


عدد المقالات 604
توقفنا في المقال السابق عند ثنائية الصراع بين الإخوان المسلمين والمجلس العسكري في كل الأنظمة السياسية، التي مرت بها مصر منذ ثورة 23 يوليو 1953 وحتى ثورة يناير 2011، ونحاول رصد تطورات تلك العلاقة خلال الفترة الأخيرة التي تتجاوز أكثر من ثلاث سنوات، وتنوعت فيها المواقف من الهدنة المؤقتة والتعاون إلى الصدام والانقلاب ثم المواجهة، ومحاولة الاستئصال.
كما جرت العادة، ففي أعقاب الأحداث الهامة والمحورية تلجأ المؤسسة العسكرية إلى البحث عن ظهير شعبي. وهو ما حدث بعد ثورة يوليو، وتكرر بحذافيره بعد أحداث 15 مايو 1971 والذي جسد أعلى درجات الصراع على السلطة بين الرئيس السادات ورجال عبدالناصر، ولم يختلف الأمر كثيراً بعد ثورة يناير 2011، فعندما تولى المجلس العسكري قيادة البلاد بعد خلع مبارك من السلطة، اكتشف أن كل التنظيمات والحركات السياسية مجرد لافتات وشعارات من دون وجود حقيقي على الأرض من دون أنصار أو أعضاء، وأن القوة الوحيدة المنظمة تتجسد في تيار الإسلام السياسي، وفي القلب منه الإخوان المسلمين، في كل مشكلة وجهها المجلس العسكري وما أكثرها، لم يجد المساندة والدعم والتواجد سوى ذلك التيار. في حادث أطفيح الطائفي، وفي أزمة تعيين محافظ قبطي لمحافظة قنا، وأدرك المجلس أنه أمام قوة منظمة قادرة على الحشد والتأثير في الشارع، ومنذ الأسابيع الأولى تأكد من ذلك، عندما طرح للاستفتاء الإعلان الدستوري المؤقت، بعد أقل من شهرين من نجاح الثورة، حيث تم تمريره وبأغلبية مريحة تجاوزت الـ%70، رغم وجود معارضة من بعض القوى الليبرالية والمدنية واليسار، فكان من الطبيعي أن يكون هناك «شهر عسل» بين الطرفين، واستطاع المجلس العسكري بذلك تمرير كثير من المواقف السياسية الملتبسة والمختلف عليها.
وأكدت الأحداث أن الإخوان لم يتعلموا من دروس التاريخ، وأن تلك الفترة من التحالف مع المؤسسة العسكرية مؤقتة، وتمثل حاجة ملحة للمجلس العسكري دون أي فائدة تذكر لهم، وإن وجدت فهي مرحلية، خاصة أن استراتيجيه المؤسسة لم تتغير، وقناعاتها لم تتبدل، في أنها من يحكم مصر، وعولت الجماعة كثيراً على المجلس العسكري، واستمرأت فكرة التأثير من خلف ستار، دون أن تدرك معالم خطة خبيثة، تم إقرارها، وبدء العمل بها في الاغتيال السياسي والمعنوي للجماعة، فانحازت إلى المجلس في كل توجهاته، وزادت الهوة بينها وبين شركاء الثورة، دون أن يعني ذلك تحميل كامل المسؤولية للإخوان، فبعض الحركات الثورية تمتعت بطفولة سياسية وافتقدت النضج، ومثل الإخوان حائط صد لكثير من أخطاء المجلس العسكري، ومن ذلك المواجهات مع الثوار عند شارع محمد محمود، ومجلس الوزراء وإمام ماسبيرو، والتي شهدت سقوط ضحايا بالعشرات، دون حساب أحد، وظهر أن الإخوان في عجلة من أمرهم، وفي بحثهم عن الاستقرار حتى ولو كان وهميا، وانحازوا إلى خيار، سرعة إجراء الانتخابات النيابية، بشقيها مجلس الشعب والشورى، وكانت الأكثرية للتيار الإسلامي، ومن تحالف معهم، وبعضهم حصل على عضوية المجلسين لأول مرة.
وكانت «القشة التي قصمت ظهر البعير»، عندما نجح الدكتور محمد مرسي في الانتخابات الرئاسية، ويومها لم تقبل المؤسسة العسكرية بسهولة، وجود رئيس مدني منتخب من الشعب، تصادف أنه من جماعة الإخوان المسلمين، ولم تستطع المؤسسة تجاوز «الثأر القديم» بينها وبين الجماعة، أضيف إليها قراره المفاجئ بإقالة رئيس المجلس العسكري المشير طنطاوي، ورئيس الأركان الفريق سامي عنان، والاحتفاظ بعدد من الأعضاء، مدير المخابرات العسكرية عبدالفتاح السيسي في وزارة الدفاع، وعضو آخر في الإنتاج الحربي، وثالث لهيئة قناة السويس، ورابع للهيئة العربية للتصنيع، وقبلت المؤسسة القرارات على مضض، لتبدأ خطة خداع استراتيجي، وإعادة ترتيب للأوراق، لاستعادة الأوضاع ولو بعد حين، أما الخداع عبر تسريبات مدرسة وبعناية شديدة، من نوعية أن وزير الدفاع من خلايا الإخوان النائمة، وللأسف «بلع الإخوان الطعم»، بل استمروا ذلك، وشعروا بأن سيطرتهم كاملة على المؤسسة، من خلال وزير الدفاع الجديد، دون أي اعتبار لكونه ابن المؤسسة، والخيار المفضل للمشير طنطاوي. أما إعادة ترتيب الأوراق، فبدأت من خلال استثمار أركان الدولة العميقة، لوضع العراقيل أمام الحكم الجديد، بالمعارضة في الشارع، من خلال تنظيمات مثل جبهة الإنقاذ، ومن خلال أدواتها في الإعلام والقضاء، وحتى داخل أجهزة الدولة بكل أشكالها، ومنها الجناح الأمني، وحاولت المؤسسة أن تطرح نفسها كوسيط بين معسكري الحكم والمعارضة، فلم ترحب الرئاسة ولا الجماعة بذلك الدور، واستمرت الخطة، الوزير يتحدث علنا، عن مخاطر نزول الجيش للشارع، حتى لا تتحول مصر إلى صومال آخر، وتتأخر لمدة أربعين عاما، مع دعوة النخب المصرية إلى التغيير عبر صناديق الانتخاب، وكانت التصريحات «بردا وسلاما» على مؤسسة الرئاسة والجماعة، ولم يلتفت أحد إلى تصريحات متناقصة تماماً، تصدر من الرجل الثاني في الجيش رئيس الأركان في ذلك الوقت اللواء صدقي صبحي ومن الإمارات، أثناء مشاركته في معرض للسلاح عن انحياز المؤسسة العسكرية، لاختيارات الشعب والاستجابة إلى ندائه فورا إذا تم استدعاؤه.
واعتمدت الجماعة على تماسك أعضائها، ووجود تحالف يضمها مع عدد من الأحزاب الإسلامية، وعلى وهم قيام المؤسسة بالدفاع عن الشرعية، مع استمرار حملات استباحة الرئيس واستهداف الجماعة، وتم استغلال الأذرع الإعلامية سواء الرسمية ولم تكن منضبطة أو الخاصة التي مثلت «مدفعية ثقيلة» في المواجهة، وظهرت حركة تمرد، ورغم أن المعلومات كانت متوافرة عن طبيعة تحركاتها، ومن ورائها، ولكن الجماعة والرئيس كان يعول على دعم الأجهزة الأمنية من جهة والمؤسسة من جهة أخرى، وأشاد بهما في كل مناسبة، وآخرها خطاباته قبل أيام من 30 يونيو 2013، وكانت توقعات الجماعة والرئيس مرسي أن المظاهرات ستستمر يوما أو بعض يوم وستنفض، دون أي إدراك لما يجري في الخفاء، فالحقيقة أن 30 يونيو شهد حشودا قد نختلف على حجمها، ولكن المفاجأة الزلزال بالنسبة للرئاسة والجماعة كانت في 3 يوليو، والتي مثلت سيناريو مختلفا عما حدث في يناير 2011، ففي الأولى ظل الدكتور محمد مرسي متمسكا بشرعيته كرئيس منتخب، وفي الثانية استمرت الضغوط طوال 18 يوما، حتى أعلن مبارك تنحيه عن السلطة، وتسليمه الأمور للمجلس العسكري.
ومثلت الفترة من يناير 2011 وحتى 2013 قمة النجاح للمؤسسة في صراعها التاريخي مع الجماعة، فبعد أن كان الشعار المرفوع أثناء المجلس العسكري، «يسقط حكم العسكر»، أصبحت المؤسسة هي المنقذ والملاذ والرجاء من قطاعات شعبية غير مسيسة، ساهم الإعلام في تشكيل وعي مزيف لها مع خلط للحقائق، لتبدأ مرحلة جديدة من الصراع تستهدف استئصال الجماعة بكل الوسائل واستخدام كافة قوى الدولة الإعلام والقضاء والأجهزة الأمنية.
أما نتيجة تلك المواجهة فهي مفتوحة على كل الاحتمالات، وإن كان حسمها لأي من الطرفين ليس في المستقبل المنظور.
usama.agag@yahoo.com •
لا أدري إذا كانت تصريحات المبعوث الأممي السابق إلى ليبيا غسان سلامة، حول حقيقة ما جرى منذ هجوم اللواء المتقاعد خليفة حفتر الغادر على العاصمة الليبية طرابلس في أبريل من العام الماضي، نوعاً من إبراء...
عندما يتعلق الأمر بحاضر ومستقبل أكثر من مائة وخمسين عربي في مصر والسودان، فنحن في حاجة إلى الاصطفاف والحذر، والحرص في التناول والتعامل أثناء التعامل مع ملف سد النهضة، وعندما تكون القضية تخصّ شريان الحياة،...
هاهي أميركا تجني ثمار ما زرعته في العراق، فبعد أكثر من 17 عاماً من غزوها العاصمة بغداد، تجد نفسها مجبرة على الدخول في حوار استراتيجي مع حكومة الكاظمي؛ للاتفاق حول شكل وحجم قواتها هناك، بعد...
إن أي مراقب محايد وحريص على التجربة الديمقراطية الوليدة في أعقاب أنجح نماذج الربيع العربي، لا بدّ أن يقرّ ويعترف بأن هناك أزمة حقيقية تعاني منها تونس، وبداية الحل في الاعتراف بوجودها، والاتفاق على آليات...
عندما يجتمع «الهوان» العربي، و»التخبّط» الفلسطيني، مع «الدعم» الأميركي، وموقف «إبراء الذمة» الأممي والأوروبي، فالنتيجة أن المشروع الإسرائيلي لضمّ 30% من الضفة الغربية -وهو قيد التنفيذ- في يوليو المقبل سيمرّ، وعلى الجميع أن يتنظر خطوة...
بكل المقاييس، فإن شهري يونيو ويوليو المقبلين هما الأخطر في مسار أزمة سد النهضة، وسيحددان طبيعة العلاقات المصرية السودانية من جهة، مع إثيوبيا من جهة أخرى، وكذلك مسار الأحداث في المنطقة، وفقاً للخيارات المحدودة والمتاحة...
أسباب عديدة يمكن من خلالها فهم الاهتمام الاستثنائي من جانب الكثيرين من المعلّقين والكتّاب -وأنا منهم- بقضية سدّ النهضة، والأزمة المحتدمة على هذا الصعيد بين مصر وإثيوبيا والسودان، ومنها أنها تتعلّق بحاضر ومستقبل شعبين عربيين،...
بعد عدة أشهر من استقالة رئيس الوزراء العراقي السابق عادل عبدالمهدي، كان الخيار الأول لمن يخلفه هو مصطفى الكاظمي رئيس الاستخبارات العراقية، ولكنه تحفّظ على قبول التكليف، ووسط عدم قبول كتل شيعية له؛ ولكنه أصبح...
المتابعة الدقيقة لمسيرة اللواء المتقاعد خليفة حفتر تؤكد أن الرجل لم ولن يتغير؛ فقد ظهر بشكل كوميدي لأول مرة في فبراير 2014، داعياً الليبيين إلى التمرّد على المؤتمر الوطني العام المنتخب من قِبل الشعب الليبي،...
أزمات لبنان الحقيقية تبدأ وتنتهي عند المحاصصة السياسية والطائفية، يضاف إليها الرغبة في التسييس والتأزيم، مع تمترس كل طائفة وتيار وحزب سياسي وراء مواقفه، دون الرغبة في اللجوء إلى التسويات السياسية، أو لقاء الآخر عند...
لن تخرج الاحتمالات الخاصة بتمرير الحكومة العراقية الجديدة برئاسة مصطفى الكاظمي، عن هذه الاحتمالات؛ إما أن ينجح الرجل فيما فشل فيه سابقاه محمد توفيق علاوي وعدنان الزرفي، ويصل إلى التشكيلة المناسبة ليتم تمريرها عبر مجلس...
لا أسامح نفسي على إطراء شخصية مثل بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي، ولكنه يقع في إطار إقرار واقع وقراءة في مسيرة الرجل، الذي استطاع عبر سنوات طويلة، أن يستخدم أدواته بصورة جديدة، ليحتفظ بالموقع طوال...