


عدد المقالات 103
ككل الصغار ناموا ليلعبوا مرة أخرى في أحلامهم الملونة. لكن ثلاثتهم ومعهم كل الألوان والألعاب احترقوا بعد أن أغمضوا أعينهم بدقائق. فالشمعة التي أهدتهم بصيصا من الضوء قبل النوم توحشت والتهمت الصغار الثلاثة. اندلعت الصرخة من منزل بسيط بقلب «دير البلح» وسط قطاع غزة. صرخة ليست ككل الصرخات. صرخة والدين فقدا في لحظة واحدة أبناءهم الثلاثة. ولم يكد يمضى أسبوع واحد ليسقط طفل آخر في غياهب الموت بعدما انقطعت الكهرباء عن جهاز التنفس الذي يمده بالأكسجين. ليلحق الصغير بنديم(6 سنوات) وفرح (5سنوات) وصبرى (4 سنوات) الذين قضوا في اليوم الأول من هذا الشهر في واحدة من أسوأ الحرائق الناجمة عن إشعال الشموع بديلاً للتيار الكهربائي المفصول عن منازل قطاع غزة الذي يقطنه نحو مليون و700 ألف نسمة بسبب أزمة الوقود. وقد سبق الأطفال الثلاثة عشرات الأطفال والنساء والرجال الذين قضوا حرقاً، إما بسبب الشموع أو انفجار مولد صغير للتيار أو غيره، إلا أن الفاجعة هذه المرة كانت مدوية، شاهدة على حجم تداعيات أزمات الكهرباء والوقود والغاز وغيرها التي تضرب سكان غزة دون بارقة أمل تلوح في الأفق. ووفقا لوزارة التخطيط الفلسطينية تبلغ الخسائر الشهرية نتيجة للحصار نحو 16مليون دولار نتيجة منع إدخال المواد الخام وتصدير المنتج، فضلا عن الخسائر الناجمة عن الحرب الإسرائيلية على غزة والتي بلغت 1.7 مليار دولار بشكل مباشر، إضافة إلى ملياري دولار تعتبر خسائر غير مباشرة. جاء الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة منذ يونيو 2006، نتيجة مباشرة للعملية العسكرية التي نفذتها المقاومة الفلسطينية في يونيو 2006، وأُسر بموجبها الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، وفي أعقاب ذلك قامت قوات الاحتلال الإسرائيلي بتشديد إجراءات الحصار المفروض على القطاع على نحو غير مسبوق، بما في ذلك إغلاق كافة المعابر الحدودية أمام حركة المواطنين والمعاملات التجارية. ومع أن مثل هذه التدابير ليست حديثة العهد بإسرائيل، إلا أنها في هذه المرة كانت مركزة وهادفة إلى خنق القطاع وعزله عن العالم الخارجي، وقد أعلنت إسرائيل قطاع غزة منطقة معادية وعملت على تشديد الحصار بعد استلام حركة حماس للسلطة فعلياً عام 2007. ويتسم الحصار الذي تفرضه إسرائيل على قطاع غزة بأنه حصار شامل، بري وبحري وجوي، إذ تُشكل المعابر الستة المتنفس الوحيد للقطاع والمخرج الوحيد لسكانه، في حين تُسيطر مصر على معبر واحد منها هو معبر رفح، وتتحكم إسرائيل بالمعابر الأخرى التي خُصص كل منها لغرض معين لخدمة القطاع، كعبور العمال أو حركة الأفراد أو التزود بالوقود والغاز أو الحركة التجارية. أو استيراد مواد البناء، وقد اتبعت إسرائيل سياسة إغلاق هذه المعابر أمام السلع والخدمات وحركة الأفراد، بشكل شبه متواصل، لتمنع بذلك وصول متطلبات الحياة اليومية إلى القطاع، أما مطار غزة الدولي الذي تأسس عام 1998 بموجب اتفاق أوسلو فقد أُغلق عام 2000، ثم قصف مهبطه الوحيد للطائرات وتدميره خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2008. أما المناطق الساحلية فتبعاً لاتفاق أسلو حددت منطقة صيد الأسماك بعشرين ميلاً بحرياً إلا أن إسرائيل عملت منفردةً على تحديد هذه المسافة بستة أميالٍ بحريةٍ ثم قلصتها إلى ثلاثة أميال بحرية فقط في بداية عام 2009. وكانت الحكومة الإسرائيلية قد اعتقدت أن اتباعها هذا الأسلوب سيشكل مخرجاً من المأزق الذي، وجدت نفسها به نتيجة فوز حماس في الانتخابات. فسعت منذ ذلك الحين إلى عزل القطاع بشكلٍ يحول دون تنفيذ الحكومة المنتخبة لخططها وأداء مستحقاتها من جهة، وعبر وضع أهالي القطاع في ظروفٍ معيشيةٍ تدفعهم إلى المطالبة بإجراء انتخاباتٍ مبكرةٍ من جهةٍ أخرى، فشكّل الحصار إمعاناً في سياسات الاحتلال الإجرامية المتواصلة إزاء الشعب الفلسطيني بعد أن ترك آثاره في مجالات الحياة كّلها في القطاع. ومع تواصل أنين قطاع غزة تحت وطأة هذا الحصار الخانق، ترتفع النداءات الدولية على المستويات الرسمية وغير الرسمية، لإنهائه، وتشير «خولة محيي الدين «في دراستها القيمة التي نُشرت العام الماضي في مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية إلى أن الحصار قد مر بمراحل متعددة في تطوره وظهر بصيغٍ مختلفةٍ. هذا ولم يعد الحصار، في تطبيقاته الحديثة، يقتصر على استخدام القوات البحرية بل أصبح من الممكن أن يشمل إلى جانب ذلك المجالين البري والجوي للدولة المحاصرة للسيطرة على منافذها كلها. وهناك نمطان أساسيان من الحصار، أولهما يُستخدم خارج نطاق العمليات الحربية، بينما يُوظف الثاني في أثناء اندلاع الحروب. ويسمى النوع الأول «الحصار السلمي» وهو وسيلة لتسوية نزاع معين عن طريق إجراءات تنفذها دولة ما باستخدام قواتها العسكرية لعزل منطقة. أما النوع الثاني للحصار فهو الحصار الحربي، وفيه تحيط القوات المسلح بموقعٍ معينٍ، كمدينةٍ أو معسكرٍ أو قلعةٍ، بغية إجبار المحاصرين على الاستسلام بعد انتهاء الذخائر أو المواد الغذائية التي بحوزتهم. على أن ما لم يذكره خبراء السياسة هو الحصار الذي تصنعه الأنظمة الاستبدادية التي توظف أجهزتها لحصار عقل وروح مواطنيها ليقعوا أسرى الخوف والجمود والتبعية للدولة. ذلك الحصار الذي لا يُرى بالعين ولا يطلق صوتا كصوت الذخائر. إنه الحصار الذي يهزم قدرة البشر على الحب وعلى التغيير. إنه الحصار الذي يصنع سياجا من اليأس. إنه الرهان الذي توظفه إسرائيل منذ استيلائها على الأرض الفلسطينية. وهو أيضاً الرهان الذي يقاومه الفلسطينيون. فما زالوا رغم زمن الحصار ورغم تجاهل الأشقاء وخذلان دول الجوار يقاومون. ما زالوا يبتكرون سبلا للعيش رغم النيران التي تأكل منازلهم وصغارهم. وما زالوا يبعثون برسائل تقول إنهم باقون وصامدون.
إنه اللقاء بكل شغفه ولهفته وقوته وطاقته القادرة على إحياء الأمل وبعثه من باطن اليأس. إنه اللقاء.. فلم أجد لفظة أخرى تصف العيون المتلألئة ولا الخطوات المندفعة ولا تلك الحياة التي عادت تجري فكست الوجوه...
سمعت تلك الكلمة للمرة الأولى في منزلنا بينما جارتنا تأخذ قسطا من الراحة لدينا. اعتذرت عن كوب الشاي الذي أعدته أمي قائلة «لازم احضر العشا للاجئين اللي عندي». أخبرتني أمي أن «اللاجئ « مصطلح يطلق...
في الطابق التاسع كنت أسكن. ومن أعلى رأيت أطفال الجيران يرسمون في الشارع الإسفلتي خطا أبيض. ثم احتكروا لأنفسهم المساحة الأكبر وتركوا للطفل الأسمر وأقرانه ما تبقى. والأسمر كان في مثل عمرهم. وكذلك فريقه الذي...
«لقرون طويلة حكيت عني يا شهرزاد, غطى صوتك على صوتي» لكنى الآن وبدون ندم أشيعك إلى مثواك وأعلم أني لن أسبح في الفرح, لكني سأعيش بهجة غسل تراثك. وفى حضرة الحكاية علينا أن نبدأ القصة...
المشهد الأول: كان أن تحدث مرشح الرئاسة عن برنامجه الطموح لقيادة مصر في مرحلة مفصلية, واستعرض مجالات عدة ثم قال «وأما عن المياه فسوف نزيد مياه النيل بالدعاء». المشهد الثاني: صوت جهوري لرئيس الجمهورية آنذاك،...
طرقة واحدة مفاجئة، ثم ضاع الضوء وانسحبت الكهرباء إلى أسلاكها وتركتنا في عتمة قاتمة، بنظرة واحدة على الشارع أدركت أننا نصفان، نصف مضيء ونصف معتم، كان جانبنا صامتا وكأن الحياة قد توقفت عنه، حارسة العقار...
أعادته مرة أخرى إلى الطبق الصغير عقب الرشفة الأخيرة، ثم انتظرتْ دقائق وقَلَبَتْه فسال اللون الداكن برائحته النفاذة وتلون الخزف الأبيض. وأكملت هي حوارها تاركة لي الحيرة من أمر تلك القهوة التي تجمع جدتي بجارتنا...
أيمكن أن يصدق عاقل أن «فارس» حمل عتاده وسلاحه وسافر طويلا لكي يحمي «مالك» الذي لا يعرفه ولا يعرف عنه شيئا. البعض قال لي لا بد أن «فارس» ملاك في جسد بشر. لكن آخرين كانوا...
كان يكفي أن أنظر للسماء لأعلم لما لا يرد شقيقي على الهاتف. متحفزا. مكتملا. باهيا. كان قرص القمر في قلب السماء. متألقا وسط النجوم. مدركا حجم ضوئه وعمق أثره. مختالا بنوره الذي يوقظ كل الصحاري...
في مايو ومنذ ما يزيد على ثلاثة وخمسين عاما, وقبل أن تهبط الأحلام على النائمين انفجر غضب ما من باطن الأرض فقسمها وضرب مبانيها وأهال التراب على ما يزيد على ثلاثة آلاف نسمة. يومها لم...
الشاب ذو الصوت الصادق حاصرني, كما كان لأسئلته تفرد مدهش فلم أملك إلا الانتظار, سار بي خطوات قليلة ثم أشار إلى سمكتين لونهما أزرق يتوسطان لوحة القماش المعلقة, وقال: «أتعرفين لماذا وُلدنا؟». صمت من هول...
أتصدقون أن بين وحشين كبار عاشت الغزالة الصغيرة آمنة حالمة, لكن الأهم أنها عن حق سعيدة, ثم عَنَّ لها أن تجرب الجنون, فإذا بها تعلن بصوت عال أنها في طريقها لتصدير السعادة, ولو لم أكن...