


عدد المقالات 307
إذا كان الاتفاق النووي نصاً تقنياً بحتاً فمن أين تأتي الحمولة السياسية التي تنسب إليه؟ واقعياً، لو كان البرنامج النووي مجرد معادلة علمية اقتضى تصحيحها لما تسبب بأزمة دولية- إقليمية، ولما استوجب أربع حزمات من العقوبات الدولية عدا العقوبات الخاصة الأميركية (بعض منها فرضه الكونجرس وبعض آخر من الإدارة) والأوروبية، ولما أشعل التوتر في المنطقة إلى حد قرع طبول الحرب أحياناً، ولما تطلب أخيراً جولات عديدة من المفاوضات المتنقلة والمعروف مسبقاً أنها غير مجدية، إلى أن أصبح الطرفان الأميركي والإيراني جاهزين فعلاً لإنجاز اتفاق. في خلفية الشأن النووي كانت جملة صراعات تخاض، وكلها سياسي بوجه عسكري استراتيجي أو اقتصادي استراتيجي، بل كلها مرتبط بمصالح وخرائط نفوذ وترتيبات أمنية، وقد تمظهرت عملياً بحروب بالوكالة استثمرت في تناقضات الشعوب والمجتمعات. ولذلك مثلت لحظة توقيع الاتفاق النووي لحظةً للنظر إلى المشهد الإقليمي ومحاولة لمراجعة الحسابات واستشراف تغييرات آتية، باعتبار أن أسباب التوتير في صدد أن تزول بفضل ذلك الاتفاق. لكن يمكن القول اليوم، بلا أي مبالغة، إن لحظة التوقيع كانت لحظة تفتيح العيون على حقيقة أن «النووي» لم يكن هو المشكلة، أو بالأحرى لم يكن مصدرها ولا جوهرها، لكنها تفاقمت في السياق النووي. ما المشكلة، إذاً؟ إنها منطقة عربية تبدت للمحيطين بها مفككة ومعدومة التوازن والوزن، وأرشدتهم إلى إمكانات التدخل فيها، حتى قبل زلازل الربيع العربي وارتداداتها. منطقة كانت ولا تزال لديها قضية حق مغتصب في فلسطين، سكنت وجدانها وانعكست على تأسيس دولها بعد استقلالها، وكذلك على الوعي المواطني ومسائل الحريات وحقوق الإنسان. جربت المنطقة الحروب لاسترداد الحق وانهزمت، ثم جربت السلام وخدعت، وفي الحالين كانت الولايات المتحدة سبباً مباشراً في الهزائم كما في فشل السلام كما في إقامة وضع استثنائي لإسرائيل تتمتع فيه لا بالتفوق العسكري النوعي فحسب بل خصوصاً بامتلاك القنبلة النووية كسلاح ردع حاسم. على خلفية هذه الهزيمة العامة، كانت تدور صراعات عربية ثنائية فتاكة أحياناً. وعندما اشتعلت الحرب العراقية- الإيرانية لم تكن إيذاناً بولادة عداء عربي- فارسي جديد فحسب بل ما لبثت أن ولدت اجتياح الكويت وحرباً دولية لتحريرها، تلك كانت صفحة طويت من «تضامن عربي» شكلي لتفتح صفحة من انعدام الوزن العربي، الذي انحدر تباعاً ليصبح «خواءً استراتيجياً» ساهم الغزو الأميركي للعراق في تكريسه وتعميقه. بل شرع الأبواب أمام كل الاحتمالات وبالأخص أسوأها، فقيل إن احتلال العراق كان الانتصار الاستراتيجي الحاسم لإسرائيل، وقيل إنه وفر فرصاً وخيارات لتركيا، وإنه كان «الهدية» التي كانت إيران تنتظرها ولم تتوقعها على هذا القدر من المجانية وفي لحظة خروجها النهائي من آثار حربها مع العراق بدليل سعيها إلى امتلاك السلاح الرادع تأكيداً لاستيعابها التام لدروس تلك الحرب وعزمها على إبعاد أي خطر عن أراضيها بعد الآن. بين الانتصار الاستراتيجي لإسرائيل والهيمنة الإيرانية الزاحفة في مختلف الاتجاهات والتعافي التركي من إرث الدكتاتورية العسكرية، كان «الخواء الاستراتيجي» العربي موضع نقاش في القمة العربية التي انعقدت في سرت عام 2010. لعل المكان يوحي بسخرية القدر السوداء، ولزيادة تلك السخرية انعقدت استثنائياً مرتين، في مارس ثم في أكتوبر، غير أن حصيلة النقاش كانت مدعاة للأسى، لأنها كانت كالعادة رزمة أخرى من الخلافات. كانت الأنظمة على بعد شهرين فقط من اندلاع انتفاضات الربيع العربي، ولم تكن متقاربة المقاربات لضرورة فتح حوارات استراتيجية مع تركيا وبالتالي مع إيران. وإذ بررت المواقف السلبية بذريعة منطقية هي ضرورة بلورة حال من التضامن والتماسك العربيين قبل الشروع في أي حوار إقليمي، فإن ما بدا مستحيلاً ليس التوافق المحتمل مع تركيا وإيران وإنما التضامن المرغوب بين العرب. كان يرتجى للربيع العربي أن يؤسس سريعاً، أو في وقت معقول، أنظمة جديدة من شأنها بث الروح مجدداً في جسد نظام عربي مترنح، لكن إرث الأنظمة السابقة كان أكثر تعقيداً مما أمكن تصوره للوهلة الأولى. وهكذا دخل «الرجل العربي المريض» حالاً أكثر خطورة تنذر بأعراض سرطانية، ما زاد التكالبات الخارجية عليه وقد أصبح مجرد جثة يراد تقاسمها، ويبدو الأمر الآن كما لو أن العرب لم يسبق لهم أن يدركوا ما تعنيه سوريا والعراق في قلب عالمهم، وفي قلب مشرقهم، في حين أن القوى الأخرى أدركت مسبقاً واستعدت لانتهاز أول فرصة تلوح لهم. ما علاقة ذلك بالشأن النووي وباتفاق فيينا؟ قد تكون أو لا تكون هناك «ملاحق سرية» للاتفاق، لكن أحداً لا يعتقد أنه أمكن التوصل إليه من دون «تفاهمات» غير معلنة، مدونة أو موثقة، سيسترشد بها الأميركيون والإيرانيون خلال إدارتهم لتطبيع علاقاتهم مستقبلاً، إذ إنهم دخلوا المفاوضات على أساس مكسبين متبادلين، فواشنطن حصلت على تجميد البرنامج النووي مهما صعبت المفاوضات وطالت، وطهران حصلت على حقها في الاحتفاظ ببرنامجها وإمكان تطويره لاحقاً، وانطلاقاً من ذلك استمرت المفاوضات على وتيرة تقدم التفاهمات حول المسائل السياسية. وهذه لن تظهر مفاعيلها دفعة واحدة، فالولايات المتحدة تريد الإشراف على توزيع تركة «الرجل العربي المريض» بين القوى الإقليمية الثلاث (إيران وتركيا وإسرائيل) قبل أن تبدأ فعلياً تعديل وجهة استراتيجيتها نحو شرق آسيا معتمدة أيضاً على استقطاب إيران كلياً أو جزئياً. لذلك تبدو الحمولة السياسية للاتفاق النووي ثقيلة وعميقة، والأهم أنها تنطوي على تهميش واضح للعرب.
لفت المبعوث الأممي السابق إلى ليبيا غسان سلامة، بعد صمت أربعة أشهر منذ استقالته، إلى أن هذه الاستقالة كانت قراراً متأخراً. هو لم يقل ذلك، لكن تركيزه على الإحباط الذي سبّبه هجوم خليفة حفتر على...
في جلسة مجلس الأمن، الأربعاء الماضي، قيل الكلام الأخطر والأسوأ للتحذير من جريمة إسرائيلية يجري ارتكابها علناً. إذا كان هذا المجلس بمثابة مرجع «قضائي»، باعتبار أن الشعوب تشكو إليه ما تعتبره مظلمة تقع بها، أو...
هل كانت شهادة جون بولتون لتغيّر كثيراً في محاولة تنحية دونالد ترمب؟ يحاول مستشار الأمن القومي السابق الإجابة في مذكراته عن الفترة التي أمضاها في المنصب، المفارقة من جهة أن بولتون يصف رئيسه بأنه غير...
فجأة تحوّلت التماثيل والنصب التذكارية من معالم تاريخية ومفاخر تاريخية وجواذب سياحية، إلى رموز خزي وعار وموضع إدانة ومساءلة، أصبحت آيلة للإزالة ليس من أمام الأنظار فحسب، بل أيضاً من الذاكرة والسجلات، وحتى من التعليم...
لم يخطئ دونالد ترمب أبداً بالنسبة إلى معاييره الشخصية، حتى في مقاربته لواقعة مصوّرة، مثل قتل الشرطي الأبيض ديريك شوفين المواطن الأسود جورج فلويد؛ إذ أذهل الرئيس الأميركي مواطنيه جميعاً بتعامله الفظّ مع ردود الفعل...
ما يظهر على السطح رفضٌ واستنكارٌ دولي لعملية ضم إسرائيل 30 % من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية. ما يحدث تحت السطح أن حكومة الائتلاف اليميني باشرت إجراءات الضمّ هذه على الأرض، ولا تنتظر الموعد...
وسط عشرات المسلسلات الدرامية في الموسم الرمضاني، وسوادها الأعظم رديء، كان من الطبيعي أن يبرز واحدٌ من خارج السباق، ومن الواقع المعاش لا من قصص متخيّلة أو مقتبسة. أُعطي أسماء عدة، لكن أفضلها كان «صراع...
لكي يخرق وزير الخارجية الأميركي الحظر «الكوروني» ويسافر إلى إسرائيل، ذهاباً وإياباً من دون توقّف، لا بدّ أن ثمّة شديداً قوياً يتطلّب ضبطاً، رغم أن طبيعة العلاقة بين إدارة دونالد ترمب وبنيامين نتنياهو لا تعاني...
مع رئيس الوزراء الجديد يفتح العراق صفحة غير مسبوقة، منذ سقوط النظام السابق، ذاك أن مصطفى الكاظمي لا ينتمي إلى أي حزب عقائدي ديني، كما كان أسلافه إبراهيم الجعفري، ونوري المالكي، وحيدر العبادي، وعادل عبد...
السؤال مطروح غرباً وشرقاً، سواء باسترشاد ما يُعتقد أن مكافحة الصين لوباء «كورونا» كانت نمطاً نموذجياً لم يتمكّن العالم الغربي من اتباعه، ولذا فقد تبوأ المراتب الأولى في أعداد الإصابات والوفيات، أو ما يمكن أن...
ملامح كثيرة للتغييرات المقبلة بدأت تتراءى أمام العيون وفي المخيّلات وفي دروس المحنة الفيروسية على كل المستويات الفردية والجماعية، بغضّ النظر عما إذا عانى الشخص أو لم يعانِ فقداً في عائلته أو صداقاته، وعن مدى...
لن تختلف تقديرات الخسائر كثيراً في حال «كورونا» عما هي في أي حرب عالمية. ولا يمكن توجيه اللوم لجهة أو لأحد بالنسبة إلى الوباء، رغم أن الانفعالات اندفعت هنا وهناك إلى مزالق سياسية وعنصرية شتّى،...