


عدد المقالات 604
توقفنا في مقال الخميس الماضي عند الإدارة المتخلفة للنخبة السياسية المصرية، لأزمة سد النهضة الإثيوبي. والتي قد تكون الأخطر، والأهم، التي تواجه مصر في المرحلة الحالية، ونستكمل في مقال اليوم ما بدأناه. لعل إحدى الأزمات التي تواجه النخبة المصرية، أنها تعيش كثيرا على الماضي، مما يؤثر على مجريات الحاضر، الذي يقول إن مصر الخمسينيات مختلفة بشكل جذري عن مصر في أوائل القرن الحادي والعشرين. والأمر ليس قاصرا على مصر فقط، ولكن على العالم، وإفريقيا، وهي موضوعنا اليوم. فالقارة السمراء اختلفت كثيرا، صحيح أن التاريخ يقول إن مصر بلد الزعيم جمال عبدالناصر، ساهمت في نيل عدد من الدول الإفريقية لاستقلالها، كما كان حريصا من وجهة نظر استراتيجية على الإبقاء على علاقات متوازنة مع إمبراطور إثيوبيا، رغم أنه داعم رئيسي للثورات في إفريقيا، ولكن لإثيوبيا شان آخر مرتبط بأحكام الجغرافيا، ووقائع التاريخ، ولكن رؤساء مصر ما بعد عبدالناصر أضاعوا كل الإنجازات. أفقدوا مصر كل قواها الناعمة، سواء بالتعالي، أو الإهمال، لدرجة أن السادات دخل في صراع سياسي مع إثيوبيا كجزء من الحرب الباردة في ظل وجود نظام منجستو الماركسي، الموالي للاتحاد السوفيتي في ذلك الوقت بعد تحالفه مع واشنطن. كما أن مبارك لم يشارك في أية مناسبة سياسية، تجمع القادة الأفارقة، وفي المقدمة مؤتمرات قمة الاتحاد الإفريقي بعد محاولة اغتياله الفاشلة في أديس أبابا، وحتى وجود شخصية بوزن الدكتور بطرس غالي، صاحب العلاقات الواسعة مع القادة الأفارقة، وكان لهم الفضل في فوزه بمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، ولكن دوره كان هامشيا، بروتوكوليا، دون تأثير على مسار السياسة الخارجية المصرية، التي ولت وجهها شطر واشنطن. وكان مبارك حريصا سنويا على الحج للبيت الأبيض. واكتفت مصر بمشاهدة تحركات الآخرين، ومنهم قادة عرب. وفي المقدمة القذافي والاعتماد على حديث المؤامرة، والتدخل الإسرائيلي في دول إفريقيا، خاصة في حوض النيل دون أن يتوقف أحد لكي يحاسب نفسه، وقيادته السياسية، ماذا فعلت هي؟ دون أن تنتقد تحرك الآخرين، ولقد أصاب التكلس السياسية الخارجية المصرية، وتم تهميش علاقات مصر مع إفريقيا، خاصة دول حوض النيل، رغم أنها بدأت تطالب بحقوق والتزامات تخص نهر النيل من خلال اتفاقية عنتيبي. وما زالت مصر والسودان متحفظتين على التوقيع، وبعد ذلك يظل السؤال كما هو كيف تتعامل مصر مع أزمة سد النهضة؟ وما السيناريوهات المطروحة؟ من البداية علينا أن نصل إلى معلومات محددة وموثقة بأن السد يهدد مصر في حصتها من المياه، ولا بد من حسم هذه القضية بشكل واضح وصريح، فإذا كانت الإجابة بأنه لن يؤثر فعليا، فعلى مصر أن تدعم إثيوبيا في هذا المجال، على اعتبار أن المشروع تحول إلى هدف قومي للشعب هناك، وأن تبحث آليات للتعاون، وتقديم الخبرات المكتسبة من بناء السد العالي، ومثل هذه الخطوة ستصب في مرحلة تمتين العلاقات المشتركة، والقائمة على أساس المصالح المتبادلة. أما إذا كانت الإجابة بنعم فسد النهضة سيؤثر، فهناك أكثر من سيناريو مع استبعاد الخيار العسكري. فالزمن غير الزمن، والدنيا الآن مختلفة، ولن تسمح باندلاع مواجهة عسكرية من هذا النوع، كما أن هناك موانع جغرافية تحول دون المواجهة المباشرة، فمسرح العمليات لا يسمح سوى باستخدام سلاح الطيران مع توفير تسهيلات من أحد دول الجوار، وهو أمر يبدو صعبا، وقد يصل إلى درجة الاستحالة، ويكفي رصد الموقف السوداني سواء في الشمال أو الجنوب، والأول صاحب مصلحة، وقد يكون متضررا، ولكن مخاوفه من هندسة بناء السد، ومن الانهيار ليس إلا. وستتحول دولة الجوار التي ستقدم تسهيلات هدفا للقوات الإثيوبية، كما أن مثل هذا العمل يهدد بحرب إقليمية قد تتناقض مع مصالح الغرب وأميركا، وبعيدا عن ذلك هل القدرات المصرية ووضعها السياسي يسمح بمثل هذا الخيار؟ أعتقد «لا». وبعيدا عن ذلك، فمصر لن تعدم خيارات المواجهة، والأول هو الدخول في حوار مباشر مع الحكومة هناك، وإن كان مثل هذا الأمر قد تم عبر اللجنة الثلاثية، ومع ذلك لا بد أن يكون ذلك المدخل الصحيح، وأن يتسلح المفاوض المصري بأمرين: الأول الأدلة والمعلومات الكافية عن حجم وشكل أضرار مصر من السد، والثاني البدائل المطروحة لمعالجة ذلك بعيدا عن عنتريات البعض، التي تطالب بعمليات استخبارية تسعى إلى هدم السد بالنسف،أو التفجير، أو ما شابه. مع الوضع في الاعتبار أن تكون البدائل المصرية لا تضر بالمصالح التنموية لإثيوبيا. ومن بين البدائل أيضا اللجوء إلى المنظمات الإقليمية مثل الاتحاد الإفريقي، والجامعة العربية، والدولية مثل الأمم المتحدة، وهناك الأهم، وهو السعي لدى كل منظمات التمويل الدولية، لوقف عملية تقديم مساعدات أو قروض لإثيوبيا لبناء السد. والقانون الدولي في هذه الحالة في الصف المصري، الذي يستوجب موافقة الدول المتشاطئة في الأنهار على أي مشروع يخص النهر. وإثيوبيا في حاجة إلى 5 مليارات دولار لتمويل سد النهضة، كما أن على مصر البحث عن مشاريع بديلة، قد تزيد من حصتها في نهر النيل، وفي المقدمة منها قناة جونجلي في دولة جنوب السودان. التي توقف العمل بها، نتيجة الحرب بين الشمال والجنوب. وكان قد تم إنجاز %65، وهي تمد مصر بنحو ما بين 4 إلى 17 مليار متر مكعب على ثلاث مراحل. والمهم هو موافقة دولة جنوب السودان على استئناف العمل، مقابل دور مصري في دعم الاقتصاد في جوبا، وزيادة الاستثمارات المصرية، مع تعظيم فوائد الجنوب من المشروع. والمهم هو الدور المصري في تقليل الفاقد من المياه، ويكفي أن نعرف أن إيراد النهر السنوي يصل إلى 1660 مليارا، مصر والسودان لا يستهلكان سوى 82 مليارا بنسبة %6. وغالبية دول حوض النيل تعتمد في الزراعة على الأمطار، كما أن هناك دورا مصريا مطلوبا في إعادة الاعتبار إلى النيل، والسعي إلى توفير الفاقد من استخدام المياه، سواء في الشرب، أو الزراعة، أو الصناعة.
لا أدري إذا كانت تصريحات المبعوث الأممي السابق إلى ليبيا غسان سلامة، حول حقيقة ما جرى منذ هجوم اللواء المتقاعد خليفة حفتر الغادر على العاصمة الليبية طرابلس في أبريل من العام الماضي، نوعاً من إبراء...
عندما يتعلق الأمر بحاضر ومستقبل أكثر من مائة وخمسين عربي في مصر والسودان، فنحن في حاجة إلى الاصطفاف والحذر، والحرص في التناول والتعامل أثناء التعامل مع ملف سد النهضة، وعندما تكون القضية تخصّ شريان الحياة،...
هاهي أميركا تجني ثمار ما زرعته في العراق، فبعد أكثر من 17 عاماً من غزوها العاصمة بغداد، تجد نفسها مجبرة على الدخول في حوار استراتيجي مع حكومة الكاظمي؛ للاتفاق حول شكل وحجم قواتها هناك، بعد...
إن أي مراقب محايد وحريص على التجربة الديمقراطية الوليدة في أعقاب أنجح نماذج الربيع العربي، لا بدّ أن يقرّ ويعترف بأن هناك أزمة حقيقية تعاني منها تونس، وبداية الحل في الاعتراف بوجودها، والاتفاق على آليات...
عندما يجتمع «الهوان» العربي، و»التخبّط» الفلسطيني، مع «الدعم» الأميركي، وموقف «إبراء الذمة» الأممي والأوروبي، فالنتيجة أن المشروع الإسرائيلي لضمّ 30% من الضفة الغربية -وهو قيد التنفيذ- في يوليو المقبل سيمرّ، وعلى الجميع أن يتنظر خطوة...
بكل المقاييس، فإن شهري يونيو ويوليو المقبلين هما الأخطر في مسار أزمة سد النهضة، وسيحددان طبيعة العلاقات المصرية السودانية من جهة، مع إثيوبيا من جهة أخرى، وكذلك مسار الأحداث في المنطقة، وفقاً للخيارات المحدودة والمتاحة...
أسباب عديدة يمكن من خلالها فهم الاهتمام الاستثنائي من جانب الكثيرين من المعلّقين والكتّاب -وأنا منهم- بقضية سدّ النهضة، والأزمة المحتدمة على هذا الصعيد بين مصر وإثيوبيا والسودان، ومنها أنها تتعلّق بحاضر ومستقبل شعبين عربيين،...
بعد عدة أشهر من استقالة رئيس الوزراء العراقي السابق عادل عبدالمهدي، كان الخيار الأول لمن يخلفه هو مصطفى الكاظمي رئيس الاستخبارات العراقية، ولكنه تحفّظ على قبول التكليف، ووسط عدم قبول كتل شيعية له؛ ولكنه أصبح...
المتابعة الدقيقة لمسيرة اللواء المتقاعد خليفة حفتر تؤكد أن الرجل لم ولن يتغير؛ فقد ظهر بشكل كوميدي لأول مرة في فبراير 2014، داعياً الليبيين إلى التمرّد على المؤتمر الوطني العام المنتخب من قِبل الشعب الليبي،...
أزمات لبنان الحقيقية تبدأ وتنتهي عند المحاصصة السياسية والطائفية، يضاف إليها الرغبة في التسييس والتأزيم، مع تمترس كل طائفة وتيار وحزب سياسي وراء مواقفه، دون الرغبة في اللجوء إلى التسويات السياسية، أو لقاء الآخر عند...
لن تخرج الاحتمالات الخاصة بتمرير الحكومة العراقية الجديدة برئاسة مصطفى الكاظمي، عن هذه الاحتمالات؛ إما أن ينجح الرجل فيما فشل فيه سابقاه محمد توفيق علاوي وعدنان الزرفي، ويصل إلى التشكيلة المناسبة ليتم تمريرها عبر مجلس...
لا أسامح نفسي على إطراء شخصية مثل بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي، ولكنه يقع في إطار إقرار واقع وقراءة في مسيرة الرجل، الذي استطاع عبر سنوات طويلة، أن يستخدم أدواته بصورة جديدة، ليحتفظ بالموقع طوال...