الإثنين 12 جمادى الآخرة / 25 يناير 2021
 / 
10:23 ص بتوقيت الدوحة

عدسةُ الطائيّ

د. زينب المحمود

كرّم المصطفى -عليه الصلاة والسلام- سفّانة بنت حاتم الطائي، وآواها وأمّن أخاها عدياً، بما حاججت به من تركة أبيها الذي كان يطعم الطعام، ويكرم الضيف، ويشهر السيف في مواضع العزّ، وينصب قدوره للجياع، ويتلف ماله في وصل المنقطعين، ويفكّ العاني، ويضرب على يد الجاني، إلا أن أباها المعطاء الجواد لم يدرك الإسلام، بل أدرك كثيراً من أخلاق الإسلام وتحلّى بها، ومن البديهة أن الخصلة المثلى عنده هي الجود، فكانت يده مبسوطة كل البسط، وأبوابه مشرعة للأضياف، ونهاره حافلاً بالعابرين، وليله بالطارقين، كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، ويرى أن العار هو الإمساك والتنكر للمستغيثين وردّ السائلين، وليس العار الفقر الذي ينجم عن الجود، وكثيراً ما صورت عدسته عابرية الحياة، وتبدّل الحال، وزوال المال بطرق فريدة، يقول في إحداها:
لَنا أَجَلٌ إِمّا تَناهى إِمامُهُ
فَنَحنُ عَلى آثارِهِ نَتَوَرَّدُ
تصوير بديع للأجل أن جعله كالإمام تقتدي به المهج، فما إن يفرغ من صلاته حتى تفرغ معه، لتؤول بعدها الأموال إلى الورثة، ويقتصر حظ صاحبها منها على صنائع المعروف، وأيادي الخير التي تورثه الذكر الحسن والسيرة العطرة في قبره، كان حاتم يعد المكارم والمناقب أعلى ما ظهر عليه، وأغلى ما ملكت يمينه من ملك، وفي صورة أخرى لعدسته المثالية، يتجلى ذلك في نهره قريباً له لعيب اقترفه، فيقول:
لا تَجعَلَنّا أَبَيتَ اللَعنَ ضاحِكَةً
كَمَعشَرٍ صُلِموا الآذانَ أَو جُدِعوا
أَو كَالجَناحِ إِذا سُلَّت قَوادِمُهُ
صارَ الجَناحُ لِفَضلِ الريشِ يَتَّبِعُ
حوّل الشاعر عيب الذات وقصور النفس عن الخلق القويم وانحطاطها عن سنام الأخلاق إلى صورة فيزيائية بشعة، لعلّ من لا يستقبح العيب يدرك حجمه، فمثل من تجرد من خلق وتبلغ بشائنة، كمن جُدعت أذناه وأنفه، أو كالطير فقد أرياشه القوية وآل إلى زغبه، وهذا يتلاقى مع الوحي القرآني في تبشيع الغيبة، وقد شبّهها ربنا جلّ وعلا بأكل لحم الميت، وقد وُفّق حاتم إلى هذا التصوير منذ أمد بعيد.

اقرأ ايضا

مدارس روضة راشد

14 أكتوبر 2018

منظار امرئ القيس

03 نوفمبر 2019

فضيلة

03 سبتمبر 2017

«جامع الكلم»

26 مايو 2019

أبو أُذينة اللخميّ

14 يونيو 2020

يا صديق العمر

23 أبريل 2018