


عدد المقالات 117
قيامُ الليل في شهرِ رمضانَ المبارك عبادةٌ جليلة، تتجلّى فيها معاني الإيمان الصادق والخشوع والأنس بالله تعالى، وإذا كان قيام الليل مشروعًا في سائر العام، فإن له في رمضان خصوصيةً أعظم، إذ يجتمع فيه شرف الزمان مع شرف العبادة، وتتنزّل فيه الرحمات، وتُضاعف الحسنات، وتُفتح أبواب الجنان. لقد أثنى الله تعالى على أهل قيام الليل في كتابه الكريم، فقال سبحانه: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (سورة الذاريات: 17-18). فهؤلاء قومٌ قلَّ نومهم في الليل طمعًا في رضا الله تعالى، يحيون ساعات السحر بالاستغفار والدعاء، فاستحقوا ثناء الله ومدحه. وقال تعالى أيضًا في وصف عباده الصالحين: ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (سورة السجدة، 16). أي ترتفع جنوبهم عن فرشهم، فيتركون لذة النوم، ويقفون بين يدي ربهم خاشعين، يجمعون بين الخوف من عقابه والطمع في رحمته. أما في رمضان، فإن قيام الليل يتجلى في صلاة التراويح والتهجد، وهو سنةٌ سنّها رسول الله ﷺ لأمته. قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (البخاري، رقم 37. ومسلم، رقم 759). فقوله «إيمانًا» أي تصديقًا بوعد الله، و»احتسابًا» أي طلبًا للأجر لا رياءً ولا سمعة، وجزاؤه مغفرة الذنوب، وهو أعظم ما يتطلع إليه المؤمن. ومن فضائل قيام الليل في رمضان أنه سببٌ لاغتنام ليلة القدر، تلك الليلة الفضيلة والمباركة التي تعدل ألف شهر، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (سورة القدر، الآيات 1-3). وقد كان النبي ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهده في غيرها، كما في حديث عائشة رضي الله عنها: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ» (البخاري، رقم 2024. ومسلم، رقم 1174). فإحياء الليل هنا يشمل الصلاة والذكر والدعاء وتلاوة القرآن. وقيام الليل دليلٌ على صدق المحبة لله، فإن المحبَّ يأنس بمناجاة محبوبه، ويجد في السجود راحةً لقلبه. وقد قال النبي ﷺ: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ» (مسلم، رقم 1163). فإذا كان قيام الليل أفضل النوافل مطلقًا، فكيف إذا كان في رمضان، شهر القرآن، وشهر الصيام، وشهر العتق من النيران؟ ولقيام الليل أثرٌ عظيم في تزكية النفس، وتليين القلب، وتربية الروح على الصبر والمجاهدة، فحين يقف العبد في ظلمة الليل، وقد نام الناس وسكنت الأصوات، يشعر بقربه من الله، ويستحضر قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ (سورة الإسراء، الآية 79)، فكيف إذا اجتمع قيام هذا الليل مع صيام نهاره في شهر رمضان المبارك، شهر مضاعفة الأجر والثواب!؟ أي رحمات وبركات وأي تزكية يمكن أن ينالها العبد في هذا الشهر المبارك!؟ إن قيام الليل طريقٌ إلى رفعة الدرجات، وعلو المنزلة عند الله. وفي رمضان، هناك فرصة متكررة لقيام الليل في جماعة مع المسلمين، وذلك في صلاة التراويح التي تعدل قيام الليل، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الرَّجلَ إذا صلَّى معَ الإمامِ حتَّى ينصرفَ حسبَ لَه قيامُ ليلةٍ» (الترمذي، رقم 806. النسائي، رقم 1364)، حيث تجتمع القلوب في المساجد لأداء صلاة التراويح، فتتوحد الصفوف، وتعلو الأصوات بتلاوة القرآن، وتخشع القلوب بذكر الله، إنه مشهدٌ إيمانيٌّ عظيم، يطهر القلوب ويزكّي النفوس، وهو بابٌ عظيم لعتق رقاب العابدين الصائمين القائمين من النار. فيا من أدركت رمضان، لا تحرم نفسك لذة القيام، ولو بركعاتٍ يسيرات، فإن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ، واجعل لك نصيبًا من الليل، تناجي فيه ربك، وتبث إليه همومك، وتسأله من فضله، فلعلّ ركعةً في جوف الليل تكون سببًا في مغفرة ذنب، أو تفريج كرب، أو رفع درجة. نسأل الله أن يجعلنا من القائمين في رمضان إيمانًا واحتسابًا، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وأن يبلغنا ليلة القدر، ويجعل لنا فيها نصيبًا من رحمته ومغفرته ورضوانه.
أقام إبراهيم عليه السلام الحجة العقلية والشرعية على بطلان عبادة الأصنام، وكشف زيف المعتقدات التي أحاطها المشركون بهالة من القداسة، وذلك في قوله تعالى: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ...
يمثّل القاضي محمّد بن إسماعيل العمرانيّ واحداً من آخر كبار العلماء الذين حافظوا على المرجعيّة الدينيّة التقليديّة ذات الامتداد الاجتماعيّ الواسع في اليمن، وقد امتدّت حياته قرابة قرن من الزمن، شهدت الخلافة تحوّلات سياسيّة واجتماعيّة...
تميّزت شخصيّة الدكتور السباعيّ - رحمه الله -بصفات القادة الربّانيّين من قوّة الإيمان، والعلم الربّانيّ، وذكاء حادّ، وإخلاص لدينه، وصدق متناه، وجهاد بالمال والنفس والقلم، وكرم وسخاء، وزهد في المال والمناصب، وعزيمة قويّة، وعلوّ همّة،...
يُعتبر الشيخ السباعيّ بالنسبة لي من أوائل من فتح عيني وفكري على خطورة كتابة المستشرقين، وعن أثرهم الكبير في القافة العربيّة والإسلاميّة، وتحدّث عن خطورة العبوديّة الفكريّة، وعن أدوارها التي مررنا بها في مطلع نهضتنا...
كتب الشيخ الدكتور مصطفى السباعي (رحمه الله) كتاباً من أعظم الكتب في القرن الماضي في (السنة ومكانتها في التشريع)، وهو من الكتب التي شكلت لي مرجعية مهمة في الرد على الشبهات والأغاليط والأكاذيب التي نشرها...
لم تكن فلسطين في وجدان الشيخ مصطفى السباعي قضيةً عابرة، ولا شعارًا يُرفع في الخطب، بل كانت جرحًا حيًّا يسكن القلب، وعقيدةً تتحرك في الفكر، وميدانًا يتجسد فيه الإيمان عملًا وجهادًا. لقد حملها في دمه...
ليست البدايات في حياة العظماء تفاصيل عابرة بل هي المفاتيح الحقيقية لفهم مساراتهم وآثارهم. وحين نقف عند التكوين المبكر للشيخ مصطفى السباعي فإننا نقرأ مرحلة تأسيسية صنعت عالماً عاملاً وداعية مجاهداً. فقد نشأ في بيئة...
شهد القرن العشرون نجوما ساطعة، وأقمارا هادية، وشموسا منيرة، وكواكب نيّرة من علماء الأمّة المصلحين الذين وقفوا بعلمهم وإيمانهم أمام العواصف العاتية في ذلك القرن الذي شهد تغيّرات جذريّة، وحروباً طاحنة، ومشاريع متصارعة على مستوى...
تجسّد وصية نبي الله يعقوب عليه السلام لأبنائه في سورة يوسف نموذجاً بديعاً للتوازن بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله، حيث جمع بين الحكمة البشرية والإيمان العميق بالقضاء والقدر، ففي قوله تعالى على لسان يعقوب...
تُعدّ غزوة تبوك من أبرز محطات التربية الإيمانية والإعداد العسكري في السيرة النبوية، إذ جسّدت نموذجاً عملياً لإعداد الجيل المؤمن القادر على تحمّل أعباء الرسالة. فقد خرج النبي ﷺ بجيش العسرة في ظروف شديدة القسوة...
تُعدّ غزوة حنين من الأحداث المفصلية في السيرة النبوية التي سجّلها القرآن الكريم لتبقى درسًا خالدًا للأمة عبر العصور، فقد كشفت هذه المعركة عن حقيقةٍ تربوية وإيمانية عميقة، وهي أن النصر لا يتحقق بكثرة العدد...
ملّةُ إبراهيم عليه السلام أساس رسالة التوحيد التي قامت عليها دعوة الأنبياء جميعًا، فهي الملة التي تدعو إلى إخلاص العبادة لله وحده ونبذ الشرك بكل صوره. وقد أكد القرآن الكريم مكانة هذه الملة وسموّها، مبينًا...