


عدد المقالات 307
جرت محاولة أخيراً لإجراء حوار بين الأطراف المتنازعة في ليبيا، ولم تنجح. قيل إن المبعوث الأممي الجديد الإسباني برناردينو ليون، وهو كان صاحب المبادرة، لم يعدّ لها جيداً. وقبل ذلك بذلت محاولات أخرى، بعض منها بمبادرات من لجنة ليبية عهد إليها بملف المصالحة، ومنها أيضاً اقتراحات من المبعوث الأممي السابق اللبناني طارق متري، الذي تحمّل الكثير من الانتقادات الداخلية غير المحقّة، ربما لأنه عربي فحسب ولا يُتَوقّع منه أن يكون حيادياً كما يفترض منصبه، فكل طرف أراده منه أن يميل إليه، وإذ لم يفعل راح كل طرف يتوجّس من ميول سياسية يفترضها لديه. واللافت أن خلفه الأجنبي لا يُعامل حتى الآن بالمقاربة نفسها رغم أنه مضطر في تعاطيه مع الفرقاء أو في إعداده للحوار وغيره لأن يأخذ في الاعتبار قرارات مجلس الأمن. وهذه تتضمن أحكاماً واضحة باعترافها بمجلس النواب المنتخب في يونيو الماضي، وبكونه صاحب الشرعية، تماماً كما اعترفت سابقاً بالمؤتمر الوطني وبشرعيته التي انتهت عملياً بانتهاء ولايته، خصوصا بانتخاب مجلس النواب كبديل له. تنبغي الإشارة أيضاً إلى أن قرارات مجلس الأمن لا تتضمن أي انحياز إلى أي فصيل من تلك الفصائل المتقاتلة اليوم في مدن ليبيا، وذلك لسبب واضح هو أنها جميعاً غير خاضعة للسلطة الشرعية، وبالتالي فلا مجال لتبنّيها. صحيح أن ثمة فصائل مصنّفة «إرهابية» بحسب المعايير التي وضعتها قرارات دولية سابقة، وهذه لا تعترف أساساً بأي مبعوث أممي أو ما يشابهه، غير أن الفصائل الأخرى معروفة وفقاً لأدوار قامت بها خلال الثورة، أو علاقات أقامتها مع بعض الدول والأجهزة، وبعد سقوط النظام السابق عُرفت سلباً وإيجاباً مساهماتها في ضبط الأمن وفي إتاحة أو عدم إتاحة إنشاء «الدولة». وإذ يقال الآن، من باب التعميم وربما التعمية والتمويه، إن الجميع يتحمل مسؤولية الانهيار الذي حصل، فلا مبالغة في ذلك. لكن يصعب العثور بين مَن هم اليوم في الجبهات على مَن يفكر في أي «مسؤولية»، ومسؤولية تجاه مَن أساساً؟ لا شك أن المشكلة في ليبيا تأثرت بشكل مباشر بما حدث في مصر من إسقاط للشرعية المنتخبة التي كانت في عهد الرئيس الإخواني محمد مرسي. إذ اعتبرت أطراف التيار الإسلامي الليبي أن الهدف كان أولاً وأخيراً انتزاع الحكم من الإسلاميين والحؤول دون وصولهم إليه حتى ولو بالانتخابات، لذلك أعادهم الإحباط المصري إلى كونهم قدموا في الأصل تنازلاً عندما ارتضوا الاحتكام إلى الانتخابات. لكن كانت هناك فوارق جوهرية بين البلدين الجارين، وأهمها وجود الدولة والجيش وانقسام المجتمع إلى نصفين شبه متساويين في الانتخابات الرئاسية عام 2012 تحديداً. أما في ليبيا حيث لا دولة ولا جيش فتبيّن من اقتراعين متتاليين أن الإسلاميين لن يتمكّنوا من دخول أي مجلس منتخب بكتلة مؤثّرة توازي انتشارهم المسلّح ونفوذهم الواسع على الأرض. تلك كانت إشكالية كبيرة فرضت على البلد واقعين متناقضين بين سياسة شرعية لا تستطيع التحكّم بالسلاح، وسلاح غير شرعي قادر على التحكّم بالسياسة، بدليل أن هناك قوانين أصدرها المؤتمر الوطني واضطر لتعديلها تحت الضغط المسلّح. لم يكن ممكنا حل هذه الإشكالية إلا بتفاهمات سياسية لتمرير المرحلة الانتقالية في أجواء وفاقية، وعلى قاعدة برنامج وطني يتعهد فيه الجميع أولوية العمل على إنشاء دولة للجميع، وجيش وأمن يمكن أن يستوعبا كل من حمل السلاح ليساهم في الثورة. وعندئذ تكون التسويات مؤقتة وانتقالية في انتظار ولادة الدستور الجديد يحتوي تلك التفاهمات أو التسويات من دون تكريسها كأعراف من خارجه تقيّد أحكامه أو تُستخدم لتفسيرات تعجيزية لتطبيقه. لكن مثل هذه التسويات افتقدت مَن يتقدّم لاقتراحها ومَن يستطيع قيادة حوار لبلورتها، إذ ارتكب الجميع إثم السعي إلى الاستحواذ على السلطة أو ما أمكن منها، ونسوا أن الثورة وتضحياتها وشهداءها إنما كانت أساساً من أجل الوطن والشعب وليس لهذا الفريق أو ذاك. بل الأهم والأخطر أنهم نسوا أن بلادهم جغرافية مطبوعة على تعزيز ميول التقسيم والانقسام، لكن شعبها وقبائلها لا يمكن أن تعيش وتحقق ذاتها إلا من المصدر الوحيد للثروة الذي لا يمكن تقسيمه أو الاستئثار به إلا إذا أريد لليبيا أن تعيش في حروب دائمة ومفتوحة. ما فاقم الانقسامات الداخلية، التي تحوّلت إلى حروب للسيطرة على المدن الكبرى و»إمارات» وأشباه دويلات، أن الأطراف الخارجية انقسمت أيضاً فيما بينها وراحت تخوض حروباً بالوكالة فيما بينها. لذلك رأينا أن الفرقاء المحليين صاروا يرفضون أي مشروع للحوار، اعتقاداً من هذا وذاك أنه يوشك أن يحسم الوضع عسكرياً لمصلحته، وبالتالي فلا داعي للحوار مع الآخر، لأن أي حوار قد يكون إطاراً لتنازلات لا لزوم لها. واقعياً، لن يُتاح لأي فريق أن يحسم الصراع حتى لو توفّر له السلاح، فالأرض شاسعة وتستلزم جيوشاً كبيرة، والسيطرة الدائمة مستحيلة حتى لو تحققت ميدانياً، ذاك أن طبيعة الشعب وتركيبته لا تستكينان لصيغة الغالب والمغلوب. ليس فقط أن القوى الخارجية لن تتمكن من انتزاع مصالحها عبر تأجيج الاقتتال الأهلي، بل إن هذا الاقتتال ذهب لتوّه بعيداً في شحذ الأحقاد عبر غزوات يشنها أبناء الشعب ضد أبناء آخرين للشعب نفسه. أما المصلحة الوطنية فلا تزال قادرة، إن احترمت، على إعادة الجميع إلى مشروع «الدولة للجميع»، فلا خيار آخر سواه، ولا فريق يستطيع الحصول إلا على ما هو له أو يستحقه، أما أن يسفك دماء الآخرين لينتزع ما ليس له حق فيه فهذا مجرد تخريب لوطن يتمنّى الجميع أن يعيشوا فيه في أمان.
لفت المبعوث الأممي السابق إلى ليبيا غسان سلامة، بعد صمت أربعة أشهر منذ استقالته، إلى أن هذه الاستقالة كانت قراراً متأخراً. هو لم يقل ذلك، لكن تركيزه على الإحباط الذي سبّبه هجوم خليفة حفتر على...
في جلسة مجلس الأمن، الأربعاء الماضي، قيل الكلام الأخطر والأسوأ للتحذير من جريمة إسرائيلية يجري ارتكابها علناً. إذا كان هذا المجلس بمثابة مرجع «قضائي»، باعتبار أن الشعوب تشكو إليه ما تعتبره مظلمة تقع بها، أو...
هل كانت شهادة جون بولتون لتغيّر كثيراً في محاولة تنحية دونالد ترمب؟ يحاول مستشار الأمن القومي السابق الإجابة في مذكراته عن الفترة التي أمضاها في المنصب، المفارقة من جهة أن بولتون يصف رئيسه بأنه غير...
فجأة تحوّلت التماثيل والنصب التذكارية من معالم تاريخية ومفاخر تاريخية وجواذب سياحية، إلى رموز خزي وعار وموضع إدانة ومساءلة، أصبحت آيلة للإزالة ليس من أمام الأنظار فحسب، بل أيضاً من الذاكرة والسجلات، وحتى من التعليم...
لم يخطئ دونالد ترمب أبداً بالنسبة إلى معاييره الشخصية، حتى في مقاربته لواقعة مصوّرة، مثل قتل الشرطي الأبيض ديريك شوفين المواطن الأسود جورج فلويد؛ إذ أذهل الرئيس الأميركي مواطنيه جميعاً بتعامله الفظّ مع ردود الفعل...
ما يظهر على السطح رفضٌ واستنكارٌ دولي لعملية ضم إسرائيل 30 % من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية. ما يحدث تحت السطح أن حكومة الائتلاف اليميني باشرت إجراءات الضمّ هذه على الأرض، ولا تنتظر الموعد...
وسط عشرات المسلسلات الدرامية في الموسم الرمضاني، وسوادها الأعظم رديء، كان من الطبيعي أن يبرز واحدٌ من خارج السباق، ومن الواقع المعاش لا من قصص متخيّلة أو مقتبسة. أُعطي أسماء عدة، لكن أفضلها كان «صراع...
لكي يخرق وزير الخارجية الأميركي الحظر «الكوروني» ويسافر إلى إسرائيل، ذهاباً وإياباً من دون توقّف، لا بدّ أن ثمّة شديداً قوياً يتطلّب ضبطاً، رغم أن طبيعة العلاقة بين إدارة دونالد ترمب وبنيامين نتنياهو لا تعاني...
مع رئيس الوزراء الجديد يفتح العراق صفحة غير مسبوقة، منذ سقوط النظام السابق، ذاك أن مصطفى الكاظمي لا ينتمي إلى أي حزب عقائدي ديني، كما كان أسلافه إبراهيم الجعفري، ونوري المالكي، وحيدر العبادي، وعادل عبد...
السؤال مطروح غرباً وشرقاً، سواء باسترشاد ما يُعتقد أن مكافحة الصين لوباء «كورونا» كانت نمطاً نموذجياً لم يتمكّن العالم الغربي من اتباعه، ولذا فقد تبوأ المراتب الأولى في أعداد الإصابات والوفيات، أو ما يمكن أن...
ملامح كثيرة للتغييرات المقبلة بدأت تتراءى أمام العيون وفي المخيّلات وفي دروس المحنة الفيروسية على كل المستويات الفردية والجماعية، بغضّ النظر عما إذا عانى الشخص أو لم يعانِ فقداً في عائلته أو صداقاته، وعن مدى...
لن تختلف تقديرات الخسائر كثيراً في حال «كورونا» عما هي في أي حرب عالمية. ولا يمكن توجيه اللوم لجهة أو لأحد بالنسبة إلى الوباء، رغم أن الانفعالات اندفعت هنا وهناك إلى مزالق سياسية وعنصرية شتّى،...