


عدد المقالات 307
غداة سقوط النظام السابق في العراق، بفعل الغزو والاحتلال الأميركيين، ساد اعتقاد بأن البلد يحتاج إلى خمس سنين على الأقل ليبدأ بالتعافي. ما إن مضى العام الأول حتى غدا التقدير مضاعفاً. واليوم، في السنة العاشرة، لم يعد هناك أي تصور للوقت اللازم كي يدخل العراق مرحلة الاستقرار. خلال وجود قوات الاحتلال، كان يقال إنها السبب الموضوعي المباشر للتوتر السياسي والأمني. رأى العديد من السياسيين العراقيين آنذاك أن سلطة الاحتلال تستخدم نفوذها لمصلحة فئات ضد فئات أخرى، وأن الجميع يحاولون الاستفادة من النفوذ الأميركي للحصول على مكاسب وبناء نفوذ لا يتناسب مع حيثيتهم الحقيقية في البلاد. وقد أفتوا، على سبيل استيعاب الدروس، بأن هذه اللعبة ستتغيّر بمجرد أن ينسحب الأميركيون وتشرع العلاقات بين العراقيين بالاستقامة. الواقع الراهن يثبت أن مثل هذا الاستنتاج لم يتحقق بل إن العكس الأسوأ قد حصل. لا يعني ذلك أن بقاء الاحتلال كان أفضل، أو كان هو الحل، أو كان الخيار المفضل من الأساس. بل يعني، ببساطة، أن العراقيين الذين عملوا على مدى عقود للتخلص من النظام البعثي، لم ينتهزوا الفرصة المتاحة لهم، ولم يثبتوا جهوزيتهم لإنتاج نظام قادر على بناء دولة حديثة لجميع أبنائها. وكان صادماً، بدءاً من العام الثاني أن تبدأ المقارنات التي يأتي حكمها لمصلحة النظام السابق الذي يعد نموذجاً للاستبداد القاسي، لكن الحريات التي نالها العراقيون كان لها ثمن أيضاً، إذ افتقد الأمن وتعطلت الخدمات، ثم إن الحريات ذاتها راحت بدورها تتقلّص وتنحسر. نسب أنصار النظام الجديد سوء الأوضاع إلى العنف والإرهاب. قالوا وقتئذ أيضاً إن وجود الاحتلال هو الذي طرد تنظيم «القاعدة» من أفغانستان ثم اجتذبه إلى العراق. اتّهموا البيئة «الحاضنة» للإرهاب، أي المناطق السنّية، باحتضانه وحفزه على التحرك ضد الاحتلال، وبالتالي انتقاماً من مؤيدي الاحتلال والمستفيدين منه، أي الشيعة والأكراد. ولم يكن لدى الأميركيين وأنصاره خطة للتعامل مع واقع إنهاء حكم السنّة الذي أنشؤوه، بل إنهم لم يكترثوا عملياً لهذه الحقيقة التي ما لبثت أن انفجرت في وجوههم. وكانت لاحت فرصة لإصلاح هذا الغبن المتوقع من خلال كتابة الدستور الجديد، وبداعي الاستعجال لتشغيل عجلة «الديمقراطية» فُرض الدستور رغم اعتراض السنّة عليه، ثم وُعدوا بإنجاز التعديلات التي طلبوها، وهو ما لم ينجز حتى الآن، وقليلاً ما يُشار إليها. ثم لاحت بارقة أمل عندما وضعت «المصالحة الوطنية» كاستحقاق ذي أولوية على جدول الأعمال الحكومي، وقد تعذّر تحقيقه في حكومتي إياد علاوي ثم إبراهيم الجعفري اللتين لم تدوما طويلاً. ومنذ تسلم نوري المالكي رئاسة الحكومة بدا كأن هذا الاستحقاق قد طوي، لأن المالكي لم يشأ التوجه إلى المصالحة بالمنهج المعروف، أي بالاستناد إلى حوار وطني، بل فضّل شراء الولاءات وتلاعب بتنفيذ «قانون اجتثاث البعث» لتقريب المرشحين للإقصاء الذين يتعاونون معه، ومعاقبة الذين يصرّون على معارضته. فعل ذلك لاستقطاب العديد من العسكريين والقضاة وكبار الموظفين الذين عملوا مع النظام السابق، وجعل منهم الأعداء الأكثر شراسة للسنّة في «دولته». وقد عوّل عليهم لتوفير غطاء قضائي للقضايا التي يلفقها لشخصيات السنّة وأقطابهم، كما حصل عندما خطط للتخلص من نائب الرئيس طارق الهاشمي الذي اتهمه بالتورط في الإرهاب، وعندما أراد وضع وزير المال رافع العيساوي تحت الاشتباه، وكذلك في احتجاز آلاف المعتقلين بتهم مفبركة من دون إحالتهم إلى المحاكمة. وفيما فاخر الأميركيون قبيل مغادرتهم بنهاية 2011، بأنهم أرسوا الديمقراطية في العراق، استطاع المالكي في لحظات أن يبرهن خطأ هذا التقويم المتسرّع لإرث الاحتلال، وفي غضون شهور قليلة كان قد استعدى المكوّنين الآخرين للمجتمع: الكرد والسنّة. وقبل الانسحاب الأميركي، بل خصوصاً بعده، دلّ أداء المالكي إلى إرادة ناجزة باستنساخ تجربة الاستبداد وممارساتها، وها هو اليوم في مواجهة قد تتحوّل حرباً أهلية مع هذين المكوّنين، ثم إنه ذهب بعيداً في الامتثال للسياسات الإيرانية وتولّي تطبيقاتها داخلياً وإقليمياً. ورغم أخطائه وغلوّه بقي نقطة تقاطع الخطّين الأميركي والإيراني ولا يزال يحظى بتأييدهما. وإذا كان نائبه في الحكومة صالح المطلك وصفه بـ «الدكتاتور»، وكثيرون وصموه بلقب «صدّام» الجديد، فإن هذا لم يسئ إليه في طهران ولا حتى في واشنطن، حيث اعتبرت الـ «سي آي إيه» منذ التسعينيات أن أفضل وصفة للحاكم العراقي المقبل أن يكون مثل صدّام، شرط أن يقبل «المسار الديمقراطي» وأن «لا يستخدم العنف». لكن المالكي مَأسس العنف واستخدم فيه ميليشيات خاصة بموازاة الجيش وقوى الأمن، وانحرف بالحكم «المنتخب» إلى صيغة تسلّط شخصي. لا شك أن مسؤولية تبديد الأمل بعراق جديد وتحويله إلى فشل تقع على القوى الخارجية والداخلية في آن، إذ جعلوا العراق «جمهورية فساد» وأرضاً مسبية فتعاملوا معه كالغزاة وتكالبوا على تقاسمه ونهبه. لم يكن الأميركيون وحلفاؤهم «منقذين»، كما ادّعوا، لكنهم تعلّموا أن الاحتلالات على الطريقة الاستعمارية القديمة باتت صعبة ومكلفة. ولم يكن العراقيون المتعاملون معهم «وطنيين»، كما ادّعوا، لكنهم فشلوا في التعلّم من دروس الاستبداد ذهاباً ومن دروس الاحتلال إياباً، ولذا وضعوا وحدة العراق أرضاً وشعباً ودولة على كف عفريت.
لفت المبعوث الأممي السابق إلى ليبيا غسان سلامة، بعد صمت أربعة أشهر منذ استقالته، إلى أن هذه الاستقالة كانت قراراً متأخراً. هو لم يقل ذلك، لكن تركيزه على الإحباط الذي سبّبه هجوم خليفة حفتر على...
في جلسة مجلس الأمن، الأربعاء الماضي، قيل الكلام الأخطر والأسوأ للتحذير من جريمة إسرائيلية يجري ارتكابها علناً. إذا كان هذا المجلس بمثابة مرجع «قضائي»، باعتبار أن الشعوب تشكو إليه ما تعتبره مظلمة تقع بها، أو...
هل كانت شهادة جون بولتون لتغيّر كثيراً في محاولة تنحية دونالد ترمب؟ يحاول مستشار الأمن القومي السابق الإجابة في مذكراته عن الفترة التي أمضاها في المنصب، المفارقة من جهة أن بولتون يصف رئيسه بأنه غير...
فجأة تحوّلت التماثيل والنصب التذكارية من معالم تاريخية ومفاخر تاريخية وجواذب سياحية، إلى رموز خزي وعار وموضع إدانة ومساءلة، أصبحت آيلة للإزالة ليس من أمام الأنظار فحسب، بل أيضاً من الذاكرة والسجلات، وحتى من التعليم...
لم يخطئ دونالد ترمب أبداً بالنسبة إلى معاييره الشخصية، حتى في مقاربته لواقعة مصوّرة، مثل قتل الشرطي الأبيض ديريك شوفين المواطن الأسود جورج فلويد؛ إذ أذهل الرئيس الأميركي مواطنيه جميعاً بتعامله الفظّ مع ردود الفعل...
ما يظهر على السطح رفضٌ واستنكارٌ دولي لعملية ضم إسرائيل 30 % من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية. ما يحدث تحت السطح أن حكومة الائتلاف اليميني باشرت إجراءات الضمّ هذه على الأرض، ولا تنتظر الموعد...
وسط عشرات المسلسلات الدرامية في الموسم الرمضاني، وسوادها الأعظم رديء، كان من الطبيعي أن يبرز واحدٌ من خارج السباق، ومن الواقع المعاش لا من قصص متخيّلة أو مقتبسة. أُعطي أسماء عدة، لكن أفضلها كان «صراع...
لكي يخرق وزير الخارجية الأميركي الحظر «الكوروني» ويسافر إلى إسرائيل، ذهاباً وإياباً من دون توقّف، لا بدّ أن ثمّة شديداً قوياً يتطلّب ضبطاً، رغم أن طبيعة العلاقة بين إدارة دونالد ترمب وبنيامين نتنياهو لا تعاني...
مع رئيس الوزراء الجديد يفتح العراق صفحة غير مسبوقة، منذ سقوط النظام السابق، ذاك أن مصطفى الكاظمي لا ينتمي إلى أي حزب عقائدي ديني، كما كان أسلافه إبراهيم الجعفري، ونوري المالكي، وحيدر العبادي، وعادل عبد...
السؤال مطروح غرباً وشرقاً، سواء باسترشاد ما يُعتقد أن مكافحة الصين لوباء «كورونا» كانت نمطاً نموذجياً لم يتمكّن العالم الغربي من اتباعه، ولذا فقد تبوأ المراتب الأولى في أعداد الإصابات والوفيات، أو ما يمكن أن...
ملامح كثيرة للتغييرات المقبلة بدأت تتراءى أمام العيون وفي المخيّلات وفي دروس المحنة الفيروسية على كل المستويات الفردية والجماعية، بغضّ النظر عما إذا عانى الشخص أو لم يعانِ فقداً في عائلته أو صداقاته، وعن مدى...
لن تختلف تقديرات الخسائر كثيراً في حال «كورونا» عما هي في أي حرب عالمية. ولا يمكن توجيه اللوم لجهة أو لأحد بالنسبة إلى الوباء، رغم أن الانفعالات اندفعت هنا وهناك إلى مزالق سياسية وعنصرية شتّى،...