قمة المأزومين..!
14 فبراير 2015 , 01:58ص
أصبحت المبالغة إحدى آفات السياسة المصرية، وتحولت «النرجسية» إلى مرض حقيقي، يتم التعبير عنه في الإعلام، حول كل تحركات النظام في مصر. يشارك الرئيس عبدالفتاح السيسي في أعمال الدورة العادية للأمم المتحدة، التي تنعقد سنويا، وفي نفس الميعاد من شهر سبتمبر، فتتحول إلى دورة مصر، رغم مشاركة العشرات من رؤساء الدول، وكبار المسؤولين فيها، ولا يهتم الإعلام بالقضايا التي تم طرحها في تلك الدورة، ولا القرارات التي تم اتخاذها، فالتركيز فقط حول نشاط السيد الرئيس، كل زيارة خارجية للسيسي توصف بأنها تاريخية رغم أن دبلوماسية القمة إحدى وسائل التواصل بين كل الدول. يزور الرئيس الروسي فلاديمير بوتن القاهرة، فيصبح الأمر حدثا ترتفع من أجله الصور واللافتات في الشوارع، وكأنها فتح مبين، رغم أنها ليست الزيارة الأولى، فقد سبق أن قام بمثلها في العام 2005 في زمن الرئيس حسني مبارك، صاحب العلاقات الاستراتيجية مع واشنطن، أما المبالغات حول طبيعة وتوابع ونتائج الزيارة، فحدث ولا حرج، فالحديث يدور عن تغيير في المعادلة الإقليمية والدولية، وعن القلق الأميركي من وجود متغيرات، واختلافات جذرية في توجهات السياسة الخارجية المصرية، رغم أن واشنطن بحكم علاقاتها مع موسكو والقاهرة معا، تدرك القدرات المحدودة لدى الطرفين على المناورة، أو القيام بتغيير دراماتيكي في التحالفات المستقرة للبلدين.
وتشير أحداث التاريخ إلى وجود حرص مصري على وجود علاقات مستقرة مع موسكو، في زمن الاتحاد السوفيتي أو بعد انهياره، حتى في زمن ما قبل ثورة يوليو 1952 أيام الملكية، فقد بدأت العلاقات بين البلدين في أغسطس 1948، وكان التعاون يتم بمقايضة القطن المصري مع الحبوب والأخشاب من روسيا، والعجيب أن التفكير في استيراد الأسلحة من روسيا لم يرتبط تاريخيا بصفقه الأسلحة التشيكية في عام 1955 أيام جمال عبدالناصر كما هو متداول، بل كان هناك مباحثات بين البلدين في يناير 1952، وأوقفها الأزمة السياسية التي عاشتها مصر بعد حريق القاهرة، دون أن ينفي ذلك كله، أن الحقبة الناصرية كانت هي العصر الذهبي للعلاقات بين البلدين، بعد أن انحاز عبدالناصر للكتلة الشرقية بزعامة الاتحاد السوفيتي، الذي استطاع تعزيز وجوده في الساحة السياسية، على مستوى دول العالم الثالث، من خلال البوابة المصرية، وقد أسهمت موسكو في إنشاء حوالي 97 مشروعا، في مقدمتهم السد العالي، ومصانع الحديد والصلب، ومجمع الألومنيوم، والعديد من محطات الطاقة، ناهيك عن صفقات السلاح للجيش المصري، والفترة الوحيدة في تاريخ العلاقات المشتركة بين البلدين التي شهدت قطيعة وخلافات وتباعدا، كانت في زمن الرئيس الأسبق أنور السادات، الذي ألغى في العام 1976 معاهده التعاون والصداقة، رغم أنه من سعى إليها، ووقعها مع الروس بعد توليه السلطة، وبعدها بأقل من عشر سنوات وفي عهد مبارك، زار بوتن القاهرة، وعادت أشكال التعاون المختلفة مع موسكو، على الصعيد العسكري والاقتصادي، ووصل الأمر إلى التوقيع على شراكة استراتيجية للتعاون العسكري والتقني والاقتصادي في عام 2009، في عهد ديمتري ميدفيديف والذي لعب دور «المحلل» لعودة بوتن إلى السلطة من جديد.
ومن المؤكد أن هناك حاجة مشتركة لكل من السيسي وبوتن، في التعويل على هذه الزيارة، والإعلاء من شأنها، للخروج من الأزمة التي تواجه كلا منهما، فالأول يدرك تماماً أن الرئيس الروسي هو أرفع مسؤول دولي يزور القاهرة بعد 3 يوليو 2013، في إطار حرص السيسي على إرساء دعائم شرعيته، من خلال جولات وزيارات ولقاءات مع العديد من قادة العالم، في ظل حالة عدم الاستقرار الداخلي الذي تعيشه مصر. كما أن بوتن المحاصر، يمكن أن يستخدم الزيارة في توصيل رسالة بأنه قادر على الخروج من ذلك الحصار المفروض عليه من دول الغرب، وأنه يستطيع تجاوزه في إطار البحث عن مناطق نفوذ جديدة، في منطقه ذات طبيعة استراتيجية ومهمة، وساعد على ذلك وجود تشابه كبير في الملامح الخاصة، وتجربة ورؤى كل منهما، خاصة مع الخلفية العسكرية لهما، ووصلا إلى السلطة عبر العمل في الأجهزة الأمنية، المخابرات العامة الروسية، والعسكرية بالنسبة لعبدالفتاح السيسي، كما أنهما معا من أصحاب مدرسة التضحية بملف أوضاع حقوق الإنسان في سبيل تحقيق الاستقرار، كما أن كلا منهما يكتسب جزءا من شرعيته من خلال الحديث عن مواجهة الإرهاب، الشيشان في روسيا وتحالف دعم الشرعية في مصر، كما كانت روسيا سباقة في التعامل مع الإخوان المسلمين كتنظيم إرهابي.
ولعل الأرقام تؤكد محدودية المردود المرجو من الزيارة، على كافة المستويات، رغم كل ذلك الضجيج الإعلامي، فعلى الصعيد الاقتصادي مثلا، فالسوابق تؤكد أن هناك اتفاقا منذ عام 2007 لم ينفذ بإقامة منطقه صناعية روسية، على مساحة مليون متر، تستهدف إقامة مشروعات صناعية لإنتاج السيارات والصناعات الغذائية وأجزاء الطائرات، ومعدات متعلقة بإنتاج الطاقة والكهرباء والبترول، كل ذلك ما زال حبرا على ورق، والحديث هنا عن إعادة تخصيص لأراضٍ لإقامة نفس المنطقة على خليج السويس. كما يكفي أن نعرف أن حجم الاستثمارات الروسية المباشرة في مصر لا تتجاوز 70 مليون دولار، وهي تقل عن استثمارات شركة خليجية متوسطة في مصر، والأغرب إذا عرفنا حجم استثمارات روسيا في الخارج، والذي وصل في عام 2013 إلى 95 مليار دولار، لتحتل المرتبة الرابعة على مستوى العالم، بعد أميركا واليابان والصين، كما وصلت حجم الاستثمارات الروسية المتراكمة في دول العالم إلى نحو 501 مليار دولار، ويكفي أن نعرف أن روسيا تحتل المرتبة الـ46 في الدول المستثمرة في مصر، كما أن حجم التبادل التجاري، لا يتعدى %3.5 من إجمالي تجارة مصر الخارجية، كما أن الميزان التجاري لصالح روسيا بصورة مذهلة، حجم صادراتها لمصر ما بين مليار و3 مليارات، بينما الصادرات المصرية لروسيا لا تصل إلى 100 مليون جنيه، المجال الوحيد المضي في المجال الاقتصادي هو السياحة، وقد تراجع حجم السياحة الروسية إلى مصر بشكل كبير، بعد أن وصل إلى 3 ملايين سائح من إجمالي 13.5 مليون سائح، بعد الأزمة الاقتصادية التي تعيشها روسيا، نتيجة الحصار والعقوبات الاقتصادية الغربية على موسكو، وهناك تفكير في استخدام العملات المحلية، الجنيه والروبل في التبادل بين البلدين، ولكنه يضر كثيراً بالاقتصاد المصري، ويحرم الخزينة العامة من مبالغ ضخمة بالعملات الأجنبية، ولا يبقى سوى بعض مجالات التعاون بين البلدين، ومنها عقد صفقات لاستيراد الغاز، أو الحصول على صفقات سلاح، ولا أقل من أهمية ذلك، ولكنه يصب في المصلحة الروسية.
علينا أن نتعامل بواقعية، بعيدا عن أساليب الدعايه المغرضة، والتضخيم المضر، ونضع الأمور في حجمها الطبيعي.
usama.agag@yahoo.com •