


عدد المقالات 112
ذكر أهل العلم بالتَّواريخ والسِّيَر أنَّ أبا بكرٍ شهد مع النبيِّ (ﷺ) بدراً، والمشاهد كلَّها، ولم يفته منها مشهدٌ، وثبت مع رسول الله يوم أحدٍ حين انهزم الناسُ، ودفع إليه النبيُّ رايته العظمى يوم تبوك، وكانت سوداء (ابن سعد، ص 1/124) (ابن الجوزي، ص 1/242). شارك الصِّدِّيق في غزوة بدرٍ، وكانت في العام الثاني من الهجرة، وكانت له فيها مواقف مشهورةٌ، من أهمِّها: 1ـ مشورة الحرب: لمّا بلغ النبيَّ (ﷺ) نجاة القافلة، وإصرار زعماء مكَّة على قتال النبيِّ؛ استشار رسول الله (ﷺ) أصحابه في الأمر (صحيح البخاري، رقم: 3952)، فقام أبو بكرٍ، فقال وأحسن، ثمَّ قام عمر، فقال وأحسن (ابن هشام 1997، ص 2/447). 2ـ دوره في الاستطلاع مع النبيِّ (ﷺ): قام النبيُّ (ﷺ) ومعه أبو بكرٍ يستكشف أحوال جيش المشركين، وبينما هما يتجوَّلان في تلك المنطقة، لقيا شيخاً من العرب، فسأله رسول الله عن جيش قريشٍ، وعن محمَّدٍ، وأصحابه، وما بلغه من أخبارهم، فقال الشيخ: لا أخبركما حتّى تُخبراني ممَّن أنتما. فقال له رسول الله: «إذا أخبرتنا أخبرناك». فقال: أو ذاك بذاك؟ قال: «نعم». فقال الشَّيخ: فإنَّه بلغني: أنَّ محمداً، وأصحابه خرجوا يوم كذا، وكذا، فإنْ كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا، وكذا ـ للمكان الذي به جيش المسلمين ـ، وبلغني: أنَّ قريشاً خرجوا يوم كذا، وكذا، فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا، وكذا ـ للمكان الذي فيه جيش المشركين فعلاً ـ، ثمَّ قال الشَّيخ: لقد أخبرتكما عمّا أردتما، فأخبرانِي ممَّن أنتما؟ فقال رسول الله: «نحن من ماءٍ». ثمَّ انصرف النبيُّ (ﷺ) وأبو بكر عن الشَّيخ، وبقي هذا الشَّيخ يقول: ما من ماء؟ أمن ماء العراق (ابن هشام، 1997، ص 2/228). وفي هذا الموقف يتَّضح قرب الصِّدِّيق من النبيِّ، وقد تعلَّم أبو بكر من رسول الله دروساً كثيرةً. 3ـ في حراسة النبيِّ في عريشه: عندما رتَّب (ﷺ) الصُّفوف للقتال؛ رجع إلى مقرِّ القيادة، وكان عبارةً عن عريشٍ على تلٍّ مشرفٍ على ساحة القتال، وكان معه فيه أبو بكرٍ ـ رضي الله عنه ـ وكانت ثُلَّةٌ من شباب الأنصار بقيادة سعد بن معاذ يحرسون عريش رسول الله (ابن هشام، 1997، ص 2/233)، وقد تحدَّث عليُّ بن أبي طالبٍ ـ رضي الله عنه ـ عن هذا الموقف، فقال: يا أيُّها النَّاس! مَنْ أشجع النَّاس؟ فقالوا: أنت يا أمير المؤمنين! فقال: أما إنِّي ما بارزني أحد إلا انتصفتُ منه، ولكن هو أبو بكرٍ: إنّا جعلنا لرسول الله عريشاً، فقلنا: من يكون مع رسول الله ؛ لئلاّ يهوي إليه أحدٌ من المشركين؟ فوالله ما دنا منه أحدٌ إلا أبو بكرٍ شاهراً بالسَّيف على رأس رسول الله، لا يهوي إليه أحد من المشركين إلا أهوى إليه، فهذا أشجع الناس وبعد الشُّروع في الأخذ بالأسباب اتَّجه رسول الله إلى ربِّه يدعوه، ويناشده النَّصر؛ الذي وعده ويقول في دعائه: «اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلا تعبد في الأرض أبداً»، وما زال يدعو ويستغيث حتّى سقط رداؤه، فأخذه أبو بكرٍ، وردَّه على منكبيه؛ وهو يقول: يراسل الله! كفاك مناشدتك ربَّك فإنَّه منجزٌ لك ما وعدك (مسلمٌ، كتاب الجهاد، رقم: 1763)، وأنزل الله عزَّ وجلَّ في رواية ابن عباسٍ ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾، قال النبي يوم بدر: « اللهم إني أنشدك عهدك، ووعدك! اللهم إن شئت لم تعبد!» فأخذ أبو بكرٍ بيده، فقال: حسبك الله، فخرج وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ (البخاريُّ، كتاب المغازي، رقم:3953)، وقد خفق النبيُّ خفقةً وهو في العريش، ثمَّ انتبه، فقال: أبشر يا أبا بكرٍ! أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه، يقوده، على ثناياه النَّقع؛ يعني: الغبار. قال: ثمَّ خرج رسول الله إلى النَّاس، فحرَّضهم (ابن هشام، 1997، ص 2/457). وكان النبيُّ إذا استشار أصحابه أوَّلُ من يتكلَّم أبو بكرٍ في الشُّورى، وربما تكلَّم غيره، وربما لم يتكلَّم غيره، فيعمل برأيه وحده، فإذا خالفه غيره اتَّبع رأيه دون رأي من يخالفه (مال الله، 1989، ص 325).
لم تكن فلسطين في وجدان الشيخ مصطفى السباعي قضيةً عابرة، ولا شعارًا يُرفع في الخطب، بل كانت جرحًا حيًّا يسكن القلب، وعقيدةً تتحرك في الفكر، وميدانًا يتجسد فيه الإيمان عملًا وجهادًا. لقد حملها في دمه...
ليست البدايات في حياة العظماء تفاصيل عابرة بل هي المفاتيح الحقيقية لفهم مساراتهم وآثارهم. وحين نقف عند التكوين المبكر للشيخ مصطفى السباعي فإننا نقرأ مرحلة تأسيسية صنعت عالماً عاملاً وداعية مجاهداً. فقد نشأ في بيئة...
شهد القرن العشرون نجوما ساطعة، وأقمارا هادية، وشموسا منيرة، وكواكب نيّرة من علماء الأمّة المصلحين الذين وقفوا بعلمهم وإيمانهم أمام العواصف العاتية في ذلك القرن الذي شهد تغيّرات جذريّة، وحروباً طاحنة، ومشاريع متصارعة على مستوى...
تجسّد وصية نبي الله يعقوب عليه السلام لأبنائه في سورة يوسف نموذجاً بديعاً للتوازن بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله، حيث جمع بين الحكمة البشرية والإيمان العميق بالقضاء والقدر، ففي قوله تعالى على لسان يعقوب...
تُعدّ غزوة تبوك من أبرز محطات التربية الإيمانية والإعداد العسكري في السيرة النبوية، إذ جسّدت نموذجاً عملياً لإعداد الجيل المؤمن القادر على تحمّل أعباء الرسالة. فقد خرج النبي ﷺ بجيش العسرة في ظروف شديدة القسوة...
تُعدّ غزوة حنين من الأحداث المفصلية في السيرة النبوية التي سجّلها القرآن الكريم لتبقى درسًا خالدًا للأمة عبر العصور، فقد كشفت هذه المعركة عن حقيقةٍ تربوية وإيمانية عميقة، وهي أن النصر لا يتحقق بكثرة العدد...
ملّةُ إبراهيم عليه السلام أساس رسالة التوحيد التي قامت عليها دعوة الأنبياء جميعًا، فهي الملة التي تدعو إلى إخلاص العبادة لله وحده ونبذ الشرك بكل صوره. وقد أكد القرآن الكريم مكانة هذه الملة وسموّها، مبينًا...
يبيّن القرآن الكريم أصول الإيمان التي يقوم عليها دين الإسلام، ويرسم للمؤمنين المنهج العقدي الصحيح الذي يجمع بين الإيمان بالله تعالى، والإيمان بجميع أنبيائه ورسله وكتبه دون تفريق أو تمييز. ومن الآيات الجامعة في بيان...
عرضت آيات سورة غافر جانبًا مضيئًا من قصة مؤمن آل فرعون، فأبرزت قوة الإيمان حين يقف في وجه الباطل، وصدق النصيحة حين تصدر من قلب مشفق على قومه. ويكشف المقال عن منهجه الحكيم في الدعوة،...
وصلت الأمَّة الإسلاميَّة في السَّنة العاشرة مرحلةً من النُّضج متقدِّمةً، وكان ذلك يقتضي لمساتٍ أخيرةً، فوسَّع (ﷺ) في العام التَّاسع، والعاشر من الهجرة دائرة التَّلقِّي المباشر، من خلال استقباله الوفود، ومن خلال رحلة الحجِّ، فأوجد...
يُبرز القرآن الكريم خطورة الجدال في آيات الله بغير علم أو حجة، لما في ذلك من انحراف عن طريق الحق وإصرار على الباطل رغم وضوح الدليل والحجة والبرهان. وذلك في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي...
يمثل مشهد خروج نبي الله نوح عليه السلام ومن معه من المؤمنين بعد الطوفان لحظة فارقة في تاريخ البشرية، إذ يؤذن ببدء مرحلة جديدة من مسيرة الإنسان على الأرض. وقد تجلى هذا المشهد في قوله...