


عدد المقالات 307
ما شهدته تونس أخيراً في غمار التعديل الوزاري، يستدعي معاينة للوقائع، فمن جهة تصرف رئيس الحكومة يوسف الشاهد ضمن صلاحياته الواضحة في النص الدستوري، وفي المقابل استاء رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي من التعامل معه بطريقة «لم تراعِ الذوق والأعراف»، وحين احتجّ «نداء تونس» -الذي أسسه السبسي ولا يزال يُعتبر حزبه- على التعديل، وصفه بأنه «انقلابٌ على الدستور والديمقراطية»، واتهم حزب النهضة بالمشاركة في «الانقلاب»، ورغم أن «النداء» لم يشارك في مشاورات الشاهد قبل التعديل، فإنه حصل على حصة من الحقائب لكنها تقلّ عن حصة «النهضة»، ولذا فقد طالب وزراءه بالانسحاب، فور إعلان التعديل رفضه السبسي، وإذ وجد أن لا ترجمة دستورية ممكنة لهذا الرفض، فضّل التراجع لكن بلهجة تأنيبية لكل من خاض فيما اعتبره تقليلاً من الاحترام لمقام الرئيس والرئاسة، وسارع بيان «النهضة» إلى تأكيد أن «احترام مؤسسة الرئاسة من مقتضيات احترام الدولة». واقعياً، كان الشاهد محقّاً، والسبسي محقٌّ أيضاً، طُلب من رئيس الحكومة قبل شهور أن يستقيل «لفشله» في معالجة مشكلتَي البطالة والتضخّم، جاء الطلب من رئيس «نداء تونس» حافظ قائد السبسي -ابن الرئيس- وفُهم أن لديه أجندة خاصة تتعلّق بالانتخابات الرئاسية المقبلة في خريف 2019، رفض الشاهد الانصياع إلا إذا صوّت مجلس النواب على نزع الثقة منه، غير أن خريطة القوى السياسية في المجلس لم تعد لمصلحة «الندائيين»، ثم إن انكشاف طموحات ابن الرئيس استدعى رد فعل معاكساً من «النهضويين» وغيرهم، وبدأ الحديث عما سمّي «التوريث الديمقراطي» مثيراً انقساماً جديداً داخل «النداء»، ولا يُستبعد أن يؤدي إلى انشقاق آخر في صفوفه، لم تكن هناك مبررات لتغيير الحكومة قبل الانتخابات، ولم يفلح توافق الشيخين السبسي وراشد الغنوشي زعيم «النهضة» في إنهاء الأزمة، بل إن سياقها أسقط توافقهما أواخر سبتمبر الماضي، وهذا مهّد للتعديل الوزاري بدعم من الأحزاب الأخرى، ما أعاد رسم التوازنات السياسية فأصبحت كتلة «النداء» ثالثة في البرلمان بعدما كانت الأولى. الصحيح دستورياً، قد لا يكون بالضرورة صحيحاً سياسياً، إذ إن التعديل أظهر الرئيس معزولاً أمام أمر واقع، لم يكن السبسي يضيق بصلاحياته المحدودة، ربما لشعوره بأنه صانع الشرعية التي يتمتّع بها الحكم، وبأن ابنه «الروحي» في رئاسة الحكومة لن يخذله أو يخذل ابنه «الطبيعي»، لكن اتضح أن ما يعتقده ينتمي إلى نظرة تقليدية موروثة لـ «الرئيس»، ولم يعد لها أي سند دستوري، فهو يستطيع حل البرلمان رغم أنه منتخب، وهو يسمّي رئيس الحكومة، ولا يستطيع إقالته بعد أن يحظى بثقة البرلمان، النصوص واضحة واللعبة محكمة، ولا يمكن الالتفاف عليها إلا بالسياسة، لكن هذه هي التي خذلت السياسي المحنّك حين احتاج إليها، فكل ما قاله الرئيس في مؤتمره الصحافي غداة التعديل الوزاري جاء متأخراً، إذ كان عليه أن يحسم باكراً الجدل حول «توريث الحكم»، وألا يترك الأزمة الحكومية تطول على النحو الذي أضرّ بحزبه أولاً وأخيراً. لا يحتاج احترام الرئاسة إلى نصوص دستورية تؤكّده، لكن ما تشهده تونس لا يزال تجربة تطوّر نفسها بتطبيق الدستور واحترامه، وإذا كانت تعطي دروساً للآخرين بالممارسة، فقد تكون تعلّمت من الواقعة الأخيرة أنها تحت المجهر، صحيح أن المنصب الرئاسي رمزي، لكن السبسي هو الذي يوحي للداخل والخارج بالثقة، وهذه يوفّرها الشخص لا النص الدستوري.
لفت المبعوث الأممي السابق إلى ليبيا غسان سلامة، بعد صمت أربعة أشهر منذ استقالته، إلى أن هذه الاستقالة كانت قراراً متأخراً. هو لم يقل ذلك، لكن تركيزه على الإحباط الذي سبّبه هجوم خليفة حفتر على...
في جلسة مجلس الأمن، الأربعاء الماضي، قيل الكلام الأخطر والأسوأ للتحذير من جريمة إسرائيلية يجري ارتكابها علناً. إذا كان هذا المجلس بمثابة مرجع «قضائي»، باعتبار أن الشعوب تشكو إليه ما تعتبره مظلمة تقع بها، أو...
هل كانت شهادة جون بولتون لتغيّر كثيراً في محاولة تنحية دونالد ترمب؟ يحاول مستشار الأمن القومي السابق الإجابة في مذكراته عن الفترة التي أمضاها في المنصب، المفارقة من جهة أن بولتون يصف رئيسه بأنه غير...
فجأة تحوّلت التماثيل والنصب التذكارية من معالم تاريخية ومفاخر تاريخية وجواذب سياحية، إلى رموز خزي وعار وموضع إدانة ومساءلة، أصبحت آيلة للإزالة ليس من أمام الأنظار فحسب، بل أيضاً من الذاكرة والسجلات، وحتى من التعليم...
لم يخطئ دونالد ترمب أبداً بالنسبة إلى معاييره الشخصية، حتى في مقاربته لواقعة مصوّرة، مثل قتل الشرطي الأبيض ديريك شوفين المواطن الأسود جورج فلويد؛ إذ أذهل الرئيس الأميركي مواطنيه جميعاً بتعامله الفظّ مع ردود الفعل...
ما يظهر على السطح رفضٌ واستنكارٌ دولي لعملية ضم إسرائيل 30 % من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية. ما يحدث تحت السطح أن حكومة الائتلاف اليميني باشرت إجراءات الضمّ هذه على الأرض، ولا تنتظر الموعد...
وسط عشرات المسلسلات الدرامية في الموسم الرمضاني، وسوادها الأعظم رديء، كان من الطبيعي أن يبرز واحدٌ من خارج السباق، ومن الواقع المعاش لا من قصص متخيّلة أو مقتبسة. أُعطي أسماء عدة، لكن أفضلها كان «صراع...
لكي يخرق وزير الخارجية الأميركي الحظر «الكوروني» ويسافر إلى إسرائيل، ذهاباً وإياباً من دون توقّف، لا بدّ أن ثمّة شديداً قوياً يتطلّب ضبطاً، رغم أن طبيعة العلاقة بين إدارة دونالد ترمب وبنيامين نتنياهو لا تعاني...
مع رئيس الوزراء الجديد يفتح العراق صفحة غير مسبوقة، منذ سقوط النظام السابق، ذاك أن مصطفى الكاظمي لا ينتمي إلى أي حزب عقائدي ديني، كما كان أسلافه إبراهيم الجعفري، ونوري المالكي، وحيدر العبادي، وعادل عبد...
السؤال مطروح غرباً وشرقاً، سواء باسترشاد ما يُعتقد أن مكافحة الصين لوباء «كورونا» كانت نمطاً نموذجياً لم يتمكّن العالم الغربي من اتباعه، ولذا فقد تبوأ المراتب الأولى في أعداد الإصابات والوفيات، أو ما يمكن أن...
ملامح كثيرة للتغييرات المقبلة بدأت تتراءى أمام العيون وفي المخيّلات وفي دروس المحنة الفيروسية على كل المستويات الفردية والجماعية، بغضّ النظر عما إذا عانى الشخص أو لم يعانِ فقداً في عائلته أو صداقاته، وعن مدى...
لن تختلف تقديرات الخسائر كثيراً في حال «كورونا» عما هي في أي حرب عالمية. ولا يمكن توجيه اللوم لجهة أو لأحد بالنسبة إلى الوباء، رغم أن الانفعالات اندفعت هنا وهناك إلى مزالق سياسية وعنصرية شتّى،...