر.. تكبر/ فمهما يكن من جفاك/ سيبقى بعيني ولحمى. ملاك/ وتبقى كما شاء لي حيناً أن أراك بسمتك عنبر/وأرضك سكر/ وإني أحبك أكثر

مصر حتنور تاني

إنه اللقاء بكل شغفه ولهفته وقوته وطاقته القادرة على إحياء الأمل وبعثه من باطن اليأس. إنه اللقاء.. فلم أجد لفظة أخرى تصف العيون المتلألئة ولا الخطوات المندفعة ولا تلك الحياة التي عادت تجري فكست الوجوه...

بين اللجوء والنزوح مساحة ألم

سمعت تلك الكلمة للمرة الأولى في منزلنا بينما جارتنا تأخذ قسطا من الراحة لدينا. اعتذرت عن كوب الشاي الذي أعدته أمي قائلة «لازم احضر العشا للاجئين اللي عندي». أخبرتني أمي أن «اللاجئ « مصطلح يطلق...

من الطابق التاسع رأيت خط الطباشير الأبيض

في الطابق التاسع كنت أسكن. ومن أعلى رأيت أطفال الجيران يرسمون في الشارع الإسفلتي خطا أبيض. ثم احتكروا لأنفسهم المساحة الأكبر وتركوا للطفل الأسمر وأقرانه ما تبقى. والأسمر كان في مثل عمرهم. وكذلك فريقه الذي...

في قلب القاهرة ماتت «شهرزاد»

«لقرون طويلة حكيت عني يا شهرزاد, غطى صوتك على صوتي» لكنى الآن وبدون ندم أشيعك إلى مثواك وأعلم أني لن أسبح في الفرح, لكني سأعيش بهجة غسل تراثك. وفى حضرة الحكاية علينا أن نبدأ القصة...

ثلاثة مشاهد لا يربط بينها إلا «المياه»

المشهد الأول: كان أن تحدث مرشح الرئاسة عن برنامجه الطموح لقيادة مصر في مرحلة مفصلية, واستعرض مجالات عدة ثم قال «وأما عن المياه فسوف نزيد مياه النيل بالدعاء». المشهد الثاني: صوت جهوري لرئيس الجمهورية آنذاك،...

خطاب بعلم الوصول إلى رئيس مصر

طرقة واحدة مفاجئة، ثم ضاع الضوء وانسحبت الكهرباء إلى أسلاكها وتركتنا في عتمة قاتمة، بنظرة واحدة على الشارع أدركت أننا نصفان، نصف مضيء ونصف معتم، كان جانبنا صامتا وكأن الحياة قد توقفت عنه، حارسة العقار...

وبينهن نساء عاشقات لقهوة الصباح

أعادته مرة أخرى إلى الطبق الصغير عقب الرشفة الأخيرة، ثم انتظرتْ دقائق وقَلَبَتْه فسال اللون الداكن برائحته النفاذة وتلون الخزف الأبيض. وأكملت هي حوارها تاركة لي الحيرة من أمر تلك القهوة التي تجمع جدتي بجارتنا...

أم سيد والواد شمعة وسلاح سوريا الكيماوي

أيمكن أن يصدق عاقل أن «فارس» حمل عتاده وسلاحه وسافر طويلا لكي يحمي «مالك» الذي لا يعرفه ولا يعرف عنه شيئا. البعض قال لي لا بد أن «فارس» ملاك في جسد بشر. لكن آخرين كانوا...

في اكتمالي موتي.. وبالنقصان أستعيد الحياة

كان يكفي أن أنظر للسماء لأعلم لما لا يرد شقيقي على الهاتف. متحفزا. مكتملا. باهيا. كان قرص القمر في قلب السماء. متألقا وسط النجوم. مدركا حجم ضوئه وعمق أثره. مختالا بنوره الذي يوقظ كل الصحاري...

وللنساء مع الزلازل شأن آخر

في مايو ومنذ ما يزيد على ثلاثة وخمسين عاما, وقبل أن تهبط الأحلام على النائمين انفجر غضب ما من باطن الأرض فقسمها وضرب مبانيها وأهال التراب على ما يزيد على ثلاثة آلاف نسمة. يومها لم...

ولكل منا أريكته الزرقاء.. ولكل منا آذان أخرى

الشاب ذو الصوت الصادق حاصرني, كما كان لأسئلته تفرد مدهش فلم أملك إلا الانتظار, سار بي خطوات قليلة ثم أشار إلى سمكتين لونهما أزرق يتوسطان لوحة القماش المعلقة, وقال: «أتعرفين لماذا وُلدنا؟». صمت من هول...

في المطار يسألونك: أتحب الغناء والفرح!

أتصدقون أن بين وحشين كبار عاشت الغزالة الصغيرة آمنة حالمة, لكن الأهم أنها عن حق سعيدة, ثم عَنَّ لها أن تجرب الجنون, فإذا بها تعلن بصوت عال أنها في طريقها لتصدير السعادة, ولو لم أكن...