المقعد الحائر..!!
10 أبريل 2014 , 12:00ص
أجد نفسي أقرب إلى الاقتناع، بوجهة نظر الدكتور نبيل العربي الأمين العام للجامعة العربية، التي طرحها في لقاء جمعني به الأسبوع الماضي، حول مقعد سوريا في الجامعة، خاصة أنه لم يخف لأسباب ذات طابع قانوني، ووفقا لميثاق الجامعة، رفضه على أن يذهب المقعد إلى الائتلاف السوري المعارض. ومهما كان الأمر فإن القضية هي تعبير «عن عرض لمرض» فلولا الأزمة الإنسانية، والتي وصلت إلى حد المأساة، التي تعيشها سوريا الدولة والشعب، لما كانت هناك أزمة. خاصة أن دمشق من الدول المؤسسة لجامعة الدول العربية، واحد الدول المحورية في المنظومة العربية، ولم تغب أبداً عن العمل العربي المشترك. والعجيب في الأمر أن أزمة كرسي سوريا، ومن يمثلها في الجامعة، ليست وليدة اليوم، ولا القمة العربية الأخيرة في الكويت، والتي هددتها بالانفجار من الداخل، نتيجة الخلافات الشديدة حول القضية. بل إن القضية مثارة منذ آخر عام 2011، وما بعدها خاصة بعد أن تشكلت المعارضة السورية، وأصبح لها كيان سياسي، يضاف إلى الجناح العسكري، والذي جسدته الجيش السوري الحر، رغم الخلافات الشديدة بين فصائل المعارضة، ومن يومها والمطالبات مستمرة، بأن تتولى المعارضة مسؤولية المقعد السوري في الجامعة العربية، اعتمادا على سابقة قريبة، عندما وافقت الأمانة العامة للجامعة، وعلى مستوى المندوبين، دون انتظار لاجتماع وزراء الخارجية، على تجميد عضوية ليبيا القذافي في الجامعة العربية، وكان ذلك بعد أسابيع قليلة من اندلاع الثورة الليبية، في 17 فبراير من العام 2011. وإن كان استعادة المعارضة لمقعد ليبيا في الجامعة تأخر، كما قال لي د.نبيل العربي، بعد سقوط العاصمة الليبية طرابلس في أيدي الثوار، إيذانا برحيل النظام، الذي ظلت رموزه خاصة العقيد معمر القذافي، تقاوم قبل أن تتساقط، وكانت النهاية الدرامية لرأس النظام.
والعجيب في الأمر، أن قضية شغل المعارضة لمقعد سوريا، في الجامعة مر بسهولة في قمة الدوحة، والتي انعقدت في 26 مارس من العام الماضي. والذي أصدرت قرار رقم 580 يؤكد ما ذهب إليه وزراء الخارجية العرب، في اجتماعهم في 6 مارس من العام الماضي أيضاً، وكان برقم 7595، حيث نص القراران على الترحيب بشغل الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، مقعد الجمهورية السورية في جامعة الدول العربية، والاعتراف به ممثلا شرعيا وحيدا للشعب السوري، بل إن قطر وهي رئيسة القمة الماضية، قامت وبعد يوم من اجتماعات القادة، بتسليم مبنى السفارة في الدوحة إلى ممثل الائتلاف، ولكن الحال تغير خلال عام، دون أن يكون هناك تفسير مقنع لهذا التغيير، وتحول الأمر إلى أزمة مستعصية على الحل، وتجسد ذلك في اجتماعات وزراء الخارجية العرب في 9 مارس الماضي، وبعد مناقشات مستفيضة، تم التوافق على حل يقضي بإرضاء كافة الأطراف، ومضمونه السماح بمشاركة أحمد الجربا رئيس الائتلاف السوري، بالمشاركة في قمة الكويت، وأن يلقي كلمة في الجلسة الافتتاحية، مثله مثل كثير من ضيوف القمة، وممثلي المنظمات الدولية والإقليمية، ممثل الأمين العام للأمم المتحدة، وكان الأخضر الإبراهيمي، والأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي إياد مدني، والاتحاد الإفريقي، والبرلمان العربي، والأمين العام لمجلس التعاون الخليجي. على أن يبقى مقعد سوريا شاغرا، دون تمكين المعارضة من المشاركة في الاجتماعات، وتمحورت المواقف داخل أروقة القمة تجاه أزمة المقعد، حول ثلاثة اتجاهات وهي:
أولا: المؤيدون لتولي المعارضة مسؤولية تمثيل سوريا، وأبرز المواقف في ذلك الشأن كانت لقطر، حيث كانت كلمة الشيخ تميم أمير دولة قطر واضحة في فضح النظام السوري، وانتقاده وعدم شرعيته. بالإضافة إلى السعودية، وقالها ولي العهد الأمير سلمان صراحة، في خطابه في الجلسة الافتتاحية. وأعرب عن استغرابه من عدم وجود الائتلاف في مقعد سوريا، خاصة أنه -كما قال الأمير سلمان- قد منح ذلك في قمة الدوحة، مطالبا بأن يتم تصحيح هذا الوضع.
ثانيا: المعارضون: وهم ثلاث دول تحديدا، العراق والجزائر ولبنان، والأخير نأى بنفسه عن القضية تماماً، خاصة أن لبنان الدولة والشعب يعاني من انقسام حاد تجاه الأزمة السورية. ما بين مؤيد للنظام ومعارض، بل هناك من هو متورط في الصراع، مثل عناصر حزب الله. وكذلك الموقف العراقي، خاصة في ظل الحلف بين نظام المالكي وبشار، أما الجزائر فلم تقدم مبررا لذلك الموقف، ويضاف إلى هؤلاء الأمين العام للجامعة د.نبيل العربي، وإن كان الأمر هنا يتعلق باستيفاء مستلزمات قانونية، وبما يتناسب مع ميثاق الجامعة، باعتبارها تخص الحكومات وليس الشعوب، كما أن المعارضة منقسمة وغير موحدة، خاصة أن التنسيقيات وهي الفيصل المعارض الأهم في الداخل، طلبت في خطابات رسمية للجامعة، عدم إعطاء المقعد للائتلاف، كما أن المعارضة لم تشكل حتى الآن حكومة موحدة، وتساءل العربي إذا اعترفت دولة عربية بالائتلاف، وقبلت بوجود سفير له في أي عاصمة عربية؟ فهل يمكنها أن ترسل مماثلا له للائتلاف؟ خاصة أنه لا يسيطر على كل الأراضي السورية.
ثالثا: دول لم تحدد مواقفها، وهي الأغلبية والاعتبارات كثيرة، ومنها على سبيل المثال مصر، وهو أمر غريب، لا يتناسب مع وضعها العربي، ولا مكانتها، خاصة أنها بعد 3 يوليو أقرب للنظام السوري من المعارضة، على خلاف ما كان في زمن الدكتور محمد مرسي، ولكنها لا تعلن ذلك صراحة، لوجود تناقص في المواقف مع حلفائها الجدد، مثل السعودية والإمارات، ومن بعدهم روسيا، كما أن مصر تتخوف من إمكانية دعم، طلب المعارضة السورية، حتى لا تكون سابقة يمكن أن يعتمد عليها تحالف دعم الشرعية مثلا، في أحقيته بتمثيل مصر في الجامعة.
وخرجت قمة الكويت بقرار، أقل ما يمكن وصفه بالتناقض والغموض، وهو ما اعترف به صراحة، الدكتور نبيل العربي، فالبند الثاني من القرار يؤكد على قرار قمة الدوحة، والرابع يدعو إلى مشاركة الائتلاف، في اجتماعات المجلس الوزاري في سبتمبر القادم، مع الإشارة إلى أن ذلك لا يعني أية التزامات تمس القرار السيادي لكل دولة، ويخصص البند الخامس لمصر دولة المقر، ويترك للطرفين الائتلاف والحكومة المصرية، التباحث حول الامتيازات والتسهيلات المقدمة للائتلاف، ويبدو أن الأمر خضع للمساومات، والحلول الوسط والمقايضات.
ومهما كان الأمر، فإن قضية المقعد رغم رمزيتها، تبدو محدودة، إذا تم مقارنتها بالأبعاد الكاملة للأزمة، فوجود الائتلاف على مقعد سوريا في الجامعة، لن يسقط النظام، خاصة أنه لم يتمكن من ذلك على الأرض حتى الآن، كما أن هناك مهمات أكثر إلحاحا، لعل في المقدمة، وقف إطلاق النار، وتوصيل المساعدات الإنسانية، وإنهاء أزمة اللاجئين والنازحين داخل سوريا وخارجها، وتوحيد صفوف المعارضة بالإضافة إلى حل المشاكل التي تواجه سوريا بعد حسم الصراع، خاصة مرحلة إعادة البناء بالإضافة إلى مساعدات دول الجوار على تحمل تبعات أزمات اللاجئين السوريين.