شعرة معاوية
13 مارس 2014 , 12:00ص
لعل تل أبيب هي الأكثر سعادة من الموقف المصري، باعتبار حماس جماعة إرهابية، بعد الحكم الصادر من محكمة القاهرة للأمور المستعجلة منذ أيام، كجزء مكمل لأزمة سياسية بين مصر من جهة وحركة حماس من جهة أخري، فها هي أكبر دولة عربية، والأكثر ارتباطا عبر التاريخ بالقضية الفلسطينية تتوافق في الرؤى معها، فالقاهرة وتل أبيب هما فقط العاصمتان اللتان تعتبران حماس جماعة إرهابية، ولعل حساب ذلك الموقف الأخير يعود إلى الظاهرة الجديدة التي تسود الحياة السياسية في مصر، وهي خلط السياسية بالأحكام القضائية.
وكان أحد المحامين قد أقام دعوة، أشار فيها إلى أن حركة حماس نشأت كحركة مقاومة، غير أنها تحولت إلى منظمة إرهابية، أدرجتها العديد من الدول ضمن هذا التصنيف، وأشار إلى أنها الساعد الأيمن والقوي للإخوان المسلمين وبينهما تمازج وترابط، واستند على تقارير أجهزة سيادية مصرية بأنها وراء اقتحام السجون المصرية، أثناء ثورة يناير 2011، وتهريب عناصر محتجزة، واقتحام الحدود المصرية في العام 2008، وعدد المحامي الاتهامات لحركة حماس، منها مسؤوليتها عن تفجير خط الغاز المصري إلى إسرائيل، وإخفاء قيادي مسؤول عن اختطاف الضباط المصريين، وقد دفع هذا المحكمة إلى أن تقضي بحظر نشاط المنظمة مؤقتا في مصر، وما ينبثق عنها من جماعات، أو جمعيات أو مؤسسات متفرعة عنها، أو تابعة لها أو تتلقى منها دعما ماليا، أو أي نوع من أنواع الدعم، وذلك لحين الفصل في قضيتي هروب مساجين وادي النطرون، والتخابر مع حماس وحزب الله، ويبدو الحكم متسقا في ظاهره، مع مقدمات متعددة لما يحدث في مصر خلال الأشهر الماضية، ونتوقف عند بعض هذه المقدمات، وتتلخص في التالي:
- في سبتمبر الماضي أصدرت محكمة الأمور المستعجلة قرارا بحظر نشاط جماعة الإخوان المسلمين، رغم أن القضية مثارة أمام القضاء الإداري، ولم يتم حسمها بعد، مما مثل افتئات على حكم جهة قضائية أخرى، ومع ذلك تعاملت الحكومة معه على أنه قرار واجب النفاذ، ولم يتم الطعن عليه من قضايا الحكومة، ولم يتم قبول طعن الجماعة.
- في ديسمبر الماضي أصدرت الحكومة المصرية قرارا باعتبار الإخوان المسلمين جماعة إرهابية، وحظر جميع أنشطتها، على خلفية اتهامها بتنفيذ تفجير مديرية أمن الدقهلية في ديسمبر الماضي، مما أسفر عن مقتل 16 وإصابة العشرات.
ما زال القضاء المصري يحاكم الدكتور محمد مرسي، وقيادات مكتب الإرشاد وكبار المسؤولين في رئاسة الجمهورية، في قضيتي التخابر مع حماس، وفي قضية أخرى ذات صلة بالهروب من سجن طرة، أثناء ثورة 25 يناير 2011، كما تم اتهام قيادات حماس بالتورط في الهجوم على السجون المصرية، بعد أن تم استثمار حالة الانفلات الأمني.
- إن حماس لا تنكر أبدا، لا بعد الثورة ولا قبلها، أنها جزء من التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، وقد بايعت المرشد العام محمد بديع، فإذا كان الأصل وفقا للرؤية المصرية إرهابيا، فلا بد أن يكون الفرع من نفس التوجه.
ولعل الحكم الأخير، يمثل تغييرا في طبيعة العلاقات بين القاهرة وغزة، والتي اتسمت دائماً بالفتور، في أغلب الأحيان تزداد فتورا، أو تقل فتورا في أحيان أخرى، مع وجود حالة من تبادل للشك والريبة، وفقدان الثقة المتبادلة، ولكن كان هناك دوما حرص على الإبقاء على «شعرة معاوية « بين الطرفين، لاعتبارات خاصة بكل منهما، حماس تدرك أن مصر هي بوابتها الوحيدة على العالم، وأن البديل المطروح أمامها مستحيل، وهو إسرائيل، بينما مصر تقبل على مضض بحكم الجغرافيا، التي فرض عليها الجوار مع قطاع غزة، والذي كان شوكة في قلب الاحتلال الإسرائيلي، وعامل توتر وقلق لمصر، خاصة مع وجود تناقص جوهري بين الوضع في مصر والقطاع، الأولى يحكمها نظام علماني، والثانية تؤكد أنها جزء من الإسلام السياسي في المنطقة، كما أن مصر التزمت بمسار التسوية السلمية، وعقد اتفاقية سلام مع إسرائيل، والثانية تسعى إلى الكفاح المسلح لإنهاء الاحتلال وتقبل أحيانا بالتهدئة. وقد مرت العلاقات بين الجانبين بعدة مراحل:
الأولى: بدأت منذ نجاح حماس في الانتخابات النيابية عام 2006، وتوليها رئاسة الوزراء والأغلبية في المجلس التشريعي، مما تم اعتباره مناقضا تماماً للمصالح القومية المصرية، التي عولت كثيرا وإقامة سياستها على أساس متانة العلاقات مع السلطة الوطنية وحركة فتح، وكانت القاهرة جزءا من الحصار الدولي الذي تم فرضه على القطاع، وزادت الأزمة بعد طرد عناصر فتح من غزة، وإنهاء سطوة محمد دحلان على القطاع، وكان قريبا مع الأجهزة الأمنية المصرية، وفي زمن الرئيس المخلوع حسني مبارك، تم اعتماد آلية محددة لصياغة العلاقات مع حماس، وقصرها على الأجهزة الأمنية خاصة المخابرات العامة، وتم منع قيادات حماس من عقد أي لقاءات مع الخارجية أو الرئاسة المصرية، خاصة أن الملف تم سحبه من الجهتين، وقصره على المخابرات العامة، وتم إغلاق معبر رفح المتنفس الوحيد لأهالي القطاع إلى العالم.
الثانية: ولم يتغير الحال كثيرا في زمن المجلس العسكري، رغم غياب مبارك وعمر سليمان مدير المخابرات عن المشهد السياسي، الأول بالعزل والثاني بالموت، رغم أن مصر كانت أكثر تساهلا في عمليات فتح المنفذ، والانفتاح المحدود على حماس، لدرجة أن القاهرة نجحت في تلك الفترة، في رعاية توقيع اتفاق القاهرة بين حماس وفتح في مايو 2011.
الثالثة: في عهد أغلبية حزب الحرية والعدالة، ورئاسة الدكتور محمد مرسي، والتي مثلت انفراجة كبيرة في العلاقات بين القاهرة وغزة، حيث زادت معدلات التسهيلات المقدمة من مصر للفلسطينيين، والإبقاء على منفذ رفح مفتوحا، بالإضافة إلى التفكير في إنشاء منطقة تجارة حرة، وقد اعترضت عليها الأجهزة المعنية بالملف، وتم زيادة حجم التعامل السياسي، وأصبح استقبال خالد مشعل في رئاسة الجمهورية، ومن قبل الدكتور مرسي من الأمور العادية، ونجحت مصر في التوصل إلى اتفاق للهدنة برعاية مصرية مع إسرائيل.
الرابعة: بعد 30 يونيو، وقد كانت حماس هي أكثر الجهات الخارجية، التي دفعت ثمنا باهظا للتغيير في مصر، حيث تحميلها من دون أدلة موثقة، الانفلات الأمني في سيناء، واتهامات بتهريب الأسلحة، وتدريب الجماعات الجهادية هناك، ولهذا قام الجيش المصري بتدمير 1200 نفق، يتم استخدامه لتهريب الأغذية والسيارات، كما بدأت مصر في بناء منطقة عازلة بين سيناء وغزة، كما وصل الأمر إلى أن فتح منفذ رفح أصبح هو الاستثناء والأساس هو الإغلاق، مما زاد من المعاناة الإنسانية لأهالي القطاع.
وبعد يظل السؤال، ما هي تداعيات مثل هذا الحكم؟ كل المؤشرات تؤكد أن الأمور مرشحة لمزيد من التدهور في العلاقات بين الجانبين، مع الوضع في الاعتبار محدودية الأثر، خاصة أن حماس لا تملك مقرات، أو أموالا ولا تتلقى دعما ماليا، وليس لها أرصدة في مصر، كما أن القرار سيظل في الإطار المصري دون أي تأثيرات على مواقف أي دول أخرى، كما هو الحال مع قرار اعتبار الإخوان جماعة إرهابية، الذي لم يتم تفعيله على أي مستوى، ولم تعتد به أي دولة، وظل في الإطار المصري. والغريب أن الحكم سيخصم من الدور المصري التاريخي في دعم القضية الفلسطينية، ومن قدرتها على لعب أي دور في إتمام المصالحة الفلسطينية، خاصة أن أحد طرفيها جماعة إرهابية لا يجوز التعامل معها وفقا لحكم المحكمة.