النصر المزيف!
12 أبريل 2014 , 12:00ص
لا مبرر على الإطلاق، لذلك الشعور بالنشوة والإحساس بالنصر الكاذب، الذي ساد أوساط عربية عديدة، نتيجة إعلان رئيس الوزراء البريطاني، بأنه أمر بإجراء تحقيق شامل في نشاط جماعة الإخوان المسلمين، بسبب ما تردد عن قلق تثيره الجماعة في بريطانيا، ونشاط بعض أعضائها، وزيادة تواجد أعضائها، بعد أحداث 3 يوليو الماضي. كاميرون قال بشكل صريح: «من المهم أن نفهم كليا، ما هذه المنظمة؟ وما تمثله؟ وما روابطها؟ وما تؤمن به من حيث التطرف، وعلاقاتها مع مجموعات أخرى، وقد أمر كاميرون دوائر حكومية واستخباراتية، بالتعاون لإصدار تقرير شامل بحلول الصيف، حول عقيدة الإخوان وأهدافهم، قد يكون ذلك الموقف، وفي ذلك التوقيت، وراء كل تلك الزوابع، حول ذلك القرار، بعد أن اعتبرت مصر الإخوان جماعة إرهابية. الأولى في ديسمبر الماضي، بعد حادث تفجير مديرية الأمن في إحدى محافظات الدلتا، وبقرار من الحكومة، دون الاستناد إلى أحكام قضائية مثلا.
ولعل هذا الموقف البريطاني، يثير عددا من الملاحظات التي نتوقف عند بعضها:
أولا: إن جماعة الإخوان المسلمين منتشرة، في أكثر من 80 دولة من دول العالم، ومنها بريطانيا، ولم يسبق أن تم تسجيل أي اختراق لأعضائها، أو مخالفتهم لقانون الدول، التي يقيمون فيها، بل هناك التزام واضح وصريح بتلك القوانين، بل هناك أجيال جديدة من أعضاء الجماعة ولد وترعرع في دول الغرب، ويمكن أن نطلق عليهم إخوان الغرب، كما أن الإخوان في بريطانيا لا يقودها مهاجرون عرب، بل مسلمون من باكستان والهند.
ثانيا: لعل هذا الموقف الأخير، من رئيس الوزراء البريطاني، ينهي أحد الاتهامات المستقرة تاريخيا، والتي يتم استخدامها كجزء من تشويه الجماعة، بأنها صنيعة إنجليزية، وفقا لمخطط تقسيم العالم الإسلامي، وإشاعة حالة عدم الاستقرار فيه، واستخدامهم كجزء من السياسية البريطانية في المنطقة، فقط لتبرع شركة قناة السويس في عشرينات القرن الماضي، تم تقديمه إلى الشيخ حسن البنا مؤسس الجماعة، أثناء مرحلة إنشاء الجماعة في مدينة الإسماعيلية، فإذا كانت الجماعة كما تروج تلك الاتهامات، فكيف يمكن تفسير الموقف البريطاني الأخير؟ وما هو سر ذلك التغيير؟
ثالثا: ومما سبق، فإن أمر رئيس الوزراء بإعداد تلك الدراسة، يثير العديد من الاستفسارات فما هو الجديد في فكر الإخوان، المستقر منذ 80 عاما؟ وهل كانت بريطانيا ومعها سفارات كل دول العالم بعيدة عن الدراسة والمراقبة والتعامل مع قيادات الإخوان بصورة أو بأخرى طوال تلك السنوات؟ خاصة بعد أن ارتفعت، كما قال المتحدث باسم رئاسة الوزراء البريطاني، إلى مكانة بارزة في السنوات الأخيرة، ولكن الرجل وفي نفس التصريح يعترف بأن «فهمنا للمنظمة وفلسفتها وقيمها لم تواكب ذلك»، مما يستدعي استنفار عمل الأجهزة الأمنية، وكثير من سفارات بريطانيا في دول العالم، لتقديم رؤيتها للجنة المشكلة بهذا الخصوص، والتي تضم سفير بريطانيا في السعودية، وقد سبق للرجل أن عمل في العديد من العواصم العربية، وتولى رئاسة دائرة الشرق الأوسط في الخارجية، ومن بين أعضائها أيضاً مستشار رئيس الوزراء للأمن القومي، وسفير بريطانيا في مصر، في الفترة من 2001 حتى 2003.
رابعا: لعل تلك المراجعة مرتبطة بمحاولة البعض التأكيد على تورط الأخوان المسلمين، في حوادث إرهابية، وآخرها وفقا لما تم تسريبه عبر الصحافة البريطانية، مقتل ثلاثة من السائحين من كوريا الشمالية في مدينة شرم الشيخ، إضافة إلى سائق الحافلة المصري، والقيام بهجوم انتحاري بالقرب من معبر رفح، ولم تذكر الصحافة مصدر معلوماتها، كما أن تلك الحوادث وغيرها التي تشهدها مصر منذ أحداث 3 يوليو الماضي، يقوم بها تنظيم أنصار بيت المقدس، وقد أعلن مسؤوليته عن تلك العمليات، في بيانات موثقة، كما أن الإخوان يدينون بعد كل حادث كل العمليات الإرهابية، التي تشهدها مصر منذ ذلك التاريخ، كما أن اتهامها هو جزء من الحملة ضدهم، والحرب النفسية والصراع السياسي في مصر، دون أن يتم إصدار أي حكم قضائي محايد يدين أيا من عناصر الجماعة. وعلى الرغم من ذلك فقد دخلت جماعات حقوقية مناهضة للإخوان ومنها قبطية على الخط وأشارت إلى أنها وبالتنسيق مع الخارجية المصرية ستوفر معلومات عن تورط الإخوان في عمليات قتل لإفراد أمن وحرق كنائس رغم أنه لم يتم إصدار أحكام قضائية حول أي من تلك الجرائم، كما أنه لم يثبت أن شارك أي من الإخوان أو أنصارهم في عمليات حرق الكنائس أعقاب فض اعتصام رابعة العدوية والتي تورط فيها بلطجية كما شهد بذلك قساوسة في ظل عدم تدخل الأمن لتوفير الحماية المطلوبة للكنائس.
خامسا: إن هناك مراحل عديدة قبل حظر أي جماعة نتيجة ممارسة الإرهاب، فالقانون البريطاني ينص على حق وزارة الداخلية بحظر أي جماعة، على أن يتم إبلاغ البرلمان بمبررات القرار وأسبابه، ومن حق الجماعة أو المتضررين من القرار، تقديم طعن على القرار، والذي يتم نظره أمام لجنة يتم تشكيلها من وزارة العدل والقضاء، والحكم في ذلك الأمر قضائي وليس سياسيا، وقد سبق أن أوصت بعض الأجهزة، بحظر حزب التحرير الإسلامي، ولكن الحكومة تراجعت عن ذلك، خوفا من دفع الإسلاميين إلى ممارسة العمل السري، والاتجاه إلى مزيد من التشدد، وهو ما سيتم أيضاً في حالة الإخوان المسلمين.
سادسا: اتسم رد فعل الجماعة بالهدوء، بل الترحيب بالقرار، والاستعداد للتعاون مع كل الجهود، للوقوف على منهجها وأفكارها، واستنكرت الحملات الإعلامية لتشويهها، والإساءة إليها، وربطها بالعنف، خاصة أن الأيام القادمة ستكشف مغزى القرار، فهناك احتمالان لا ثالث لهما، إما أن هناك ضغوطا سياسية تم ممارستها على رئيس الوزراء البريطاني، وفائدة تلك التحقيقات، أنها قد تكون وسيلة ذكية للتخلص من تلك الضغوط بإعلان براءة الإخوان، وخلو أفكارهم أو ممارستهم من الإرهاب والعنف، وهو الاحتمال الأكبر، فقد كان من الممكن اتخاذ القرار من دون اللجوء إلى تلك الدراسة. أما الاحتمال الثاني فقد يؤدي هذا الإجراء إلى اعتبار الإخوان جماعة إرهابية، ويصبح عليها خوض معركة القضاء البريطاني، أو البحث عن قاعدة أخرى لعملها، ولن تعدم الجماعة ذلك، سواء في دولة أوروبية، أو أخرى إسلامية. وعلينا جميعا الانتظار، حتى يوليو القادم، قبل تلك الأفراح المبكرة، والشعور بالنشوة، والانتصار قبل بدء المعركة.