مارشال المصري..!! (1-2)
12 يونيو 2014 , 12:00ص
«ما حكّ جلدك مثل ظفرك»، مثل ومقولة مشهورة تذكرتها بعد أن تم الإعلان السعودي عن مؤتمر دولي لدعم الاقتصاد في مصر، بمشاركة أصدقاء مصر من دول العالم. والدعوة تذكرنا بمشروع مارشال الأميركي لإعادة تعمير وبناء أوروبا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وكان عبارة عن اقتراح قدمه وزير الخارجية الأميركي في ذلك الوقت جورج مارشال، واستهدف إنشاء مشروع أميركي جديد خاص بمساعدة أوروبا الغربية، ووقعه الرئيس الأميركي ترومان في أبريل عام 1947، واستفاد منه العديد من الدول الأوروبية، ومنها بريطانيا واليونان وإيطاليا، وحقق نتائج ضخمة وسريعة على صعيد الناتج المحلي والزراعة والصناعة والتجارة الخارجية، وقام على أربعة أسس واضحة: تنمية الإنتاج الخاص بكل دولة مشاركة في المشروع، وتوسيع التجارة الخارجية، وإقامة والمحافظة على الاستقرار المالي الداخلي، وتنمية التعاون الاقتصادي الأوروبي المشترك، وكان ما سعى إليه مارشال عبارة عن برامج علاج وليس مجرد مسكّن. وابتعد عن فكرة الهبات، بل سعى إلى تغيير هيكلي في الاقتصاد الأوروبي، ونظرا لنجاح المشروع، فقد تكررت المطالب به بعد نهاية سياسية التمييز العنصري في جنوب إفريقيا، وفي ألمانيا بعد سقوط جدار برلين، كما اقترحته بريطانيا في العام 2005 لمعالجة المشاكل في القارة السوداء إفريقيا.
الدعوة التي أطلقتها السعودية بهذه الصورة تثير العديد من الأسئلة والاستفسارات أكثر مما قدمت من إجابات، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: هل الأمر تم بالتنسيق مع الحكومة المصرية؟ وهل تلك هي «الروشتة» الناجحة لعلاج الخلل والأزمة الاقتصادية في مصر وهي ليست وليدة اليوم؟ وماذا عن نتائج مؤتمرات مشابهة عقدت في الفترة الماضية؟ هل نجحت في المهمة التي تمت من أجلها؟ تلك عينة من عشرات الأسئلة التي أثارتها الدعوة. ولعلنا في هذه العجالة نساهم في البحث عن إجابات عنها.
ويهمنا في البداية أن نتوقف عند بعضا الملاحظات المهمة التي تفيد في البحث عن الإجابات، في المقدمة منها صدق النية التي حكمت دعوة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز في سعيه إلى دعم الاقتصاد المصري، وارتباط ذلك بتاريخ طويل من العلاقات المتميزة بين مصر والسعودية، مع اختلاف الأنظمة والتوجهات. بالإضافة إلى الرؤية السعودية لتطورات الأوضاع في المنطقة العربية في السنوات الأخيرة، وسعي الرياض إلى تحقيق مصالحها وحرصها على استقرار الأوضاع في المنطقة. والبداية كما تراها الرياض من مصر، بما لها من ثقل سياسي وظهير استراتيجي للمملكة، ويضاف إلى ذلك ثانيا، أن قضية تقديم المساعدات والدعم الاقتصادي خاصة من دول الخليج إلى مصر ليست وليدة اليوم، ولكنها جزء من تاريخ العلاقات المشتركة بين الجانبين، وبدأت في السبعينيات، وتحديدا بعد حرب أكتوبر وحاجة مصر إلى إعادة البناء وتعمير مدن القناة، بعد التدمير الذي شهدته وهجرة أهلها إلى الدلتا والصعيد. ولعبت دول الخليج دورا مهما في ذلك خاصة السعودية والإمارات والكويت، واستمرت المساعدات على حالها خاصة مع تولي حسني مبارك للسلطة وعودة العلاقات السياسية التي تم تجميدها بعد اتفاقية كامب ديفيد، وزادت بعد الدور المصري في حرب تحرير الكويت في بداية التسعينيات، واستمر الحال على ما هو عليه طوال حكم مبارك.
وتفاوتت المواقف بعد ثورة 25 يناير 2011، ويمكن التوقف عند ثلاث مراحل منذ ذلك التاريخ: زمن المجلس العسكري، وخلال حكم الدكتور محمد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين، والثالثة بعد أحداث 3 يوليو الماضي. في المرحلة الأولى تعهدت الدول العربية بدعم مصر بحوالي 3.8 مليار دولار، لم تحصل مصر سوى على 500 مليون دولار، تم تخصيصها لدعم الموازنة العامة للدولة، كما أعلنت السعودية عن حزمة مساعدات لمصر بقيمة 75.3 مليار في صورة وديعة في البنك المركزي ومنح تنموية، كما قدمت مساعدات عينية من الغاز المسال. كما وعدت الإمارات بتقديم مساعدات بـ3 مليارات دولار، وقدمت قطر قروضا ومنحا بقيمة 5 مليارات دولار، منها مليار منحة لا ترد، وحوالي 1.5 مليار وديعة، و 2.5 مليار سندات خزينة، وقد تلقى البنك المركزي بالفعل كل تلك المساعدات، وفي شهر مايو 2012 (لاحظ التاريخ) وقبل الانتخابات الرئاسية أو تولي الدكتور محمد مرسي الرئاسة، وبعد حل مجلس الشعب بأغلبيته من التيار الإسلامي، وفي زمن المجلس العسكري، أعلنت قطر عن تقديم قرض لمصر بقيمة 3 مليارات دولار، واستعدادها لتقديم مساعدات أخرى بذات القيمة، وبالفعل أسهمت المساعدات القطرية في زيادة احتياطيات مصر من النقد الأجنبي إلى 16 مليار دولار خلال مايو 2013، بعد أن كانت 4.14 في نهاية أبريل من نفس العام، ومن ذلك يمكن الإشارة إلى أن المساعدات القطرية كانت تستهدف الشعب المصري بغض النظر عن النظام الحاكم. كما أن الكويت لم تعلن عن أي مساعدات لمصر أو عن أي رغبة في زيادة استثماراتها، ولم تتخذ السعودية الإجراءات الكفيلة بتقديم كل المبالغ المتفق عليها، وقد يكون ذلك عائدا إلى حالة عدم الاستقرار السياسي التي عاشتها مصر في تلك الفترة -إذا أحسنا الظن- أو عدم اتخاذ الحكومات المتعاقبة لسياسات اقتصادية محددة تشجع دول الخليج على تقديم تلك المساعدات.
واختلف الأمر بشكل جذري بعد أحداث 30 يونيو الماضي، حيث تم افتعال أزمة مع قطر حول التعامل مع الوديعة، وتم دفع الدوحة دفعا إلى سحبها، خاصة مع الإعلان الفوري عن حزمة مساعدات تقدر بـ9.15 مليار دولار من ثلاث دول خليجية هي السعودية والإمارات والكويت، حيث قدمت الرياض 5 مليارات، بواقع مليار منحة لا ترد، ومليارين وديعة بالبنك المركزي، بجانب مشتقات نفطية، و4 مليارات من الإمارات، أضيف إليها بعد ذلك 9.3 مليار في شكل مواد نفطية، ودعم مشروعات تنموية بـ9.2 مليار دولار، ومليار وديعة في البنك المركزي. أما الكويت فقد خصصت 4 مليارات، منها مليار دولار منحة لا ترد لم تصل بعد، وهناك تحفظات عليها من مجلس الأمة الكويتي، ومليار دولار مشتقات بترولية، وملياران تم الاتفاق على أن يكون أجلها خمس سنوات وبدون فوائد، لتصل القيمة الإجمالية إلى 15.9 مليار ونصف، تلك الحزمة منح لا ترد وأخرى عينية في شكل مشتقات للنفط والغاز أسهمت في تخفيف حدة أزمة الوقود والكهرباء المحتدمة في مصر في الأشهر الماضية، كما أسهمت المساعدات الخليجية من الدول الثلاث في الحد من تداعيات العجز في الموازنة، والإعلان عن برنامج تحفيز اقتصادي بقيمة 29 مليار جنيه مصري، كما رفعت من احتياطي النقد الأجنبي، والحفاظ على سعر الجنيه أمام الدولار، كما أدت إلى تخفيض فاتورة استيراد مصر من الوقود خلال الأشهر الماضية بنحو 8.1 مليار دولار.
وفي المقال القادم، نستكمل مناقشة القضية، ونبحث في احتمالات نجاح المشروع.
usama.agag@yahoo.com •